لن يحك جلد الولايات المتحدة الأميركية إلا ظفرها. لذا حسمت إدارة أوباما أمرها، وقررت التدخل بقواتها العسكرية، وترسانتها الدبلوماسية للوصول الى أهدافها في المنطقة: أعطت الضوء الأخضر لسلاح جوها للتدخل في سورية والعراق ضد «داعش»، كما منحت وزير خارجيتها كيري الدفع اللازم لإنجاز اتفاق ما مع إيران بشأن برنامجها النووي، متجاوزة دور حلفائها العسكريين في البلدين كليهما، ومتخطية حسابات حليفها الخليجي المعتمد: المملكة السعودية.


لا يخفى على المتابع أن هناك إعادة موضعة للاهتمامات الاستراتيجية الاميركية في المنطقة، تقوم على إعادة الاهتمام بالشرق الأوسط على حساب (أو بالترافق مع) الاهتمام بجنوب شرق آسيا، ومبعث هذا أمران:
1ــ السيطرة السريعة على الأرض منذ منتصف العام الحالي لقوات الدولة الاسلامية في العراق والشام «داعش»، ما يهدد حلفاء الولايات المتحدة الاميركية في سورية والعراق بشكل مباشر، أي السلطة العراقية والأكراد في شمال العراق، والمعارضة الخارجية، والمجموعات المسلحة في سورية، كما يشكل تهديداً على المدى الأبعد لحلفائها في دول الخليج.
2ــ الثقل الإيراني المتعاظم في المنطقة والذي يتجلى أوضح تجل له في سورية ولبنان والعراق، وأخيراً اليمن، حيث ظهر مدى الاكتساح الحوثي لمناطق عديدة في اليمن بما فيها العاصمة صنعاء، والذي لا يشابهه إلا اكتساح «داعش» لمناطق واسعة في سورية والعراق، هذا ناهيك عن النفوذ الإيراني الصامت سياسياً وديمغرافياً في مختلف دول الخليج.

الحرب على «داعش»
قرّبت طرفي الصراع اقليمياً ودولياً أكثر من أي لحظة

كل ما سبق دفع الولايات المتحدة للإمساك بمسألة نفوذها في المنطقة بأيديها متجاوزة وعود أوباما الانتخابية بأنه لن يتدخل عسكرياً في دول العالم، وذلك بعد أن ظهرت لها حقيقتان:
1ــ أن مقاطعة إيران على مدى عقود، وفرض عقوبات عليها أضعفها اقتصادياً غير أنه قوّى نفوذها في المنطقة وخصوصاً في السنوات الأخيرة، كما لم يثنها عن المضي في برنامجها النووي، هذا بغض النظر عن الوضع الداخلي الإيراني وطبيعة الصراعات السياسية فيه.
2ــ إن اتكالها على حلفائها الخليجيين لم يعط ثماره؛ ويبدو أن تلك الدول تجيد إشعال النيران في المنطقة سياسياً وطائفياً ولكن لا قدرة لها ولا خبرة في كيفية اخمادها. فلم تستطع تلك الدول السيطرة على العراق لا أثناء ولا بعد انسحاب الولايات المتحدة منه، كما لم تنجح في تغيير النظام في سورية وبالتالي كسر حلف إيران ـ سورية ـ حزب الله، فالوضع العسكري في سورية يميل الى استقرار مناطق النفوذ العسكرية للطرفين المتصارعين كليهما، فلا تقدم مهماً لقوات النظام، ولا انتصارات نوعية للمعارضة المسلحة؛ لا ينفي ذلك حصول معارك واشتباكات، وتقدم وتراجع في أكثر من جبهة غير أنها جميعاً لا تخلّ بالوضع العسكري في صورته العامة؛ ما يجبر الولايات المتحدة على التعامل مع الوضع السوري باعتبار أن النظام باقٍ. ومن هنا ظهر ما ظهر أخيراً من خلاف أميركي ـ تركي حول الشأن السوري، ففي الحين الذي تريد تركيا وضع مسألة المناطق العازلة، والحظر الجوي، واسقاط النظام في اعتبارات التحالف الدولي ضد «داعش» (والنظام) فإن الولايات المتحدة تؤجل النظر في ذلك لحين ظهور نتائج ملموسة في مفاوضاتها مع إيران.
إن قبول الولايات المتحدة للتفاوض المباشر مع إيران يُعدّ مكسباً لهذه الأخيرة، كما أن نتائج المفاوضات في عُمان ثم في النمسا (5+1) وما تمخضت عنه أخيراً يُعدّ مكسباً لها أيضاً؛ فلقد كسرت المقاطعة الاميركية لها، ونالت اعترافاً بثقلها في المنطقة، كما افرجت عن 700 مليون دولار كل شهر من أموالها المجمدة خلال فترة التفاوض (7 أشهر)، وأهم من كل ذلك أخضعت إيران الولايات المتحدة لاستراتيجيتها المعمول بها منذ عشرة أعوام: كسب الوقت. كسب الوقت لحين اكتمال البرنامج النووي الإيراني (بما فيه العسكري) ما سيفرضها حينذاك بحكم الأمر الواقع كدولة نووية لا يمكن تجاوزها، ولا يمكن إلا أخذ مصالحها ونفوذها بعين الاعتبار عند رسم سياسات المنطقة، فوق ما هو قائم حالياً، كما سيحصّنها نهائياً ضد أي عمل عسكري معاد لها مستقبلاً.
هل يمكن التعويل على بدء خروج سورية من وضعها الراهن بناء على استمرار المفاوضات الإيرانية الاميركية؟
إن تقاطع الوضع في سورية مع أوضاع المنطقة مؤكد، فمنذ تحول الثورة الى العسكرة والتدويل أي حرب أصبح مصير سورية خارج أيدي السوريين، أصبح من يقرر مسألة الحرب والسلم فيها هو دول الاقليم ودول العالم، وبالتالي فإن وصول الولايات المتحدة الاميركية الى اتفاق ما مع السلطة الإيرانية سينعكس من دون ريب على الصراع في سورية، غير أن ذلك يعترضه أمران:
1ــ إن الاتفاق العتيد ليس مسألة أيام وأسابيع، فالأغلب أن هذه المفاوضات ستتطاول بسبب التباعد الكبير بين مواقف الطرفين من جهة، ونتيجة الميل الإيراني المنوّه عنه لمد أمد التفاوض الى أقصى ما تمكّنها منه آلة الدهاء الدبلوماسي من جهة ثانية.
2ــ إن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة: دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، وتركيا، ليست في وارد بلع نتائج المفاوضات أو قبول فرضها عليها. وكل من تلك الدول ـ رغم أنها تدور في الفلك السياسي الأميركي ـ فإن لها حساباتها الخاصة، وهي وإن كانت لا تستطيع تحقيق حل ما للحرب في سورية بإسقاط النظام (وهذا ما أرادته ومولته على مدى ثلاث سنوات ونصف من دون أن تنجح) فإنها تملك قطعاً القدرة على عرقلة أي حل بعيد من مصالحها وإرادتها... ولو الى أجل ما! هي لم تعد تملك عصا سحرية لقلب أوضاع سورية، لكنها تملك قطعاً عصا تضعها بين العجلات.
الخريطة السابقة لمستجدات المنطقة واوضاع بلدنا تقود الى استنتاجات عديدة:
1ــ الثبات النسبي لتقاسم النفوذ العسكري بين قوات السلطة والمجموعات المسلحة بالاضافة إلى «داعش» و«جبهة النصرة»، ما يعني استمرار النزيف السوري وزيادة عدد الضحايا في كل المناطق، كما سيزيد من أعداد اللاجئين والمهجّرين، ويفرض أعباءً معيشيةً شديدة القسوة على كل السوريين، هذا ناهيك عن تآكل الدولة السورية وانهيار البنية التحتية، وتدهور الاقتصاد، وتصدع المجتمع السوري برمته.
2ــ الولايات المتحدة ليست مستعجلة على اطفاء الحريق السوري، قدر استعجالها لضبط العلاقة مع إيران ومع قدراتها النووية، ما يدفع للاعتقاد أن المزيد من النزيف السوري لا يزعج الولايات المتحدة، بل إن ذلك يدخل في اطار استراتيجيتها للمنطقة: تفتيتها. ما يسهل الهيمنة المديدة عليها، كما يحصّن حليفتها اسرائيل ضد أية دولة مجاورة كبيرة أو قوية.
3ــ استقرار تقاسم النفوذ العسكري بين مناطق النظام (دمشق والساحل والمنطقة الواصلة بينهما: حمص) وبين مناطق المعارضة المسلحة (الشمال والبادية وجزء من الجنوب)، إضافة لسيطرة الاكراد على الشمال الشرقي. يؤسس كل ذلك لتقسيم سورية. تقسيم مفروض على الأرض، أما إعلانه فإنه متروك للظروف في المستقبل! فمن الواضح أن كل أطراف الصراع مهتمة بما يحدث على الأرض أكثر مما تهتم بإعلانه صراحة.
أمام هذا السيناريو الكارثي لا يبقى أمام الشعب السوري سوى أن يعوّل على مخرج تفاوضي ينهي استمرار الحرب، واستمرار القتل، والتدمير، والتهجير، وموت الآلاف في المعتقلات، وتلقي المواطنين للصواريخ والبراميل المتفجرة ببقايا قوة الحياة.
هنا لا بد من التنويه الى أن المفاوضات ـ عندما تحصل مفاوضات حقيقية ـ هي حكماً تنازلات مشتركة، وعليه فإن بقاء النظام كما هو أمر مستحيل، كما أن تحقيق كل مطالب المعارضة والمعارضة المسلحة أمر مستحيل بدوره. فالنظام لا يذهب الى طاولة المفاوضات لتقديم صك نهايته. والمعارضة ـ بكل تلاوينها ـ بدورها لا تذهب للتنازل عن جميع مطالبها. وفي حال عناد أحد الطرفين فإن ما سيحصل هو ما يحصل فعلاً منذ جنيڤ، 1) استمرار الحرب... هنا نذكّر بقول مساعدة وزير الخارجية الاميركي ويندي شيرمان: هناك مصلحة أميركية إيرانية في التوصل الى اتفاق، وإلا فالبدائل رهيبة جداً... (الصحف 27/10/2014)، وليست تلك النتائج الرهيبة جداً سوى استمرار اغراق المنطقة حرباً وقتلاً ودماراً.
المفاوضات هي باب التغيير. والمستحيل هو التغيير عبر استمرار الحرب، فالدول الداعمة لطرفي الصراع كليهما لن تلقي السلاح إلا في حال الحصول على جزء من مطالبها (وهذا أمره متروك لميزان القوى وقتذاك)، وهذا يعني في ما يعنيه عدم بقاء النظام كما هو.
لا بد من التصريح بأن المفاوضات بعيدة، وهي قطعاً ستمر على جثة «داعش» وأمثاله، بل يمكن القول إن الحرب على «داعش» قربت طرفي الصراع في سورية اقليمياً ودولياً أكثر من أي لحظة ماضية. ونذكّر بأنه لا يمكن للتحالف الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة أن يباشر بضرب مواقع «داعش» إلا بموافقة روسية وبالتالي بموافقة مؤكدة من النظام السوري، رغم التصريحات الاعلامية المعروفة!
ومن جهة أخرى، فإن مساعي الوسيط الدولي دي مستورا بقدر ما يمكن أن تشكل مقدمات للخروج من الوضع الراهن، بقدر ما هي محفوفة بمساعي النظام ـ على عادته ـ بإفراغ المساعي الدولية من محتواها، وهو ما فعله مع الوسيطين السابقين، متوهماً أن استمرار الحرب مع الموافقة الشكلية على المساعي الدولية يمكن أن تكسبه الوقت اللازم لنصر عسكري!
المخرج التفاوضي بقدر اشتراطه التوافق الاقليمي والدولي فإنه مشروط ـ كي يكون مخرجاً حقيقياً ـ بإنهاء نمط الحكم الذي أدخل بلادنا في أتون القتل والدمار، وهو النمط الذي أديرت به سورية على مدى أربعين عاماً، والقائم على القهر والاستبداد والنهب المنظّم، وشرخ وحدة المجتمع، وتجريف القيم الوطنية. وعليه فالحل الذي يأمله السوريون هو انتقال حقيقي، الى دولة حديثة. دولة في خدمة المجتمع، وليست ضده، دولة تعترق بتنوعه وتُعلي مبدأ تداول السلطة، ومساواة المواطنين أمام القضاء، وتفصل بين السلطات، وتوقف سلطة رأس المال النهّاب عن استباحة المال العام، وتسعى الى عدالة اجتماعية طالما عانى السوريون من غيابها، أي بكلمة واحدة: حل ينقل بلادنا من بربرية القوة الى دولة القانون والمجتمع.
فهل نحن قريبون من هذه اللحظة؟ لا يبدو ذلك في المدى المنظور، غير أنه محكوم ـ ضمن عوامل أخرى بالطبع ـ بما يجرى من مفاوضات ومناورات والتفافات اميركية ـ ايرانية بشأن البرنامج النووي لهذه الأخيرة... وبشأن دورها في المنطقة.

(افتتاحية العدد 79 من «الآن»، الناطقة بلسان حزب العمل الشيوعي في سورية.
أوائل كانون الأول 2014)