لا يعبّر الحكم الذي قضى بتبرئة مبارك ونجليه من قضايا الفساد وقتل المتظاهرين عن الطبيعة الفعلية للنظام الحالي، فالحقبة الآن تحكمها مصالح طبقية وسياسية متضاربة، وهذا يعني أنها لا تمثّل اتجاهاً واحداً داخل المجتمع أو مؤسّسات الحكم المختلفة. هكذا، لا يعود «الحكم بالبراءة» صالحاً للفصل بين ما هو ثوري وما هو فلولي أو مناقض للثورة، فالمعيار اليوم يحتكم إلى الواقع الذي يتطوّر وفقاً لمنطق مفارق لتصوّراتنا المسبقة عنه. الثورة نفسها تصبح في هذا السياق عرضة لتأويلات شتّى ولا تعود نسختها الخاصّة بيناير المعبّر الوحيد عن قيمها، فلكلّ طبقة وشريحة اجتماعية ثورتها الآن، وان كان الدستور الجديد يضع عبر صياغته القانونية الجميع في سلّة واحدة.


الدولة وتناقضاتها

تحاول الدولة هنا عبر المؤسسّات الدستورية التي أعيد صوغها تلافي هذه المشكلة ولكنها لا تفلح دوماً، وتجد نفسها أحياناً منحازة إلى طرف بعينه، على اعتبار أنّ شرعيتها لم تعد تعبّر عملياً عن يناير وحدها. هي لا تقول ذلك علناً حفاظاً على لحمة المجتمع، وتدع التعبيرات الاجتماعية والاقتصادية والإعلامية الأقرب إليها تتكفّل بالأمر. بعد ذلك يخرج السيسي ليقول إنّ شرعية الثورتين هي الأساس، ويأمر بإجراء تعديلات على القوانين المعمول بها لمحاسبة الفساد، ولا ينسى طبعاً أن يواكب التغطية الإعلامية للحدث، فيعيد مذيعة أقيلت من عملها بسبب تصريحات لها غاضبة من محاكمة مبارك. كلّ هذه التناقضات تسير جنباً إلى جنب حالياً، وهي لا تعبّر فقط عن صراع الأجهزة، وإنما أيضاً عن «لحظة ارتباك» تحاول فيها الدولة احتواء الجميع، فتبدو وكأنّها تفعل الشيء وعكسه في الوقت ذاته. وهو ما ينعكس سلباً أحياناً على المجتمع، إذ بدل حصول الإجماع الذي تتوخّاه الدولة وأجهزتها تزداد التناقضات بين الشرائح الاجتماعية الداعمة لهذه «الثورة» أو تلك، فيصبح التعارض مثلاً بين ثوريي يناير وجمهور الطبقة الوسطى المؤيّد - في غالبيته - للسيسي أكبر من قدرة المجتمع على احتماله. هذا الأمر ينعكس على الأرض اختلافاً في تحديد الأولويّات، وتنتج منه تباينات شديدة في النظر إلى طبيعة المرحلة، فبينما يعتبرها الثوريّون من أنصار يناير ثورة مضادّة ونكوصاً عن مكتسبات 11 فبراير وما بعده، تنظر إليها الشرائح المؤيّدة للحكم باعتبارها قطيعة مع مرحلة الفوضى التي سادت الحقبة السابقة. ومن ضمن هذه الشرائح يبرز «الفلول» أو «أنصار مبارك» كتعبير عن طبقة استبعدت من ترتيبات المرحلة الانتقالية، وتعود اليوم لتأخذ «مكانها التقليدي» في المشهد.

الفلول... ليسوا فقط أيتام مبارك

لا يبدو الحكم الحالي مسروراً بعودة «الفلول» إلى المشهد من جديد، فهم لم يأتوا به إلى السلطة كما فعلوا مع حاشية مبارك، ولم يكونوا مؤثّرين في صوغ المشهد الذي أخرج الإخوان من السلطة وأتى بالجيش إليها، ولهذا فإنّ تعامله معهم محكوم بضوابط لا يمكن تجاوزها أو التحايل عليها. حتى عندما يسمح لهم بالتمدّد على حساب وجوه 30 يونيو يكون ذلك بغرض ابتزاز الثوريين - من جماعة يناير - وتوضيح موازين القوى الجديدة لهم. ومع أنها سياسة تنطوي على الاحتقار والاستخفاف الشديدين بالتضحيات التي قُدّمت في يناير، إلا أنها تتمتّع «ببعض المرونة» وتسمح بحدوث تفاوض جزئي حول ما يمكن عمله للحفاظ على مكانة المعارضة «الراديكالية» ودورها. لا يحصل الأمر ذاته مع «الفلول»، فهم ليسوا مشمولين برعاية الدولة، أقلّه من الناحية الرسمية، ووجودهم في المشهد حالياً يخضع لرقابة تمنعهم حتى الآن من مزاولة السياسة كما كانوا يفعلون أيّام مبارك. بالطبع لهم وجودهم في المدن والأرياف المصرية كافّة،

لا يبدو الحكم الحالي مسروراً بعودة «الفلول» إلى المشهد من جديد


وتأثيرهم بقي قائماً في كثير من نواحي الحياة السياسية وخصوصاً في المحلّيات والبلديات المختلفة، فهم في النهاية يعبّرون عن طبقة موجودة في المجتمع، ولكن هذا التعبير يخضع لإرادة السلطة، ويتفاوت حضوره بين مرحلة وأخرى بحسب البنية الطبقية للمجتمع. في يناير لم يعودوا قادرين على تمثيل الطبقات «التي ينتمون إليها» بفعل التغيّرات العاصفة التي أفرزت ممثلين جدّداً للشعب. ممثّلون لا يتعاملون بالأدوات السياسية القديمة، ولا يشاطرون الفلول نظرتهم إلى الوظيفة الاجتماعية للتمثيل السياسي.
مع هذا التغيّر تحديداً تراجعت قليلاً مفاهيم مثل الزبائنية والمال السياسي المباشر وتقديم الخدمات واعتماد الرشى والفساد الصغير و... الخ وتقدّمت بدلاً منها المفاهيم التي أرستها الثورة وحاولت تعميمها بين الفئات الاجتماعية «الحاضنة للفلول». لم تدم هذه «الحقبة» طويلاً مع الأسف، وانتهت بتراجع الثورة وفشل الثوريين في تمثيل الشرائح الاجتماعية التي اختارتهم لعضوية البرلمان (انتخبوا حينها تحت لائحة «الثورة مستمرّة»). وبانتهائها لم تعد الخيارات متاحة أمام تلك الفئات، وصار «الفلول» بعلاقتهم المباشرة مع الناس وسيطرتهم على المحلّيات الأقرب إليها من أيّ طرف سياسي آخر. العلاقة معهم بهذا المعنى هي علاقة من تحت وما لم يفهم الثوريون ذلك فستظلّ مقاربتهم لمسألة «الفلول» ناقصة، ومحكومة بقراءة فوقية تفصلهم - أي الفلول - عن المجتمع ميكانيكياً وتضعهم في سلّة السلطة وحدها. هذه الأخيرة تعرف مقدار «تمثيلهم للناس» أكثر من غيرها، وفي ضوء هذه المعرفة تبني علاقتها معهم، فتستفيد من الشبكات الاقتصادية التي بنوها طيلة السنوات الماضية، ولا تتركهم في الوقت ذاته يراكمون الأرباح على حساب بيروقراطيتها الحكومية واقتصادها الذي ينمو بمعيّة الجيش. تربطهما إذاً علاقة منفعة متبادلة، ولكن ضمن سقف معيّن تحدّده الدولة ولا تسمح بتجاوزه إلا في «حالات نادرة». هذا المعطى هو بالضبط ما يغيب عن مجمل التحليلات التي تتناول مسألة الفلول، إذ يجرى التعامل معها - كما قلنا - في ضوء علاقتها بالثورة فقط، وهذا لا يساعد في فهمها كظاهرة مجتمعية لها ديناميّتها الخاصة والبعيدة كلّ البعد من التأويل السياسي المباشر.

المعارضة وفقدان الثقة بالحكم

ومع أنّ الدولة متمثّلة في الجيش (والشرطة وقوى الأمن بدرجة أقلّ) لم تعد تتعامل مع المعارضة كتهديد مباشر لوجودها كما كان يحصل أيّام الإخوان إلا أنها تبدو أقلّ تساهلاً معها من الفلول. على الأقلّ هذا ما يعبّر عنه كثير من شبابها وأقطابها السياسيين. وهم في الحقيقة محقّون، فالمعارضة لا تستطيع التحرّك في غياب الكوادر الشابة التي يقبع رموزها في السجون (علاء عبد الفتاح، أحمد دومة، سناء سيف، يارا سلام...الخ) فيما الباقون يعاملون كتهديد محتمل (وليس مباشر) وفي أفضل الأحوال يوضعون مع الإخوان في الخانة ذاتها، إذ تُشنّ عليهم الحملات الإعلامية باستمرار، ولا يسمح لهم بالتظاهر أو التعبير عن آرائهم إلا في حدود «القانون»، وخلال مواجهات لا تخلو من عنف الشرطة وبطشها. في أجواء كهذه على السلطة أن تتوقّع مزيداً من الاستقطاب والمواجهات العنيفة، فهي عبر إصرارها على قانون التظاهر تحرم المعارضة من فرصتها الوحيدة للوجود على الأرض، وتقرّبها أكثر من الإخوان، على اعتبار أنّ هؤلاء هم الذين يمسكون بالشارع الآن ويمتلكون زخمه الفعلي. ورغم تراجع الاهتمام الشعبي بالإطار الذي يمثّله الشارع إلا أنه يبقى الشكل الوحيد الممكن لإظهار القوّة في مواجهة الدولة، وخصوصاً في هذه المرحلة التي تشهد «استعادة الدولة لهيبتها»، وهو المفهوم الذي تعتبره المعارضة مرادفاً لعودة الأجهزة الأمنية إلى نشاطها السابق.
والمشكلة الإضافية التي تواجهها المعارضة حالياً أنّ هذه العودة لم تعد تلقى استهجاناً كافياً من الشرائح الاجتماعية المختلفة، إذ باتت المطالبة بعودة الأمن تسبق جميع المطالبات الأخرى بما في ذلك فكرة القصاص والعدالة الانتقالية و... الخ. هكذا، تتراجع المفاهيم التي أرستها الثورة في الشارع وتتقدّم بدلاً منها طروحات تنتمي مفاهيمياً إلى معجم السلطة من قبيل: الأمن والأمان، الحضّ على العمل والبناء...الخ. وفي حين بدأ كثيرون بمراجعة أسباب هذا «التطوّر الاجتماعي» لا تزال المعارضة المصرية تنأى بنفسها عن الأمر، وتجرّب عبر قواعدها الراديكالية تحديداً معاودة العمل بالأدوات السياسية «القديمة» نفسها، رغم أنّ هذه الأخيرة لم تعد في الواقع تعبّر عن مزاج الأكثرية الشعبية.

الطلب الشعبي من الدولة


هذا المزاج يغلب عليه الآن الانحياز إلى الدولة بكلّ تمثّلاتها بما في ذلك جهاز الشرطة الذي قامت الثورة المصرية ضدّ تجاوزاته وانتهاكاته، وهو ما يضع الثورة في سياق متغيّر، ويحرمها من الحوامل الاجتماعية التي احتضنتها في السابق وساعدت في انتشارها أفقياً. بالمناسبة، الناس ليسوا ضدّ الثورة بالمطلق - وليسوا معها بالمطلق أيضاً - ولكنها أنهكت من كثرة الرضّات التي تعرّض لها المجتمع، وبالتالي بقي انتظارها لمآلات الاحتجاجات المتوالية من دون نتيجة. لا الثوريون والقوى الاحتجاجية أعادوا إليهم مكتسباتهم التي انتزعت منهم في سنوات حكم مبارك والسادات ولا الإخوان استطاعوا أن يقنعوهم بمشروعهم القائم فعلياً على النهب بواسطة الهوية و»الخصوصية الإسلامية» (من يتذكّر الآن ترّهات مشروع النهضة وأفّاقيه). كلّ مساهماتهم وتضحياتهم العظيمة - أي الناس - في الاحتجاجات والإضرابات والاعتصامات ذهبت سدىً ولم تسهم في تحسّن واقعهم المعيشي الذي استمرّ بالتدهور، فيما القوى التي دعموها تتصارع صوريّاً فيى ما بينها وتعتقد أنّ الحيز الشكلي الذي يدور عليه الصراع هو المنجز الوحيد والأساسي للثورة. كان من الطبيعي في ظلّ هذا التفاوت بين القوى الاحتجاجية والقواعد الشعبية أن يحصل الطلاق بينهما وتنصرف القواعد إلى طلب الحماية والرعاية من الجهة الوحيدة التي تقدر على تقديمها حالياً: الدولة وأجهزتها المختلفة.

خاتمة

لا يتعلّق الأمر إذاً بعبادة المصريين للدولة وتفضيلها على أيّ طرف سياسي يملك مشروعاً مختلفاً بقدر ما يتصل بطبيعة المجتمع الذي يحاول الحفاظ على تماسكه، ويعرف بالضبط ما هي الصيغة الأفضل لفعل ذلك في ظلّ متغيّرات إقليمية ودولية لا تبقي ولا تذر. وفي نظر الشرائح الاجتماعية العريضة التي سلّمت نفسها لثوّار يناير ومن بعدهم الإخوان فإنّ مؤسّسات الدولة هي الوحيدة القادرة في هذه المرحلة على تلافي انهيار المجتمع، وهو على أيّة حال هدف متواضع بالقياس إلى تطلّعات المصريين الهائلة في السنوات الماضية.
* كاتب سوري