سأبدأ أولاً في سرد الأحداث. بين 9 و10 تشرين الثاني، شاركت في مؤتمر في القاهرة حول مشاكل الترجمة يرعاه الاتحاد الأوروبي. وقررت بعدها أن أمضي بضعة أيام إضافية في البلاد لمقابلة بعد الأشخاص وتقويم التغيرات التي حصلت، وحلّ بعض المسائل المتعلقة بالنسخة العربية من «لو موند ديبلوماتيك».

في 11 تشرين الثاني، عند حوالى الساعة 11 ظهراً، قصدت مقهى راقياً يقع مقابل السفارة البريطانية، تذكّر تصاميمه المذهلة بأن مصر وضعت تحت الاحتلال البريطاني عام 1882، والتقيت هناك بصحافية وطالبة مصريتين. كانت الصالة ضيقةً والطاولات متلاصقةً، ولكنني لم أتنبه للمحيطين بنا. تحدّثنا بالعربية والإنكليزية عن الأحداث التي تجرى في البلاد، وعن الأوضاع في الجامعات، وحال وسائل الإعلام.

بعد حوالى نصف ساعة، نهضت امرأة أنيقة كانت تجلس بالقرب منّا. لم أكن قد انتبهت إليها من قبل ولكنها بدت غاضبةً، قالت: «أنتم تريدون أن تخربوا البلد» ثمّ غادرت.
لم نجبها بل أكملنا حديثنا، وعندها دخل رجل، وكان واضحاً أنه من رجال المخابرات (إذ يسهل التعرّف إليهم). جلس بالقرب منّا، ولكننا لم نعره أي انتباه هو الآخر، وقد غادر المقهى قبلنا.
وحين خرجنا، أوقفنا الرجل عينه ومعه رجال شرطة بالزيّ الرسمي. وهنا، لا بدّ أن أشير إلى أننا طوال هذا الحادث كنّا نعامل بطريقة حسنة، حتّى أن أحد العناصر أحضر كرسياً لتجلس عليه واحدة من السيدتين لأنها كانت حامل.
طلبوا منّا هوياتنا وبدؤوا يستجوبوننا في الشارع. سألوني أين أنزل في القاهرة وعن السبب الذي دفعني إلى تغيير الفندق، وعن اليوم الذي وصلت فيه إلى مصر. وبعد نصف ساعة أعادوا إليّ جواز سفري وقالوا لي إن بإمكاني المغادرة ولكنني رفضت لأنه لم يُسمح للسيدتين بالمغادرة، وبعد خمس دقائق عادوا وأخذوا جواز السفر منّي.
سألني أحد العناصر إن كنت قد حصلت على تصريح بالعمل من وزارة الإعلام، وحين أجبت بالنفي، حاول أن يحشرني بسؤال آخر، فقال «وإن أتيت أنا إلى فرنسا وبدأت أجري مقابلات مع الناس، ألن أحتاج إلى تصريح؟» ففوجئ حين أجبت مجدداً بالنفي.
ومع مرور ساعة، أحسست أن هذه المسألة أخذت الكثير من الوقت، فأبلغت السفارة الفرنسية ورئيس نقابة الصحافيين المصريين، وسرعان ما بدأت المساعي لإنهاء القضية. ويبدو أن رئيس الوزراء تدخل، وبالطبع وزارة الداخلية والسفارة. وبالفعل بتّ «حراً» ولكن مسألة السيدتين لم تكن قد حلّت بعد، فبقيت فاتصلت مجدداً بنقيب الصحافيين وأخيراً سمحوا لنا بالمغادرة جميعنا.
استغرقت المسألة حوالى الساعة ونصف الساعة، وبعد عودتي إلى الفندق عند حوالى السادسة مساءً، تلقيت اتصالاً من وزارة الداخلية، وأبلغوني أنهم سيرسلون إليّ سيارة حتى يتم استقبالي في مقرّ الوزارة.
هناك، التقيت مساعد وزير الداخلية لحقوق الإنسان (وهو جنرال) وعدد آخر من المسؤولين، وقد قدموا لي أعذاراً قائلين إن توقيفي كان «خطأً».
يلقي هذا الحادث الضوء على ثلاث مسائل. من الواضح أن المشكلة ليست في التوقيف، ولكن في أن «مواطنة شريفة» بلغّت عنّا، ما يبيّن الجوّ السائد في البلاد والذي يسهم الإعلام في تأجيجه، بما فيه الإعلام الخاص.
ومؤخراً، أعلن مدراء الصحف ووسائل الإعلام أنهم سيمتنعون عن نشر أية معلومات من شأنها أن تسيء إلى الدولة، «فالحرب على الإرهاب» تقتضي ذلك. وإذ بوسائل الإعلام تدين أي شخص يبدي أقل انتقاد، فيما تم عملياً استبعاد الصحافيين الذين لديهم آراء مغايرة عن عواميد الصحف اليومية. بات جزء من الرأي العام المصري متشبثاً بآرائه ومقتنعاً أن مصر ضحية مؤامرة أميركية ــ أوروبية ــ إسرائيلية (وهي لمفارقة إن أخذنا في عين الاعتبار العلاق القوية بين القاهرة وتل أبيب اليوم).
مصر اليوم أشبه ما تكون بالولايات المتحدة غداة اعتداءات 11 أيلول، والتي يمكن اختصارها بشعار جورج بوش الشهير «إمّا أن تكونوا معنا أو ضدنا». إذاً، هذا الترويج المستمر لـ»المواطنين الشرفاء» ستكون له عواقب مقلقة في المستقبل.
وتتعلّق المسألة الثانية بالأثر الكبير لمواقع التواصل التي نقلت الخبر بسرعة أذهلتني. ففي غضون ساعات قليلة انتشر الخبر حول العالم وتلقيت كمّاً هائلاً من رسائل الدعم وأجرى مقابلات مع العديد من المحطات التلفزيونية، حتى أن مفوض الاتحاد الأوروبي لحقوق الإنسان دان الحادث. أمّا المسألة الثالثة فهي مرتبطة بالثانية، إذ لا يمكن إلا أن أفكر أن ردّة الفعل هذه تعزى لكوني «صحافياً أبيض» فهناك الآلاف من المعتقلين السياسيين في مصر، بعضهم مضرب عن الطعام ومهدد بالموت. إن الاعتقالات العشوائية وحالات التعذيب المؤكدة هي ما يتطلّب الاستنكار والإدانة، ولا بأس إن كانت هذه الحادثة قد جذبت الانتباه إلى هذه القضية. وهنا أفكر بالدرجة الأولى في المعتقلين السياسيين المضربين عن الطعام ومنهم علاء عبد الفتاح ومحمد سلطان.
تدهور وضع حقوق الإنسان والحريات العامة في مصر يستدعي عناية الجميع، على الأخص أصدقاء هذا البلد وشعبه.
(ترجمة هنادي مزبودي)
* رئيس التحرير المساعد
في «لو موند ديبلوماتيك» (فرنسا)