صفقة سفن الـ «ميسترال» التي عُقدت بين فرنسا وروسيا عام 2011، وفات موعد تسليم أوّل سفينةٍ منها أواخر تشرين الثاني الماضي، أثارت أزمة دبلوماسية وجدالاً عاصفاً، خاصة بعد أن أكّد الرئيس الفرنسي انّه سيعلّق تسليم السفن الى موسكو الى أجلٍ غير مسمى.

كان من المفترض أن تبني فرنسا لروسيا سفينتي «ميسترال» في أحواضها، الأولى («فلاديفوستوك») صارت جاهزة فعلياً ويتدرّب عليها طاقمٌ روسي منذ أشهر، بينما الثانية، «سيباستوبول»، أُنزلت من الحوض الجاف قبل شهرين. وخطة موسكو تتضمن بناء سفينتين اضافيتين من نفس الفئة في أحواضٍ روسية خلال سنوات.

بعيداً عن المغزى السياسي للصفقة وتأجيلها، وهو بالغ الأهمية، الّا أنّ القرار الروسي بشراء سفنٍ حربية أجنبية، للمرة الأولى منذ عقودٍ طويلة، كان اشارةً الى حاجات روسيا العسكرية وخططها لإعادة بناء جيشها بعد سنواتٍ من الاهمال وقلة الاستثمار. سفن الـ «ميسترال» هي حاملات طوافات وسفن ابرار، تقدر على نقل كتيبة دبابات كاملة في جوفها، ولكنها، تقريباً، غير مسلّحة ولا تحمل ترسانة هجومية أو صواريخ متقدّمة.
بحسب رسالة ماجيستير قُدّمت الى كلية «مونتري» العسكرية، فإنّ روسيا كانت تنوي تحصيل مكسبين أساسيين عبر امتلاك الـ «ميسترال»: من ناحية، أرادت موسكو أن تستغلّ فرصة بناء البوارج لترقية صناعة السفن لديها وادخالها الى العصر الحديث؛ فقد خسرت البحرية الروسية بسقوط الاتحاد السوفياتي أهمّ ورشات بناء سفن السطح التي كانت في اوكرانيا، والأحواض المتبقية في «سيفماش» و»بالتيسكي زافود» وغيرها تركّز على بناء الغواصات وما زالت تستعمل تقنيات قديمة، وهي غير قادرة على تزويد سلاح البحر الروسي باحتياجاته كمّاً ونوعاً (قال تقرير روسي عام 2009 أنّ الوضع، ان استمرّ على حاله، فلن يتبقّى لروسيا أكثر من 50 قطعة بحرية عاملة بحلول عام 2020).الـ «ميسترال»، اذاً، كانت فرصة لإنشاء أحواض سفنٍ جديدة، وتطبيق تقنيات البناء الحديثة التي تعتمد على تجميع قطعٍ مسبقة الصنع (modular construction).
من ناحيةٍ أخرى، لم تكن روسيا تطمع بتكنولوجيا السلاح في الـ «ميسترال»، بل تكنولوجيا القيادة والسيطرة، وهي من ثغرات العقيدة القتالية الروسية اليوم. الكلام هنا يتعلّق تحديداً بنظام «سينيت» الفرنسي الذي يتلقّى معلومات من أنظمة استشعار مختلفة (رادارات، أقمار صناعية، الخ) ويدمجها في نظامٍ موحّد لإدارة القتال. بهذا المعنى، تصير الـ «ميسترال» مرشحاً مثالياً كسفن قيادة و»غرف عمليات» للأساطيل الروسية، التي لا تملك حالياً برامج قيادة على هذا المستوى.
تأجيل – أو الغاء – الصفقة لن يؤثّر بشكل جذري على الخطط الروسية، وروسيا قد تحصل على تكنولوجيا مشابهة من مصادر أخرى، الا انّه مؤشّرٌ على انتفاء الثقة بين روسيا والغرب، ودليل جديد للقيادة الروسية على ضرورة الإسراع بالاصلاحات العسكرية، وانّها تعيش في عالمٍ لا مكان فيه للضعفاء.