المقامات الدينية والأضرحة المقدّسة ومواقع الحجّ ليست مجرّد رموزٍ روحية تلهب شغف الناس ومشاعرهم، وتدفعهم الى السير مئات الكيلومترات على أقدامهم، والتبرّع بالأموال، بل والموت دفاعاً عنها. بل إنّ العتبات الدينية قد لعبت ايضاً أدواراً اقتصادية وسياسية بالغة الأهميّة على مدى التاريخ.


المقامات الدينيّة، سواء كانت لقدّيسين مسيحيين أو مشايخ متصوفة أو أئمة للشيعة، هي ايضاً عقدٌ للتواصل البشري والاقتصادي، باعتبارها مواقع جاذبة لآلاف الزوّار سنوياً من مناطق مترامية؛ ما يخلق طرق سفرٍ وتواصل لا تنقطع، وتجمّعات موسمية تحفّز التجارة. تزدهر المدن التي تحتضن هكذا مواقع بسبب النشاط الاقتصادي الذي تولّده، ومردود زيارات الحجيج وخدمتهم، وتصير هناك صلات اجتماعية وبشرية واختلاطٌ عابر للحدود، تألفه كلّ مدن الحجّ.
في سالف العصور، كان البابليون والأشوريون يعاقبون الشعوب التي يهزمونها في الحرب عبر نقل أوثان آلهتهم من أمكانها الأصلية الى بابل ونينوى، محوّلين بذلك طريق الحجّ وموارده الى عواصمهم. وكانت الأديان والأمم الجديدة تحتاج الى رموزٍ مادّيّة، محسوسة، حتّى ولو اضطرّت الى اختلاقها، أو استخدام أيّ أثرٍ أو رواية لبناء مقامٍ يصير «مغناطيساً» دينياً للمؤمنين.
القديس يعقوب («سانتياغو»)، الذي ما زالت كاتدرائيته في كومبوستيلا محجّاً للمؤمنين الإسبان والكاثوليك، تمّ «اكتشاف» جثمانه في فترة أزمةٍ وحرب مع العرب، فصار مدفنه المزعوم بقعةً مقدّسة للكاثوليكية تستوجب الدفاع عنها وحمايتها من المسلمين؛ و صرخة «سانتياغو» أصبحت تاريخيّاً صيحة الحرب الاسبانية - من هذا المنطلق ايضاً، ما أن تمكّن المنصور بن ابي عامر، آخر الحكام الأقوياء في الأندلس، من فتح كومبوستيلا، حتى قام بتسوية الكنيسة والمقام بالأرض.
وزيارة مقامات الأئمة لدى الشيعة لها تاريخٌ اقتصاديّ ايضاً. قام الشاه عبّاس الصفوي، الذي حكم ايران لأكثر من أربعة عقود، بإعادة احياء تقاليد الزيارة الى مشهد وتحويلها الى طقسٍ جماعيّ وموسميّ في أواخر القرن السادس عشر، في اطار جهوده لبناء حكمٍ مركزي ومستقرّ (وهو ما أشار اليه ايضاً، في كتاباته، المفكر علي شريعتي). كان الاقتصاد الايراني يتهدده نزيفٌ مستمرّ للمعادن الثمينة والذهب، فتجارة ايران مع الهند تعاني من عجزٍ مزمن في ميزانها التجاري، والصادرات الايرانية الى اوروبا لا تكفي للتعويض، فحاول الشاه منع تصدير الذهب وحفظه داخل البلد. احدى الثغرات كانت عادة الحجّ الى مكّة، فشجّع الشاه عبّاس زيارة الامام الرضا في مشهد بديلاً، وحضّ على التبرّع بالمال والذهب الى المقام وسدنته، لتظلّ دورة المال ضمن حدود الدولة.
مثلما صارت مكّة قبلة المسلمين في الأرض، لا يمكن كتابة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي للعراق والشام من دون تفحّص شبكة المقامات والزيارة، التي طبعت حواضر المنطقة ببصمتها، ورسمت طرق السفر والتجارة، وصنعت مدناً حول قباب.