تهكّم البعض على المراجعة التي قدمت إلى مجلس شورى الدولة، والتي تضمّنت المطالبة بتشكيل هيئة قضائية (للإشراف على إدارة المال العام وفرض الضرائب والاستدانة). واستخفوا بتحرك «المجتمع المدني» للدفاع عن قضايا متنوعة كـ (حماية المرأة من العنف الأسري، أو المطالبة بإقرار قانون انتخابي جديد على أساس النسبية). وقد ذهب، هذا البعض، إلى تبرير موقفهم بالقول: إنّ الوضع في لبنان والمنطقة لا يحتمل هذا الترف الآن. فالدولة بلا رئيس للجمهورية، والأزمة السياسية تطرح مسألة العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه السلطة، وتعيد التذكير بهوية الشعب اللبناني، المتشظية بين الانتماء الطائفي وقيم المواطنة.

الأولوية لا يمكن أن تكون إذاً للموازنة واحترام الأسس الدستورية للإنفاق والجباية. فتلك المسائل هي أقرب إلى الترف الفكري، بينما الواقع يفرض الاهتمام بالأوضاع السياسية، وإيجاد تسويات من أجل التمديد لمجلس النواب، وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار.

مبدأ دوريّة إجراء الانتخابات هو المتقدم من حيث الماهية وطبيعة عمل السلطة

تلك هي حجة المشككين، وعمادها قضية الأولويات. ولما كانت الأولوية هي خطاب حول (المتقدم والمتأخر)، لا ضير من تفنيد هذه الحجج وضحدها من الناحية الفلسفية، عبر تبيان أن الأولوية تكون دائماً للحق وما هو شريف بذاته، وليس لما هو عرضي ومتبدل بحسب الظروف السياسية وتقلبات الحياة.
يقول لنا أرسطو، في الفصل الثاني عشر من كتاب «المقولات» وفي كتاب «ما بعد الطبيعة (دلتا)»، أنّ الشيء المتقدّم لغيره يكون على أربعة وجوه:
• الأوّل: ما يتقدم بالزمان، وهو ما يسبق من حيث الوقت. فالقديم متقدّم على الحديث، وهذا لا يحتاج إلى شرح مستفيض.
• الثاني: ما يتقدّم من حيث الرتبة والشرف، كأن يتقدّم الملك على الوزير، والعالم على الجاهل.
• الثالث: ما يتقدم في ترتيب المعرفة، وهو عندما لا يمكن تحصيل العلم قبل تحصيل مبادئه، كتقدم المسلّمات الهندسية على النظريات الهندسية، وتقدم الحروف على الكلمات.
• الرابع: ما يتقدّم من حيث الماهية، وهو الأهم، ويخصّ ما يمكن أن يوجد بشكل مستقل، بغض النظر عن وجود أي شيء آخر، بينما المتأخر هو ما لا يستقل بوجوده، بل يحتاج إلى المتقدّم كي يوجد.
ومن دون الدخول في تشعبات هذا الموضوع، يتبين لنا أنّ (المتقدّم والمتأخّر) يقالان إمّا بالإضافة، وإمّا بالذات. فالأمر قد يتقدّم من حيث ذاته، ويتأخر بالنسبة لغيره. فمن حيث الزمان يتقدّم الطفل على الرجل، لكن كمال الطفل هو أن يحقق كامل طبيعته، وهذا لا يتم إلا عند بلوغه مرحلة الرجولة. فمن حيث الطبيعة والماهية، الطفل يوجد من أجل الرجل، لذلك يكون الرّجل متقدّما على الطفل في ذاته، ومتأخراً عليه بالنسبة للزمن. وكذلك الأمر عامّة، ما يوجد من أجل شيء آخر قد يتقدّم عليه من جهة ما، لكنه يتأخر عليه، قطعاً، من حيث الذات.
جراء ما تقدّم، يتبين لنا أنّ خطاب الأولويات يحمل في طياته تناقضاً خطيراً. فهو يريد أن يقلب ترتيب الأمور عبر تهميش الغاية، ومنح الأفضلية للعرضي والثانوي. إنّ انتظام الحياة العامّة، وفقاً للدستور والقوانين النافذة، هو غاية الحياة السياسية. لذلك لا يمكن أن تتحوّل قضية مثل (المال العام) و(إقرار الموازنة بشكل سنوي) أو (إجراء الانتخابات النيابية في موعدها) إلى مسائل ثانوية، بينما تعطى الأولوية للصراع حول السلطة، وتقاسم المغانم والنفوذ بين زعماء الطوائف. فتلك المبادئ والمفاهيم متقدّمة، من حيث ذاتها، ومتأخرة بالنسبة لنا. أي إنّ المواطن اللبناني اليوم لم يعد يعير الاهتمام لمحاسبة السلطة وفقاً لما يوجبه الدستور والقانون، بل انصرف كلّ تفكيره للعناية بالجدل السياسي والطائفي. وقد تمكنت الطبقة الحاكمة، والمتحكمة بالبلاد، من إسدال حجاب كثيف على أعين الأفراد، لدرجة أنّ سلّم أولويات الفرد تحوّل من الدفاع عن حقوقه كإنسان ومواطن، إلى الانكباب وراء أوهام العصبية والذود عن مصالح الطائفة.
إن تأخر الشيء، بالنسبة لنا، ناتج من قصور فينا كبشر، وليس من عيب أو نقص في الشيء نفسه. ومن المؤكد أنّ الأمر لا ينحصر في مسألة المال العام، بل هو ينسحب على كلّ المواضيع التي حارب ويحارب «المجتمع المدني» من أجلها إن كان في مجال البيئة، وسلسلة الرتب والرواتب، وحماية المرأة من العنف الأسري ومساواتها بالرجل (لا سيما في قضية منح الجنسية). حتى قضية التمديد لمجلس النواب يمكن مقاربها وفقاً لنظرية التقدّم والتأخر. فالظرف الاستثنائي الذي يبرّر التمديد هو في نهاية المطاف شكل من أشكال المتأخّر في ذاته، والمتقدم بالنسبة للأمر الواقع. فمبدأ دورية إجراء الانتخابات هو المتقدم من حيث الماهية وطبيعة عمل السلطة، بينما يصبح المبدأ نفسه متأخراً في الظروف الاستثنائية التي تعطي الأولوية عند تحققها. فتقدمها شذوذ والأخطر أن يتحوّل الوضع الشاذ إلى واقع يتقبله الإنسان.
كلّ هذه المسائل ترتبط بغاية الاجتماع السياسي، وتحقيق الصالح العام، بينما الطوائف هي اجتماعات ناقصة، ومصالحها لا تعارض فقط الخير العام، بل هي تفتك بوحدة المجتمع والدولة. فالمتقدّم في ذاته متقدّم بالنسبة لجميع البشر، على اختلاف مشاربهم، بينما المتأخر في ذاته والمتقدم بالإضافة، هو متقلب ومتغير وفقاً للنسبة التي يضاف إليها، من هنا كان سبباً للشقاق والنزاع الأهلي. فحقوق المواطن واحدة بينما «حقوق الطوائف» مختلفة متباينة. الخير العام يجمع، بينما الخير الجزئي يفرّق.
إن طرح قضية المُثل، التي يجب أن تقوم عليها دولة ما، هو تذكير بالأولويات. ونحن أحوج ما نكون إلى ذلك اليوم. فالانتظام العام، وعمل الدّولة حسب الأصول الدستورية، هما الإطار الذي يجب أن يحكم السياسة، وكل قول مخالف هو قلب للأولويات، وتسفيه لماهية العمران والاجتماع البشري.
* باحث لبناني