في الظّاهر، تبدو المفاوضات حول برنامج ايران النووي تقنية الطابع: تريد المجموعة الدولية من ايران خفض قدرتها على التخصيب، فيحاجج الأميركيون بأن البلد لا يحتاج الى أكثر من ألفي مدوّر (أجهزة الطرد المركزي التي تفصل جزيئات اليورانيوم المخصّب) لتزويد مفاعلاتها بالوقود النووي، بينما ايران تشغّل حالياً عشرة آلاف – وقد جهّزت مثلها من دون أن تدخلها دورة الانتاج بعد.


تريد المجموعة الدولية ايضاً أن توقف ايران (أو تحوّل) مفاعل الماء الثقيل في «آراك»، الذي يمكن أن ينتج البلوتونيوم، وأن تخفض حجم مخزونها من اليورانيوم المخصّب (يبلغ حالياً أكثر من 8 أطنان). بتعبير آخر، الشروط مصمّمة لكي تمنع ايران من تحقيق «وثبة نووية»، أي تسخير مقدرات البرنامج المدني، فجأةً، لإنتاج قنبلة؛ أو، تحديداً، لإطالة الزمن الذي تستلزمه هكذا وثبة الى أكثر من عام – من أقلّ من شهرين حالياً.
الزمن اذاً، والآجال والمهل، هي جوهر «المفاوضات» وروحها، وهذا ينطبق على الجانبين. قد يسأل سائل: لماذا لم تتخلّ ايران عن برنامجها النووي أو تختزله، منذ سنوات، متجنبة العقوبات وخطر الحرب طوال هذه المدة؟ هذا يعتمد على تصديقنا بأنّ البرنامج النووي هو فعلاً أساس المشكلة بين الغرب وايران، وأنّ توقيع «اتفاق» يكفي لحماية البلد من الحرب والعقوبات.
ما يعرفه الايرانيون، من التجربة، هو أنّ الاتفاقات أوراق، لا قيمة لها ما لم يردفها ميزان قوى يبرّرها، وأن الاميركيين، ببساطة، يكذبون وينقضون التفاهمات حين لا تعود تناسبهم. هذا تماماً ما حصل مع كوريا الشمالية، التي وافقت على تفكيك برنامجها النووي مقابل تسهيلات مالية ورفع عقوبات، لتبلغها الادارة الاميركية - بعد أن بدأ طمر المفاعل – بأنّها لم تعد راغبة بالالتزام، ولن تدفع لكوريا، ولن ترفع عنها العزل السياسي.
اذا ما تخلّيت عن برنامجك النووي، ولم يعد لديك ما يخيف الغرب، فالحصار سيضربك مجدّداً تحت حجج مختلفة: دعم الارهاب، تهديد اسرائيل، الخ. بيل كلينتون أطلق العقوبات ضد ايران عام 1995 ولم يكن هناك برنامجٌ نووي. والاتفاق، وإن حصل، فهو لن يقي ايران. قانون العقوبات الأميركية أقرّه الكونغرس، ولا يمكن رفعه قانونياً الّا عبر تصويت من الكونغرس، وهو ما لن يحصل - لا اليوم ولا بعد عشر سنوات - في مجلسٍ أكثر اعضائه صهاينة موالون لاسرائيل: يعلن قادة من الحزبين، من الآن، أنهم «سيخرّبون» أي «صفقة سيئة» (وكلّ اتفاق مع ايران، بالنسبة اليهم، سيئ).
لهذا السبب، فإنّ تخفيف العقوبات سيمرّ غالباً عبر «اعفاء» رئاسي تجنّباً لتصويت الكونغرس، وهو استثناء يحقّ لأوباما فرضه لمدّة محدّدة، وقد لا يجدّد السنة المقبلة، وقد لا يلتزم به الرئيس المقبل. قيمة المفاوضات، اذاً، هي في ذاتها، كوسيلة لتمرير الزمن واضاعة الوقت وتجنّب المواجهة، حتى يميل ميزان القوى ويتّضح؛ فالقوة، لا المعاهدات والتواقيع، هي التي تُلزم الدول.