إذا كان الباحث الراحل مالكولم كير قد سمّى مرحلة الستينيات فترة «الحرب العربية الباردة»، فإنّ الحقبة الحالية، حين يُكتب تاريخها بعد سنوات من اليوم، سوف يُنظر اليها من دون شك على أنّها مرحلة «الحرب الأهلية العربية». ولعلّ وصف النظام المصري بالـ»فاشية» هو جزءٌ من العدّة الخطابية لهذه الحرب، التي تقوم على المبالغة ونزع أي شرعية عن الخصوم.

رئاسة السيسي تمثّل عودة السلطوية الى مصر، وقد حصل بالفعل إقصاء عنيف ودموي لـ»الإخوان»، ولكن بين هذه الممارسات و»الفاشية» مسافة معتبرة. النظام الحالي قد تأسس على انقلاب، ولكن الانقلابات التي تحظى برضى شعبي أو، أقله، استكانة شعبية، ليست نادرة الحدوث في التاريخ العربي القريب.

في الحقيقة، فإنّ من الممكن بسهولة أن «نتفهّم» المنطق الذي دفع بقسمٍ كبير من النخبة المصرية والطبقة الوسطى الى دعم السيسي: نظراً إلى الأخطار والاحتمالات السيئة التي تتهدّد مصر، يقول هذا الخطاب، كان وصول نظامٍ سلطويّ يمسك زمام الأمور ويمنع الاقتتال الداخلي ويحافظ على بنية الدولة أفضل الخيارات الممكنة، ولو على حساب النظام الديمقراطي والحريات السياسية. من الزاوية نفسها، يعلّل هؤلاء، فإنّ نظاماً يمثّل تلاقياً لرغبات القوى العظمى والاقليمية، بحيث يصير في استقرار مصر ودعمها مصلحة لهذه الدول، هو أفضل من أن يتّخذ الأقوياء من مصر عدواً وهدفاً للمكائد.
هذه العناصر مجتمعة هي كفيلة، من وجة نظر مؤيدي السيسي، بإعطاء مصر فترةً من الراحة والهدوء هي في أمس الحاجة اليهما، تمكنها من تنظيم نفسها وحفظ ما تبقى من المؤسسات والنظام العام، وتجنّب الأسوأ.
المشكلة في هذا المنطق هي انّه قد ينفع في بلدٍ صغير، مثل لبنان، يمكنه أن يعتاش على «عائدات التبعية» وأن يضمن استقراره عبر المسير الحذر بين مصالح القوى الكبرى. لكن بلداً في حجم مصر له حسابات مختلفة، ولا بديل له من حماية موقعه الاقليمي وشقّ طريقه الخاص والسير وفق خطة تنموية. لا مكان وسط في حالة الدول الكبرى، إمّا درب الصين أو الباكستان.
الطبقة الوسطى المصرية سبق لها أن عقدت مقايضة شبيهة مع أنور السادات، وكان حرياً بها أن تتعلم، من التجربة، أنّ خسارة أمور مثل الكرامة والتاريخ والقرار المستقلّ هي أكثر كلفة بكثير (حتى بالمعنى العملي والحسابي) من أيّ مقابل آني، وأن من يبيع فلسطين لن يكون حريصاً على شعبه ومصالحه. السادات ضرب اليسار بالإخوان، فهيمن الاسلام السياسي على الشارع، واليوم السيسي يضرب الإخوان بالسلفيين، فماذا نتوقع من المستقبل؟