بعيداً من ضجيج التقولات الجوفاء حول نجاح «الانتقال الديمقراطي» في تونس بمجرد إنجاز الانتخابات التشريعية، فإن للناس معاييرهم الخاصة للنجاح والفشل. المحك الرئيسي لنجاح الثورات والانتفاضات بالنسبة لهم هو تحقيق مطالبهم في العمل والعدالة الاجتماعية والتنمية التي كانت الأسباب الرئيسية لاندلاع انتفاضة 17 ديسمبر. وللوصول إلى هذه الأهداف هناك طريقان:

الأول، يتمثل في وصول أحزاب سياسية تتبنى برنامجاً اقتصادياً وطنياً مستقلاً يقطع مع التبعية للإمبريالية ومؤسساتها (صندوق النقد الدولي، البنك الدولي...).

هذه الطريق أصبح مسدودة في هذه المرحلة بعد فوز اليمين الليبيرالي، ممثلاً في حركة «نداء تونس» في الانتخابات التشريعية الذي سيمكنها من تشكيل حكومة لن تختلف في توجهاتها الاقتصادية والاجتماعية عمّا سبقها من حكومات، حتى وإن أُشرك بعض الأحزاب الديمقراطية الاشتراكية لأن تأثيرها سيكون محدوداً.
أما الطريق الثانية الإصلاحية فهي الضغط على الحكومة المقبلة لانتزاع هذه المطالب وتحسين الظروف المعاشية للطبقات الشعبية من خلال نضال برلماني وميداني. وهو التكتيك الذي تجب المراهنة عليه في هذه المرحلة لتحقيق مكاسب ملموسة للجماهير التي تبحث عن بقعة ضوء في هذا النفق المظلم، ولتقريب ساعة بناء النظام الوطني الديمقراطي على أنقاض هذا النظام.
وبالنظر إلى المشهد السياسي الجديد الذي شكلته الانتخابات التشريعية، فإن أمام هذه الطريق صعوبات عديدة: أهمها أن اليمين الديني ممثلاً في حركة «النهضة» إذا استبعد من تشكيلة الحكومة (وهو التوجه المسيطر داخل «نداء تونس» المعني بالتشكيل) ستكون القوة السياسية المعارضة الكبرى داخل قبة البرلمان والأكثر تنظيماً وتجانساً. تكمن خطورة هذه الوضعية في كون القوى السياسية الوطنية والطبقات الشعبية التي تسعى إلى تغيير النمط الاقتصادي السائد ستجد نفسها معارضة للحكومة حالها حال حركة «النهضة»، بمعنى أنها ستقف جنباً إلى جنب مع هذه الحركة. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار وزن الكتلة النيابية لحركة «النهضة» (67 مقعداً من أصل 217) وامتدادها داخل المجتمع (الذي لا يجب إنكاره) وتنسيقها مع الحركات السلفية، وما يعرف عن قواعدها من انضباط والتزام، فإنها ستكون الأقرب والأقدر على قيادة هذه المعارضة واستغلال الحركات الاحتجاجية المتوقع اندلاعها نظراً إلى الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعانها شرائح المجتمع كافة.

ستنحرف حركة «النهضة»
بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية عن وجهتها الحقيقية


ستنحرف حركة «النهضة» بالمطالب الاقتصادية والاجتماعية عن وجهتها الحقيقية، وتعود لإثارة المعارك الوهمية التي يحترفها الإسلام السياسي عموماً، والمتجاوزة للصراعات الاجتماعية الحقيقية وللتناقض مع الاستعمار، ومنها قضية الهوية وصراع الأديان والحضارات. وهي في ذلك تتكامل مع ايديولوجيا وتنظيرات الرأسمال العالمي المهيمن، وتقدم له خدمة جليلة في تأبيد النظام الاجتماعي والسياسي السائد. وستسعى، أو بتعبير أدق، بدأت عبر وسائل إعلام رخيصة في إثارة النزعات التي تساهم في تخريب الوعي الطبقي للمضطهدين.
وفي ظل هذا الواقع السياسي الموسوم بسيطرة الأحزاب اليمينية على مؤسسة الحكم المباشرة (أي الحكومة من قبل «نداء تونس») والمعارضة (أي مجلس النواب من قبل حركة «النهضة») فإن ذلك يوجب على الأحزاب والمنظمات المعنية بالتغيير الثوري للمجتمع تغيير التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية الحاكمة وإيلاء النضال من خارج المؤسسات الرسمية للنظام بالغ الأهمية. ويتمّ هذا عبر بناء حركة جماهيرية واسعة على شاكلة حركة فبراير20 في المغرب التي تتبنى برنامجاً وطنياً، ولا تُهمل التنسيق مع بعض النواب داخل مجلس الشعب وتتجاوز ميكانيزمات وآليات العمل السياسي التقليدي التي فرضها النظام سابقاً.
وذلك بهدف افتكاك زمام المبادرة من حركة «النهضة» وأن لا تُتاح لها فرصة قيادة الحركات الاحتجاجية من ناحية، والضغط على حكومة «نداء تونس» من ناحية أخرى لتحصيل مكاسب ملموسة للجماهير.
يعلِّمنا التاريخ أن الشعب التونسي مهما بدا لامبالياً فإنه يُحسن جيداً تخزين غضبه، وإذا انفجر مجدَّداً ضد سياسية الإفقار المتواصلة منذ عقود فيجب أن لا يُترك لقمة سائغة بيد الإسلام السياسي لاستغلال نضالاته وتحريفها عن وجهتها، ويجب الاستعداد لذلك منذ الآن فحركة «النهضة» خطر في الحكم وفي المعارضة.
* كاتب تونسي