هي المفاهيم المغلوطة التي لا تخضع لأي نقد فتطفو على السطح وتتحكم في المقاربات كلها. من قال إن المجتمع السعودي، برمته، وهابيّ النزعة؟ ومن قال إنّه حاضنة تنظيم «داعش» الذي فرد أجنحته في سوريا والعراق، وها هو يتهدد السعودية؟ مقاربات لأسئلة كهذه، ولو أتت من منظرين عرب ومسلمين، يغلب عيها الطابع الاستشراقي.


صحيح أن علاقة الأمير/ الشيخ طبعت التاريخ السعودي منذ قيام المملكة. وصحيح أيضاً أن الوهابية حالة تكفيرية مقيتة هيمنت على الفضاء السعودي إلى حد تحولت فيه إلى شتيمة تضاف إلى النعوت السلبية للمملكة السعودية. لكن العلاقة بين المؤسسة الدينية والعائلة المالكة والمجتمع في هذه المملكة أكثر تعقيداً مما قد يعتقد البعض.
حتى «داعش» التي لا شك ظهرت من رحم تلك الوهابية التكفيرية التي أمنت لها حاضنة ثقافية، فيما وفرت لها المؤسسة الدينية وكثير من المتمولين حواضن مالية ولوجستية، تعتبر عنصراً إشكالياً في هذه العلاقة المعقدة. هي في صدام مع كثير من المدارس الفقهية كالفكر السروري والجامي والسلفي (بتفرعاته) التي تنتشر في السعودية، في الوقت الذي تنهل فيه، على سبيل المثال لا الحصر، من الكثير من مرجعيات الإخوان المسلمين.
من هنا، يؤكد البعض أنّ التعاطف مع التنظيمات «القاعدية» ليس ابن بيئة الجزيرة العربية فقط، رغم ما تحمله من رواسب وتراكمات توّجت في مرحلة «الأفغان العرب» خلال احتلال السوفيات لأفغانستان. يحاججون أن في سوريا والعراق والمغرب العربي ما يدفع إلى البحث الجدي عن ظواهر الارتماء في أحضان أحفاد ابن لادن. يحسم هؤلاء بأن فهم بنية الدولة السعودية يجتنبه قصور كبير. لكن آل سعود لا يتركون مجالاً للوضوح. يكرهون الأسئلة والصور. لا نقاش مفتوحاً وجدّياً حول المجتمع بقبائله ومدارسه وعلاقاته. «المحرّم» طبع «وطن العائلة» بكلمة، ثمّ ترادف الاثنان مع «داعش».
حين ظهرت في الفترة السابقة أقلام في صحف محسوبة على الرياض تنتقد الوهابية، اعتقد البعض أنّ «حدثاً جللاً» يحصل في المملكة. يؤكد هؤلاء أن انتقاد الفكر الوهابي ليس بجديد، وقابله مد وجزر في طبيعة العلاقة بين الدولة والمؤسسة الدينية. آل سعود يريدون احتواء «المشايخ» وتشذيب عقيدتهم بما يناسب إحكام سيطرتهم على المجتمع وصورتهم أمام من «اختيرَ» لهم من أصدقاء في الغرب. شراكة بين «الشيخ» و«الأمير» هي مفتاح الفهم. الأول عدّة الثاني للحكم. كان ولا يزال كذلك. تنقص «العدّة» أداة أو تزيد بحسب الظروف الداخلية والدولية. هنا يبدأ التهذيب والتكييف حسب الحاجة.
«الأخبار» حاولت سبر أغوار تلك العلاقة المركبة في مقالات أربعة لكتاب سعوديين نستعرضها في ما يأتي: