ثمّة رسالة مدسوسة في «الربيع العربي» تكشف الوقائع الجارية تدريجياً عن مضمونها، ومفادها أن الثورات الشعبية ليست سوى تظهير لفشل النظام الرسمي العربي، بل والأخطر منه، فشل الدولة العربية.

التعريف الكلاسيكي للدولة الفاشلة لم يعد كافياً لتوصيف الخلل البنيوي العميق في الدولة العربية، رغم تحقّق أغلب أوصاف الفشل فيها، مثل عجز الدولة عن بسط الأمن على كامل المساحة الخاضعة لسيادتها، وخروج بعض المناطق عن سيطرة الدولة. لكن الأخطر، هو في اختلال مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين، بسبب احتكار فئة صغيرة لمقدّرات الدولة.

لم يعد الفشل مقتصراً على بنية الدولة ووظيفتها، ولا المشروعية الشعبية للنخبة الحاكمة، فكل ذلك بات واقعاً، بل تجاوزه إلى الصلاحية المنتهية للدولة بكامل حمولتها. هذه الكيانات التي يسبغ عليها، القابضون على أزمّة أمورها، مسمّى دول، أصيبت بشلل تام، ولم تعد قادرة على تجاوز قصورها الذاتي والنهوض مجدّداً لمواكبة الدورة الطبيعية والموضوعية لتطوّر الدول، ولا الاستجابة لشروط التحوّل التي تشهدها الكيانات الاتحادية بمرور الوقت.
شلل الدولة العربية يترجم نفسه اليوم في القطيعة التامة بين السلطة والمجتمع، الأمر الذي يجعل أولويات كل منهما متناقضة، أو في الحد الأدنى متباعدة. هل شعر أحدٌ برد فعل شعبي حيال الخلافات الخليجية الخليجية ابتداءً وانتهاءً؟ وهل شعر أحد بمواقف عربية رسمية إزاء عملية تهويد القدس، وما يجري في فلسطين المحتلة؟ القضية ليست مجرد إعلان مواقف، بل الأهم من ذلك، هو جملة تفاعلات واسعة وعملانية بين الدول وشعوبها تعكس حالة الانسجام بينها، وتتمظهر نهاية المطاف بمواقف متطابقة.
يحيلنا ما سبق على قراءة علاقة الدولة بالمجتمع. وأوّل ما نخلص إليه، هو أن الدولة العربية تعيش حالياً ليس على مصادر قوة لم تعد قائمة، بل على غيابها لدى الطرف الآخر، أي الشعوب، ولهذا السبب، بالتحديد، تموت الدولة ببطء. من جهة أخرى، إن النخبة الحاكمة، التي تدير الدولة، ترتكز في بقائها إلى تقويض فرص تشكّل الدولة الوطنية مكتملة النمو ديموقراطياً.
وفي النتائج، ليست هناك دولة عربية تتمّتع بحصانة شعبية مؤسسة على مبادئ الديموقراطية (الشراكة الشعبية،

النخبة الحاكمة ترتكز
في بقائها إلى تقويض فرص تشكّل الدولة الوطنية مكتملة النمو

التمثيل العادل للمكوّنات السكانية كافة، والتوزيع المتوازن للسلطة والثروة)، وباستثناء تونس واليمن، رغم ما يحيط بنجاح التجربتين الديموقراطيتين فيهما من ارتيابات، نتيجة تحديّات داخلية وخارجية، فإنّ بقية الدول العربية تندرج في خانة الدول التسلّطية الشمولية، أي أنها دول فاقدة للحصانة الشعبية.
وفي التداعيات، أفضت القطيعة بين السلطة والمجتمع إلى خلق فراغات واسعة لم يكن بالإمكان ملؤها بتشديد القبضة الأمنية، ولا بزيادة وتيرة التسلّح، ولا مسكّنات وقتية كما تفعل «التقديمات الاجتماعية»، بل ثمّة ما هو أهم من ذلك كله، لأن داخل تلك الفراغات تقبع المسائل الكبرى المرتبطة بهوية الأفراد، وتطلعاتهم، وإحساسهم بالذاتية التي دمّرتها الدولة العربية.
في مرحلة ما، عوّض انبعاث الانتماءات الفرعية (القبلية والطائفية والاثنية...) بعض الخسائر الناجمة عن قيام دولة شمولية، على قاعدة تفتيت وسحق هذه الانتماءات بدل توظيفها ودمجها في الهوية الوطنية، ولكن حين أخذت المواجهة مع الدولة شكل حروب كونية معها، ومع النظام الدولي الراعي لها، انفجرت الهوية في شكلها الثقافي والديني، لأن التجابه لم يعد مع دولة، بل مع منظومة دولية، وهنا يكمن خطر التنظيمات الإرهابية الأممية (القاعدة، داعش..).
القول بأن مشكلة الدولة العربية، كما تعبّر عنها سياسات النخب الحاكمة، هي مع شعوبها أولاً وأخيراً ليس جديداً. الجديد هو في الأشكال التي ترتديها المشكلة على المستويين القومي والقطري.
على المستوى القومي، كانت المعركة مع اسرائيل تسوّغ تأجيل أي حديث عن الاصلاحات الديموقراطية في أية دولة عربية، إذ «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وما لبث أن توارى، وبقدرة قادر، الخطر الاسرائيلي وحلّ محلّه الخطر الأصولي، العابر للدول، على خلفية انتهاء جولة الجهاد الأفغاني عام 1989، وبدأ جهاد «الطوائف الممتنعة» في الداخل، ووجد وزراء الداخلية العرب مبرّراً إضافياً لتعزيز أركان الدولة العميقة في العالم العربي، ثمّ وصلنا الى الحلقة الأخطر، وهي إعلان الحرب على «الإرهاب» والذي يهدف بدرجة أساسية إلى توفير «جرعة إضافية» أو بالأحرى مشروعية وظيفية للدولة العربية، فيما يأتي الإعلان نفسه، استكمالاً لحرب المستبدين على القوى الديموقراطية.
قطرياً، تصوغ كل دولة عربية أخطارها الخاصة لتحقيق غاية مشتركة واحدة: عدم السماح للجنين الديموقراطي أن يولد حياً معافى. وإذا ما قرأنا في سيرة كل دولة عربية، سنجد أن النخبة الحاكمة صنعت لنفسها قائمة أخطار وخصوم، وشكّلت وعي الأفراد في ضوء تلك القائمة، ولم يكن الغرض شيئاً سوى إفناء فرص بناء الدولة الوطنية الديموقراطية.
وفي سياق عملية اغتصاب للوعي العام، كانت النخبة الحاكمة في الدولة العربية ترغم رعاياها على اعتناق أجندتها وقائمة خصومها وأخطارها، ومن يرفض يلحقه عار الخيانة، والعمالة للخارج، والخضوع تحت تأثير أجندات أجنبية.
كذبة «الحرب على الإرهاب» التي انطلقت بعد هجمات الحادي عشر من أيلول، وأعيد زخمها منذ اجتماع جدّة في 11 أيلول الماضي، وهبت الدولة العربية ما يشبه «خدعة المشي فوق الماء» على أساس أنّه ثمّة كائنات فضائية كانت مسؤولة عن انفجار الظاهرة الإرهابية، وليست العوامل الذاتية والموضوعية في الدولة العربية.
لنتأمل قليلاً في القائمة الإماراتية الخاصة بالتنظيمات المصنّفة «إرهابية» والتي بلغت 83 منظمة، بينها منظمات حقوقية وإغاثية وشخصيات إسلامية، من بينها مفتي سلطنة عمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي. الطريف في القائمة، هو إدراج مجلس العلاقات الإسلامية بالولايات المتحدة «كير» فيها، بالرغم من أنّ حاكم دبي، رئيس وزراء الإمارات، محمد بن راشد آل مكتوم، أحد أكبر الداعمين والراعين لها، وهو من قام بشراء مقرّها.
مجالس إسلامية أخرى، في أوروبا، وردت في القائمة، إلى جانب المنظمات السياسية المتخاصمة مع الإمارات، بطبيعة الحال، والشقيقة الكبرى (السعودية).
لنتذكّر، أنّ السعودية هي أول دولة عربية بادرت لإعلان قائمة تنظيمات إرهابية منذ شباط الماضي، جمعت فيها كل خصومها، في الداخل والخارج، بمن فيهم الإصلاحيون والمدافعون عن حقوق الإنسان.
من يتأمل في قوائم التنظيمات الإرهابية على اختلاف أنواعها ومصادرها، لا بدّ أن يتساءل عن سرّ «تكويم» هيئات وشخصيات ومنظمات، من كل الاتجاهات، من دون معايير واضحة، إلى حدّ إدراج «داعش» ومنظمة إغاثية، وشخصية إسلامية معتدلة، وحركة تحرّر وطني، لا نشاط لها خارج الحدود، في القائمة ذاتها. السرّ يكمن، بكل بساطة، في النخبة الحاكمة، التي تنزع نحو تعطيل كلّ نشاط قد يفضي إلى الانتقاص على هيمنتها المطلقة على مفاصل الحكم.
بلغ عقم الدولة العربية حدّ أن نخبها الحاكمة بدأت، وكرد فعل على ثورات «الربيع العربي»، تجنح لفرض مزيد من التدابير القمعية، وليس تهيئة مناخ مؤاتٍ لإرساء حلول لمشكلات راسخة في الدولة. وإنّ ما يجرى العمل عليه حالياً، هو إعادة إنتاج الدولة الشمولية التسلّطية، وإفشال «المخطط الديموقراطي» الذي كانت ترسمه الشعوب العربية عبر مؤامرة «الثورة»، كما تصوّره النخبّة الحاكمة. فالسعودية، على سبيل المثال، أدارت بأموالها «الثورة المضادة» وأسقطت «ثورة 25 يناير» في مصر، وأغرقت سوريا وليبيا في فوضى دامية، وتدخّلت عسكرياً في البحرين لتقويض ثورتها الشعبية، وسياسياً في اليمن عبر مبادرة خليجية (سقطت في ثورة شعبية أخرى في 21 أيلول الماضي والمحاولات لا تزال مستمرّة)، كانت مدفوعة بخوف تكويني من ثورة شعبية تطيح حكم آل سعود.
يحدّث حكّام العرب أنفسهم بأنهم نجوا من خطر «الثورة»، وأنهم استعادوا توازنهم مع اطمئنان إلى قانون الثورات الكلاسيكي بأنّ «الثورة لا تقع في جيل واحد مرتين»، إلى جانب التواطؤ الغربي والأميركي، على وجه الخصوص، لناحية السكوت على الاقترافات الاستبدادية في دول الثراء، الأمر الذي يزيد في تكريس فشل الدولة العربية، مع بقاء السلطة الشمولية.
يبقى القول بأن التعويل على تململ الشعوب العربية، لناحية القبول بالعيش في ظلّ دولة فاشلة، يغذي الميول الراديكالية لدى الأفراد، ويجعل من وجود تنظيمات إرهابية إمكانية راجحة. وهذا يقتضي معالجة من نوع آخر، لا تقوم على استبدال الفشل بصنع مشكلة جديدة وتالياً فشل آخر.
*باحث وناشط سياسي