يبدو «داعش» كابن لقيط تحاول التيارات الإسلامية التبرؤ من نسبه، والادعاء أن ولادته كانت نشوزاً عن منهج تيارات الإسلام السياسي. في المقابل، أغرى «داعش» الكثير من المثقفين بالهجوم على التيارات الفكرية، باعتباره ابناً لهذا الفكر أو ذاك. فمثلاً كتب عبدالله بن بجاد مقالاً يحاول فيه الإثبات أنّ «داعش» من نسل «الإخوان»، ومقابل ذلك جاء الشيخ حاتم العوني ليؤكد أن العدّة الإيديولوجية التي يستخدمها «داعش» متطابقة إلى حد كبير مع الوهابية.


هنالك ملاحظتان حول من حاولوا الادعاء أن «داعش» أخواني أو وهابي:
1- إنّ الكثير من التحليل يأتي في سياق الكيدية السياسية، في محاولة إدانة هذا التيار أو ذاك، واستخدامها في الحرب القائمة بين المحاور في المنطقة.
2- التصوّر بأن الوهابية والفكر الأخواني كانا دائماً يسيران على خطين متوازيين ولم يتقابلا أو يتقاطعا في مراحل تاريخية مختلفة.
هذا التحليل يعاني من قصور كبير، وهو عدم الانتباه إلى التمفصلات والتقاطعات الكثيرة التي حدثت بين «الإخوان» والوهابية، وأنّ الكثير من الأفكار، المؤسسة لكل تيار، تسرب إلى التيار الآخر، وفي الحقيقة لم يكن هذا على مستوى الفكر المجرد فقط، بل حتى على مستوى الشخصيات. فالعديد من الأشخاص لم يجدوا تناقضاً بين كونهم إخواناً ووهابيين، واستطاعوا أن يدمجوا بين الفكرين والإيديولوجيتين في إطار واحد، والتيار «السروري» في السعودية (تيار السلفية الحركية الذي ينسب للشيخ محمد سرور زين العابدين) هو مثال جيد على ذلك، لأنه بمجمله عبارة عن التقاء بين العقيدة الوهابية والفكر الإخواني.
إنّ البحث في البنية الفوقية أو في المَعِين الإيديولوجي الذي يستقي منه تنظيم «داعش» أفكاره، ويبني عليه أفعاله ليس بحثا ترفياً، وليس القصد منه الادعاء أنّ هذه الإيديولوجيا هي سبب انبعاث ظاهرة «داعش»، لكن هدف الحديث عن إيديولوجيا «داعش» ومصادرها يتمثل في أمرين: الأول هو في فهم نوع الشرعية الإيديولوجية التي تصبغ قرارات «داعش» السياسية، فكلّ حراك سياسي يحتاج إلى خطاب يشرعن أفعاله عند مريديه، والمصلحة السياسية وحدها لا تكفي لذلك، وفي هذا السياق، حتى وإن كانت المصلحة السياسية موجودة، فإن الإيديولوجيا ستكون مهمة جداً لإسباغ الشرعية على الفعل. فرغم أن هتلر كانت لديه مصلحة سياسية ليتعامل مع اليهود كما تعامل معهم لكن لا يمكننا تصور هذه الأفعال من دون الإيديولوجيا النازية وصراع الأعراق. وكذلك «داعش» فهنالك وراء عدد من سلوكياته مصالح سياسية واقتصادية، لكنه يحتاجون إلى الإيديولوجيا الإقصائية لإقناع أتباعم وجمهوره بشرعية هذا الفعل. وربما يكون الدين، في سياق معين، أنجع وسيلة لإضفاء الشرعية على أكثر أفعال الإنسان وحشية وإجراماً. يقول سكوت هيبارد «إن الدين يعطي رخصة أخلاقية للسياسي ليفعل ما يشاء».
السبب الثاني الذي يجعل الحديث عن إيديولوجيا داعش مهماً هو أنّه ثمّة أفعال لهذه الجماعة السياسية يكون دافعها الأوضح هو تطبيق الإيديولوجيا التي تتبناها، والدين كما تفهمه، إذ إنها تعترف صراحة، مثلاً، بأن سبب إجبارها الأيزيديين على الإسلام، وسبي نسائهم، هو أنها تأخذ بقول جمهور الفقهاء الذين لا يجيزون أخذ الجزية من المشركين، وإنّما فقط من أهل الكتاب، فالمشركون ليس لهم إلا السيف أو الإسلام ونساؤهم تُسبى، عكس نساء الطائفة المسلمة الممتنعة، حيث لا يجوز سبيهنّ. فكما قلنا: إنّ الهدف من البحث في إيديولوجيا «داعش» ليس الجواب عن سؤال: لماذا انبعثت ظاهرة مثل «داعش»؟ ولكنه للجواب على سؤال: لماذا يتشكل «داعش» بهذا الشكل ويتصرف على هذا النحو؟
إنّ خطر «داعش» وسرّ قوته يكمن في أنه استطاع الجمع بين أسوأ صفات «الإخوان» والوهابية؛ فهو يستخدم خطاب الجهاد العالمي، ويجعل نفسه قبلة لكل المسلمين، الحالمين بزمان العزة والمجد، كما يستخدم المنظومة العقائدية والفقهية الوهابية في عملية بناء دولته.

خطر «داعش» يكمن في أنه استطاع الجمع بين أسوأ صفات
«الإخوان» والوهابية

خطاب الجهاد العالمي وسردياته الكبرى وحججه الأساسية، وُلد من رحم فكر «الإخوان المسلمين»، ولم يكن هذا الخطاب غريباً على «الإخوان»، فالشيخ حسن البنا يؤكد، في ردّه على الوطنية المحرّمة، «إننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول (لا إله إلا الله محمد رسول الله) هو وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والإخلاص له والجهاد في سبيل خيره».
فالعالم الإسلامي كله وطن في تصور حسن البنا، ويجب الجهاد في سبيله، وخطاب الأممية الإسلامية هذا، تولّد منه خطاب الجهاد العالمي، وقد استخدم «الإخوان المسلمون» هذا الخطاب لدعم الجهاد الأفغاني في الثمانينيات، ولدعم الجهاد في البوسنة، وكذلك دعموا الجهاد الشيشاني، ما جعل روسيا تضع «الإخوان» في قائمة الجماعات الإرهابية. لم يتوقف تورّط «الإخوان» في حركة الجهاد على الدعم الإيديولوجي، وإسباغ الشرعية الدينية على هذا النوع من الحروب، بل أكثر من ذلك، فقد كان العديد من شخصيات الجهاد، التي ذاع صيتها في تلك الفترة، منتمية إلى تنظيم «الإخوان». وبحسب الباحث الفرنسي ستيفان لاكرو فإنّ عبدالله عزام، أحد أهم شخصيات الجهاد الأفغاني، كان عضواً في جماعة «الإخوان» بل إن أسامة بن لادن نفسه، كان عضواً في جماعة «إخوان الحجاز»، وهي أحد فروع جماعة «الإخوان المسلمين» في السعودية، وأيضاً سمير السويلم، المشهور باسم «خطاب»، قائد المجاهدين في الشيشان، كان «إخوانياً» هو الآخر، وبحسب تقارير عدة، فإن زعيم تنظيم «القاعدة» الحالي أيمن الظواهري، كان قد اعتُقل بسبب انتمائه لجماعة «الإخوان المسلمين».
«الإخوان المسلمون» استخدموا خطابهم الإيديولوجي لدعم الجهاد في مرحلته الأفغانية، وكانوا أهم فاعل فكري في دعم هذا الجهاد، وظاهرة مثل «داعش» لا يمكن تصور بروزها من دون هذا التراكم، الذي امتدّ طوال أربعة عقود من تجربة العمل المسلّح، في إطار نصرة المسلمين ضد «الكفّار»، وأيضاً من دون خطاب الجهاد العالمي الذي كان أداة للتجنيد في السابق، وفي الوقت الحاضر عند «داعش»، وأيضاً ادعاء أنّ كلّ بقعة فيها مسلم، كما يقول حسن البنا، هي وطن للمسلمين يجب أن يجاهدوا في سبيله، كانت هي الفكرة التي تمحورت حولها كل جماعات الجهاد العالمي، ومنها «داعش».
في المقابل، خطاب الجهاد العالمي ليس موجوداً عند الوهابية، وتحديداً عند الوهابية الأولى، قبل عصر الدولة السعودية الثالثة، لأن وهابيي تلك الفترة يعتبرون المسلمين خارج الدعوة الوهابية، إما «كفاراً» أو «جهلة» يجب تعليمهم العقيدة قبل نصرتهم العسكرية، لذا كان موقف السرورية رافضاً لدعم الجهاد في أفغانستان بسبب خلفيتهم الوهابية، فالشيخ سفر الحوالي، كان ضد ذهاب الشباب إلى أفغانستان بحجة أن الأفغان «ماتريدية» وليسوا من أهل السنة والجماعة، وأنهم يعانون من مشكلة توحيد وعقيدة، وليس من مشكلة أرض وتراب واحتلال. وفي هذا السياق أيضاً نفهم السجال الإيديولوجي الذي كان يدور داخل الحالة السلفية حول شرعية نظام طالبان، والذي استفاد مؤيدو شرعيته من عملية تفجير تمثال بوذا، ليثبتوا صفاء عقيدة طالبان ومحاربتها للوثنية، وبالتالي ليؤكدوا صوابية الهجرة إليها.
وفي نظرنا أن خطاب الجهاد العالمي وإيديولوجيته، غير منسجمين مع التراث الوهابي وإنّما مع «الإخواني»، ولذلك يقول الباحث النروجي توماس هيغهامر: «لا ريب في أن الدعوة إلى الوحدة الإسلامية، في عهد الملك فيصل، كانت مثيرة للسخرية بعض الشيء بالنظر إلى عداء العلماء الوهابيين التاريخي للمسلمين من غير الوهابيين، إذ إنهم إلى مستهل القرن العشرين لم يعتبروا في الغالب غير الوهابيين مسلمين أصلاً». ومن هنا يتضح الفرق بين نوعية الدعم والنصرة اللذين يحرّض عليهما خطاب «الإخوان» الإيديولوجي، وبين الدعم والنصرة اللذين من الممكن أن يتسامح معهما الخطاب الوهابي. فالخطاب الوهابي يشترط أن تكون السيطرة لعقيدته ومذهبه، فإما أن تتوسّع الجماعة الوهابية نفسها، وبالتالي تكون هي المسيطرة على الإقليم، أو تدعم جماعة أخرى تؤمن بالمذهب الوهابي وولاؤها له، وتحارب معالم الشرك. لذلك كانت المؤسسة الدينية الرسمية في السعودية، إبان حرب أفغانستان، تصرّ على الحكومة السعودية أن يكون الدعم موجهاً إلى جميل الرحمن وجماعته، لأنه أكثر قرباً للوهابية وتعاليمها.
أمّا عن الارتباط الإيديولوجي بين «داعش» والوهابية، فمن الواضح أنّ «داعش» يستخدم المفاهيم الوهابية على مستوى المنظومة العقدية والفقهية. على مستوى العقيدة يقارب الاستخدام السياسي للتكفير عند «داعش» استخدام الشيخ محمد بن عبدالوهاب له، فالتكفير عنده لا يكون فقط بسبب التصورات العقدية والأفعال الفردية، لكن حتى وإن كانت الجماعة المختلفة عن «داعش» مقتنعة تماماً بالدعوة العقدية، إلّا أنها لم تنضم تحت إمرة «داعش» ودولته فهي «كافرة»، إما لأنها موالية لـ«الكفار» أو لأنها ترفض مساعدة المسلمين، الذين هم هنا أعضاء جماعة «داعش». هذا النمط من التكفير السياسي لم يكن غريباً على الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فرغم اقتناع أهل منطقة القصيم بدعوة محمد بن عبدالوهاب، وانضمامهم إلى الدولة السعودية، إلا أنّ أهل قرية الزلفي رفضوا الانضمام للدولة الوليدة، فأرسل الشيخ محمد بن عبدالوهاب رسالة إلى أهل القصيم يحذرهم فيها، أنهم إن لم يعادوا ويبغضوا جارتهم قرية الزلفي، فلن ينفعهم توحيدهم في شيء. هذا التكفير السياسي، والذي يتمحور حول الولاء والبراء، هو نفسه الذي يستخدمه «داعش» مع خصومه من الجماعات السياسية الإسلامية المختلفة عنه، والتكفير هنا يميز أعضاء «داعش» عن غيرهم، بوصفهم هم المسلمون، الذين يتقمصون دور الصحابة الأوائل، وينشرون الدين من جديد، لذلك يحتاجون إلى التكفير في تأكيد هويتهم مقابل الآخرين، وشدّ عصب جماعتهم، ثم استخدامه محفزاً للقتال، وهو أمر مشابه لما قامت به الوهابية الأولى، التي عملت على فتح المناطق الجغرافية في الجزيرة العربية، وضم أهلها إلى «الإسلام»، وإخراجهم من «الجاهلية».
على صعيد آخر لم يكن بناء الأضرحة والمساجد على القبر قضية إخوانية، بل كان قضية وهابية بامتياز، وكان «الإخوان» متصالحين معها أو رافضين لها، لكن ليس لدرجة السعي إلى تغييرها بالعنف كما فعلت الوهابية، وكما يفعل «داعش» الآن. جماعة «داعش» أيضاً قريبة من الوهابية في المنظومة الفقهية، فالوهابية حنابلة، بينما «الإخوان» لديهم تنوع واسع في تناول الفروع الفقهية، وليسوا متحمسين لقول فقهي دون آخر، ويجيزون أخذ كل قول فقهي طالما هو موجود في التراث، ولا عدائية شديدة لديهم مع أتباع المذاهب المختلفة. لكن عند «داعش» فالحنبلية هي مذهب الدولة كما يظهر، وهو يجبر الناس على ممارسة شعائره الدينية من خلال هذا المذهب، فمسألة كتغطية الوجه هل هي جزء من الحجاب الشرعي أو لا؟ نقاش فقهي شهير، مجمل الحنابلة فيه مع وجوب تغطية الوجه، وبقية المذاهب يرونه غير واجب، لكن «داعش» يأخذ بالقول الحنبلي ويجبر النساء على تغطية الوجه. وكذلك مسألة صلاة الجماعة، فالحنابلة هم من رأوا وجوبها، بينما بقية المذاهب قالوا إن صلاة الجماعة سنة. لكن «داعش» يأخذ بقول الحنابلة ويجبر أصحاب المحال التجارية على الإغلاق وإقامة الصلاة جماعة.
وبهذا يكون «داعش» مثل الوهابية، لأن علماء الوهابية كانوا حنابلة، طبعاً من دون أن نغفل عن توزيع «داعش» كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وترديدها المفردات الوهابية حول نواقض الإسلام، والولاء والبراء وغيرها، وحديث أبو عمر البغدادي، أمير الدولة السابق، عن عقيدة الدولة في إقامة الدين ونشر التوحيد «الذي هو الغاية من خلق الناس»، ما يجعل «داعش» دولة رسالية على النمط الوهابي.
إنّ البحث في إيديولوجيا «داعش» على غاية من الأهميّة ليس لتفسير نشوء هذه الدولة، الذي تفسره مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية، لكن لفهم تصرفاتها وما يعطيها الشرعية الضرورية التي تحتاجها كل حركة سياسية في ممارساتها، ونحن عندما نربط إيديولوجيا «داعش» بالوهابية أو «الإخوان» فليس المقصود إدانة أفراد بعينهم ينتمون لهذا الفكر أو ذاك، بل المقصود فهم الجوانب العقدية والفكرية، التي تعطي المسوغ الشرعي لحركةٍ مثل «داعش»، وتجعل الكثير من الناس ينتمون إليها ولا يعارضون جرائمها.
«داعش» وريث «الإخوان» والوهابية على حدٍ سواء، وامتداد طبيعي لتراكمات كثيرة وتمفصلات عديدة مرّ بها الوسط الإسلامي إبان حقبة الجهاد العالمي، وإن كانت الذخيرة الإيديولوجية للتنظيم وهابية بشكل واضح.
الأثر الإخواني بارز في تنظيم «القاعدة»، وهو يختلط في التنظيم مع إرثٍ وهابي، أما في «داعش» فالمعتقد الوهابي طاغٍ بوضوح، لكن هذا لا ينفي أثر أفكار «الإخوان» حول الجهاد العالمي، ومساهماتهم في التجارب الجهادية المتعددة، وأن الجهاد العالمي كان هو الجسر الموصل إلى تجربة «داعش». التنظيم الذي يستخدم خطاب الجهاد العالمي، وشوق «الإخوان» والحركات الإسلامية لإحياء «الخلافة»، بعد سقوط العثمانيين، في إعادة إنتاج الوهابية الأصلية.