يمكن القول إنّ مدينة طرابلس قد تجاوزت قطوعاً خطيراً في أواخر الأسبوع الماضي. يمكن قول ذلك بالمقدار نفسه عن لبنان ككلّ. ليس من داعٍ لبذل جهد كبير من أجل إعلان خلاصة من نوع أن التوترات والاشتباكات والتحركات السياسية والإعلامية والأمنية الأخيرة الممتدة من صيدا إلى عرسال إلى طرابلس، إنما تقع في نطاق مخطط واحد استهدف كل لبنان وليس منطقة الشمال وحدها، وإن كانت البداية منها وهي التي تحملت العبء الأكبر حتى الآن.
لقد اقتصرت القدرة على الفعل الأمني الميداني، في المناطق المذكورة خصوصاً، على تنظيم «الدولة الإسلامية» (داعش) و«جبهة النصرة». هما من يحكم مسار الأحداث حالياً، وهما من توحدت جهودهما، ميدانياً (بعد صراع دام)، من أجل إطلاق ما يمكن تسميته عن حق، مشروع فتنة في لبنان. هذا المشروع خلاصته إزاحة الجيش اللبناني عن الدور والفعل، وتوفير كل الأسباب والمناخات والأدوات الضرورية (المادية والمعنوية) من اجل بلورة مشهد للصراع اللبناني في صيغة انقسام، فتقاتل سني ــ شيعي. من اجل ذلك جرى اتهام الجيش بشكل مواظب، من قبل فئات متطرفة إرهابية مذهبية، بإنه منحاز، بل وإنه «يأتمر بأوامر حزب الله».

إن إسقاط وحدة الجيش ودوره وحضوره، من شأنه، في تخطيط الإرهابيين التكفيريين، إراحة الساحة من عبء عسكري وسياسي في آن معاً. السياسي منه هو الأخطر بحيث يسقط ما تبقى من ادوات السلطة، بعد أن انهار معظم شرعيتها ومؤسساتها: بتفاقم وتعمق الانقسام، وبالعجز عن إنجاز الاستحقاقات (الانتخابات السياسية والرئاسية)، وبالعجز عن التعامل مع المسائل الاقتصادية (الموازنة، ملف النفط، مشكلة الكهرباء...) والاجتماعية (قانون الإيجارات، مطالب هيئة التنسيق النقابية، مطالب المياومين...). إن إسقاط دور الجيش سيؤدي حتماً، في ظل تعاظم أزمة النزوح السوري وانسداد أفق حل الأزمة السورية العامة، إلى إسقاط الحدود بين لبنان وسوريا وإلى أن يصبح لبنان ساحة مكملة لنشاط «الدولة الإسلامية» تقتطع منه ما أمكن. سيؤدي ذلك أيضاً، بالتأكيد وعلى أوسع نطاق، إلى إطلاق صراع مذهبي ضار تكون القوى الإرهابية التكفيرية هي فيه جيش «السنة» في مواجهة «جيش الشيعة»، المتمثل في «حزب الله». تتشارك القوى المتطرفة الإرهابية هذا التوصيف، المتعلق بـ«حزب الله» تحديداً، مع قوى تناصبها العداء حالياً وبعضها، بل أبرزها انضوى في «التحالف الدولي ضد الإرهاب» الذي انطلق من مدينة جدة السعودية منذ حوالى الشهرين.

إن إسقاط دور الجيش
سيؤدي حتماً إلى إسقاط الحدود بين لبنان وسوريا

تفترق المواقف السعودية عن سياسات المحور التركي ــ القطري في عدد من المسائل الأساسية، لكنها تتفق، في المقابل، في مواقف أساسية هي الأخرى. الافتراق هو ما ساعد في اتخاذ قيادة «تيار المستقبل»، بزعامة الرئيس سعد الحريري، موقفاً عنيفاً ضد المجموعات المتطرفة التي تحظى بدعم ورعاية كبيرين من المحور التركي القطري. حرم ذلك ادوات مشروع الفتنة، رغم السخاء في توزيع الأموال القطرية والدعم التركي، من حاضنة شعبية ما زالت تدين بالولاء لتيار «المستقبل»، ومن خلفه المرجعية السعودية. يتصل جزء أساسي من التباين السعودي مع الثنائي القطري التركي باستمرار رفض قيادة المملكة لأي تعاون مع «الإخوان المسلمين» وأي تعويم لهم في سوريا بشكل خاص. أدى ذلك إلى ارتباك كبير ما زالت تواجهه المعارضة السورية بكل صيغها وميادين عملها. انعكاس ذلك في لبنان جلي أيضاً ومتفاقم أحياناً. وهو لا يصب لمصلحة القوى المسلحة المعارضة السورية ولا لمصلحة الأطراف الإقليمية الداعمة لها، أيضاً.
بات متداولاً، لتوصيف ما حصل في طرابلس وجوارها، أن القوى التكفيرية المتطرفة قد خسرت المعركة الأخيرة في حرب لم تنتهِ بعد. هذا صحيح، القوى التكفيرية ستعاود محاولاتها. هي تملك الآن الدافع المباشر (محاولة فك الحصار عن قواتها في جرود عرسال اللبنانية وجبال القلمون السورية). وهي تملك الإمكانيات والدعم من قوى ذات قدرات كبيرة على تقديمهما: عنينا خصوصاً تركيا وقطر. إلى ذلك، هي ما زالت، رغم الخسائر المعنوية والبشرية واللوجستية، تملك الضروري من الحوافز المستمدة من نجاحات «الدولة الإسلامية»، خصوصاً، في كل من العراق وسوريا. لذلك يصبح منطقياً توقع ان تحاول هذه القوى الهجوم مجدداً، بشكل جزئي أو واسع، لأجل الأهداف المذكورة آنفاً نفسها (مع ملاحظة أن القوى التكفيرية ما زالت تراكم عناصر القوة بشكل متصاعد مقارنة بما كانت عليه سابقا رغم نكساتها الأخيرة على طرفي الحدود اللبنانية ـ السورية). ثم إن التحولات والتقلبات وتبدل التوازنات واردة بالتأكيد، ومواقف القوى والدول الصغيرة والمتوسطة، ليست هي من يقرر، في نهاية المطاف، مآلات الصراعات ومجرياتها الأساسية. الولايات المتحدة تعالج بصبر وبدأب التباينات وأشكال «التمرد» التي تبرز في وجه سياساتها وتوجهاتها خصوصاً قبل القيادة التركية والسعودية أحياناً. وهي، في المقابل، تستدرج تنازلات وعروضاً من كل من روسيا وإيران وسوريا بالتوازي مع ضغوطها على هذه الدول ومع محاولاتها من اجل احتواء التباينات مع وبين حلفائها. حققت، حتى الآن، شيئاً من النجاح في كوباني (عين العرب). وهي تستطيع تحقيق المزيد، خصوصاً أنها ما زالت تدير سياسة استنزاف وكسب وقت بما يجعلها أمام فسحة كافية وشروط ملائمة لإعادة صياغة علاقاتها بحلفائها وتابعيها وفق ما تقرره هي قبل (وحتى دون) سواها.
لم تصب معركة طرابلس الأخيرة في مصلحة تأجيج مشروع الفتنة المذهبية السنية ــ الشيعية. لكن هذا الأمر لن يغير كثيراً في صيغة الصراع المتصاعد في المنطقة والذي يتعاظم طابعه المذهبي الصريح، وحيث يسعى كل طرف إلى استخدام كل أوراقه وتعبئة كل «جماعته»، إلى أشمل وأعمق مدى ممكن.
ثمة خلافات أساسية سياسية واجتماعية بين المحاور المتصارعة في المنطقة والتي يشكل أحدها أداة للسياسات الاستعمارية في صيغها القديمة والجديدة. لكن استخدام التعبئة الطائفية والمذهبية أمر انخرط فيه الجميع، وإن بدرجات متفاوتة، في الماضي والحاضر. الآن تخوض دول خليجية (ولو بتنافس وتباين حالياً) هذا الغمار من بابه الواسع، املاً في أن تكون لها الغلبة، في نهاية المطاف، بوصفها ممثلة «الأكثرية» في المنطقة العربية خصوصاً. لم يتردد بعضها في دعم أكثر القوى وحشية وأقذرها أساليباً! لقد بات من الجوهري، بل المصيري، إعادة درس الوسائل والأساليب المناسبة لخوض الصراع إذا كان الهدف إحداث تغير في المنطقة لمصلحة شعوبها لا لمصلحة حكامها. لقد بات ضرورياً وجوهرياً، لهذا الغرض، نزع الورقة المذهبية من أيدي القوى التي تحاول الآن استخدامها على أوسع نطاق لتجنيد «الأكثرية» ضد «الاقليات» في صراع لن يستفيد منه إلا أصحاب المصالح الكبرى في إبقاء المنطقة وشعوبها وثرواتها ومصائرها تحت الهيمنة الأجنبية.
لن يكون هذا الأمر سهلاً. دونه، بالضرورة، اعتماد استراتيجيات ومقاربات جديدة. هذا الشأن (بل هذا التحدي) مطروح حصرياً على قوى الممانعة كما على كل قوى التغيير والتحرر، من دون استثناء، رغم فارق المسؤولية والفعالية حكماً.
* كاتب وسياسي لبناني