تمرّ الذكرى التسعون للحزب الشيوعي فيما يعيش الحزب ما يشبه الغيبوبة (المفروضة ذاتيّاً). وتتعدّد النظريّات عن أزمة الحزب الشيوعي. الفريق الحريري الذي انشقّ عن الحزب يعيب عليه عدم ارتهانه للمحور السعودي ــ الأميركي ــ الإسرائيلي.

وكاتب «مشرقي» في «الأخبار» عاب على الحزب عدم ارتهانه بالكامل للنظام السوري، مع أن الحزب الشيوعي اللبناني كان أكثر طاعة وولاء للنظام السوري في مرحلة قيادة جورج حاوي الذي دعى في الثمانينيات إلى وحدة «كاملة» بين لبنان وسوريا (من يعود إلى صحف التسعينيات يجد أخباراً عن ولائم لقادة الجيش السوري ومخابراته على موائد جورج حاوي، ويجد إشادات بالنظام السوري من قبله، مع ان هناك من يروّج لنظريّة أن النظام السوري «أنهى» مقاومة الحزب للعدوّ الإسرائيلي لأن الحزب لم يكن يوالي النظام. إن عتب حاوي الوحيد على النظام السوري كان أنه لم يصل، أو لو يوصل إلى الندوة النيابيّة). أما الرفيق سعد الله مرزعاني فقد لام القيادة الحاليّة للحزب (التي تسلّمت السلطة عام 2004) على كل مشاكل الحزب، وأثنى على إصلاحات المؤتمر الثاني للحزب عام 1968.
أعترف أنني أكتب عن الحزب من خارجه. عندما تلقّفت الشيوعيّة من خلال قراءات عن ماركس ولينين ولهما في سنوات الصبا، لم يرق الحزب لي ولم يكن بالنسبة لي مُعبّراً عن الماركسيّة ــ اللينينيّة التي اعتنقتها، وكما فهمتها. كنتُ أتساءل كيف يكون الحزب الشيوعي في بلد مثل لبنان إصلاحيّاً يكرّس جلّ همّه لكسب مقعد نيابي لنقولا الشاوي في طرابلس ولحبيب صادق في الجنوب. كما أن أدبيّات الحزب كانت تعبق بلغة ستالينيّة جامدة لا أثر لسحر اللغة الشيوعيّة فيها، ولا نَفَس للثورة فيها. والكفاح المسلّح (من أجل فلسطين، حتى لا نتحدّث عن لبنان الذي خاض فيه الحزب «نضالاً برلمانيّاً») لم يكن من صلب عقيدة الحزب وفرقة «الأنصار» لم تكن إلا تلبية شكليّة لمطالب القاعدة الجنوبيّة. وهذا الابتعاد، لا بل النفور مِن، الكفاح المسلّح من قبل الحزب (قبل الحرب الأهليّة) وضع كل الحركة الوطنيّة في موقع ضعيف ودفاعيّ عند إشعال الحرب من قبل القوى الانعزاليّة، التي كانت منذ الستينيات تتحضّر للحرب بدعم سرّي من قبل أميركا والدول النفطيّة والعدوّ الإسرائيلي.

قصّرت قيادة الحزب
الحاليّة في محاولة رسم سياسة مستقلّة في حقبة الهجمة الرأسماليّة


ما الذي يمنع الحزب
من تشكيل جبهة يساريّة خارج سقوف 8 و14 آذار الطائفيّة؟

روى الراحل محمد دكروب تاريخ الحزب الشيوعي في كتاب جميل لكن عفويّة النشأة بولغ فيها كثيراً. إن قرار تأسيس الأحزاب الشيوعيّة في المشرق العربي، أو السيطرة عليها، كان نابعاً من قرار الكومنترن المركزي. لم تدم شيوعيّة يوسف إبراهم يزبك الحالمة طويلاً قبل ان يحضر فؤاد الشمالي إلى لبنان، ويحضر غيره، منتدبين من الحزب الأم. إن نشأة وتطوّر الحركة الشيوعيّة العربيّة في المشرق (حتى لا نتحدّث عن تجربة المغرب حيث كان علي يعتة، القائد الشيوعي المغربي يعلن بعد تقبيله يد الملك الحسن الثاني أن لا تعارض بين الماركسيّة وبين النظام الملكي هناك)، كان سياسة خارجيّة سوفياتيّة، أو سُمح لها ان تكون كذلك، ما ساهم في انهيار هذه الحركة بسرعة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. ربطت الحركة الشيوعيّة العربيّة مصيرها بمصير الحكم في موسكو.
أما عن الحركة التي مثّلها يوسف إبراهيم يزبك (الذي ما لبث ان نأى بنفسه عن الشيوعيّة وبسرعة وتحوّل إلى مؤرّخ كلاسيكي غير نقدي للتاريخ اللبناني) ومن ساهم معه في نشرة «الإنسانيّة» فكانت حركة ليبراليّة متأثّرة بالأدب الرومانسي الفرنسي. أي أن النشوء العفوي المحلّي للشيوعيّة في لبنان كان ذا نسق ليبرالي أكثر مما كان شيوعيّاً، وكان (وبقي) إصلاحيّاً أكثر مما كان (وبقي) ثوريّاً.
استولى خالد بكداش (أوّل مُترجم - بتصرّف - عن الفرنسيّة لـ«البيان الشيوعي» الذي لم يرد الاتحاد السوفياتي وصوله إلينا صافياً من دون تنقيح كما أبرز العفيف الأخضر في ترجمته - عن الفرنسيّة أيضاً - لـ«البيان الشيوعي») على الحزب في المشرق وكان نقولا الشاوي خير رفيق له ومعين (راجع دور الشاوي في سرديّة قدري قلعجي - المُغرضة، «تجربة عربي في الحزب الشيوعي»). وكان أوّل امتحان لاستقلاليّة الحزب الشيوعي هو في موضوع فلسطين. خالف الشيوعيّون العرب مزاج ومطالب الرأي العام العربي تنفيذاً لأوامر الراعي السوفياتي. لا، أكثر من ذلك: تحدّى الشيوعيّون مشاعر قاعدتهم تنفيذاً للأوامر. فرج الله الحلو (هل عرفنا سبب إبعاده من قبل القيادة الشيوعيّة نفسها؟ ألم يسكت الحزب الشيوعي لسنوات وعقود طويلة عن جريمة تذويبه بالأسيد خشية إحراج الحليف المصري للاتحاد السوفياتي؟) كتب ما يلي عن صراعنا مع العدوّ: «لقد كنّا وما زلنا نقول إن نضال العرب في فلسطين ضد الصهيونيّة هو نضال سلمي» (فرج الله الحلو، «كتابات مختارة»، ص. 35). لم يعتذر «سالم» في رسالته عن هذا الموقف، ولم يُراجع الحزب الشيوعي موقفه المُشين والمتخاذل من تبنّي الاتحاد السوفياتي للوليد الصهيوني (إن جرائم الصهيونيّة في 1948 والنصر العسكري لم يكن ممكناً من دون التسليح التشيكي الذي أمر به ستالين، والذي أسبغ شرعيّة دوليّة على ولادة دولة الكيان الغاصب في 1948).
لكن تقرير ووثائق المؤتمر الثاني للحزب الشيوعي عام 1968 (وهو المؤتمر الذي يريد شيوعيّون سابقون وحاليّون ان يتذكّروه على أنه حركة تمرّد على السيطرة السوفياتيّة ودفع للاتجاه الديمقراطي مع أن الوثائق لا تنمّ عن حيد قيد أنملة عن الخط السوفياتي، والديمقراطيّة لم تكن تعني غير تلك «المركزيّة الديمقراطيّة» الحديديّة في الأحزاب اللينينيّة) لم يغالط الموقف السوفياتي من فلسطين: هو رأى في الكتاب الأبيض عام 1939 قراراً إيجابيّاً مع أنه كان هناك إجماعاً عربياً شعبياً، وحتى رسمياً، على رفضه. وتحدّث التقرير بإيجابيّة عن موافقة الاتحاد السوفياتي من تقسيم فلسطين («نضال الحزب الشيوعي اللبناني من خلال وثائقه»، ج1، ص. 41-42).
صحيح أن الحزب تحرّر من سلطة خالد بكداش بعد طول عناء، لكن الزمرة الحاكمة لم تتخلّص من ستالينيّة وأسلوب وعقيدة وممارسة خالد بكداش، ولم تحد مثله عن خط الاتحاد السوفياتي. على العكس، كانت حقبة التحرّر من بكداش في الستينيات مرحلة توطيد التحالف مع الاتحاد السوفياتي ونبذ التفسيرات المُغايرة للماركسيّة. استطاعت قيادة نقولا الشاوي بإيعاز سوفياتي ان تقصي عام 1964 حركتيْ نسيب وحسيب نمر لمطالبتهما بعقد مؤتمر حزبي عام، وأن تقصي عام 1967 شلّة صوايا صوايا وحسن قريطم. (راجع إبراهيم سلامة، «الشيوعيّون العرب»، ملف «النهار»، حزيران 1968، ص. 28-29). كما أن المؤتمر الثاني للحزب المذكور أعلاه شنّ حملة عنيفة على «الانحراف اليساري وآثاره الخطيرة» («نضال الحزب الشيوعي اللبناني من خلال وثائقه»، الجزء الأوّل، ص. 143) ورفض- بإيعاز سوفياتي، أيضاً وأيضاً - فكرة استعداء أنظمة «البورجوازيّة الصغيرة» التي كانت موسكو متحالفة معها. وكرّست قيادة الحزب القبضة الحديديّة في النظام الداخلي الجديد الذي اعتبر أن كل «عمل تكتّلي في كل من المستويات، يُعتبر عملاً انقساميّاً تخريبيّاً معادياً للحزب، وخرقاً لهذا النظام وخيانة للحزب ولقضيّة الطبقة العاملة والاشتراكيّة» (المادة الخامسة من «النظام الداخلي»، «نضال الحزب الشيوعي اللبناني من خلال وثائقه»، الجزء الأوّل، ص. 245).
وبعد مرحلة الشك في جورج حاوي وتقييد حركته في موسكو واتهامه بالعمالة للاستخبارات الأميركيّة (ومن دون مكاشفة الرأي العام الحزبي بملابسات القصّة كما أن الحزب لم يشرح للقاعدة ملابسات إرسال فرج الله الحلو إلى دمشق وفرض «رسالة سالم» فقط لأنه عارض بخجل قرار تقسيم فلسطين في عام 1947، وإعادة الاعتبار له كانت مبهمة)، برز الثنائي الشاوي ــ حاوي مع أن الأخير استطاع في فترة وجيزة كسب ثقة الحزب الشيوعي السوفياتي وتسنّت له قيادة الحزب الفعليّة الكاملة حتى استقالته عام 1993. وقد ساهمت قيادة حاوي في فقدان الحزب لشخصيّته المستقلّة عبر إلحاق الحزب بقيادة كمال جنبلاط (التقليديّة الطائفيّة) لا بل إن حاوي كان يقول إنه يقف في صف جنبلاط لو وقع خلاف بينه وبين حزبه، كما ان حاوي (مثل محسن إبراهيم) وضع الحزب في يد ياسر عرفات الذي لم يكن شيوعيّاً ولم يأخذ يوماً مصالح اليسار في حسبانه. إن هذا الإلحاق ألحق ضرراً كبيراً ليس فقط بمصالح الحزب واليسار، وإنما بمسار الحرب الأهليّة اللبنانيّة التي لم يرد عرفات ان تخرج عن نطاق السيطرة الملائمة لأوراق تفاوضه، وللحفاظ على الكيان الانعزالي في بيروت الشرقيّة، ما خلق بؤرة خصبة لتآمر العدوّ الإسرائيلي. لم ينهِ الإجتياح الإسرائيلي عام 1982 مرحلة خصبة من تاريخ الحزب، لأن الحزب كان قد بدأ يتقهقر قبل الاجتياح عندما بادر كثير من أعضاء الحزب إلى إتلاف الأدبيّات الشيوعيّة في مكبّات النفايات في كورنيش المزرعة. لم تصعد حركة «أمل» من عدم، وإنما أتت نتيجة الفشل الذريع الذي أصاب بنية كل الأحزاب اليساريّة في الجنوب والبقاع والضاحية (كانت الشيّاح معقل اليسار الثوري «المتطرّف» في سنوات الحرب الأهليّة).
إن أزمة الحزب الشيوعي الحاليّة وتقاعس قيادته عن تحفيز العمل الشيوعي ليس وليد اللحظة، وليس من مسؤوليّة خالد حدادة وحده. هي أزمة تاريخيّة طويلة تعود إلى عدم قدرة الحزب، أو عدم رغبته، في سنوات الحرب الباردة على بناء شخصيّة شيوعيّة مستقلّة (على طراز الحزب الشيوعي الإسباني، مثلاً، أو حتى الفرنسي) ما ضعضع أعمدة الحزب بمجرّد أن انهار الاتحاد السوفياتي. انشقّ الحزب مرّات عديدة بعد استقالة جورج حاوي (وكانت بعض الانشقاقات ذات الهوى الجنبلاطي طائفيّة المنحى)، كما أن الوضع المالي للحزب تعرّض هو الآخر إلى «الانشقاق» بالرغم من عقود طويلة من الدعم السوفياتي السخي.
لكن القيادة الحاليّة للحزب تتحمّل مسؤوليّة على أكثر من صعيد. هي تقاعست لسنوات عن رسم إيديولوجيّة الحزب، فهي لا تشرح إذا كان الحزب قد تحوّل إلى حزب ليبرالي صرف، كما تحوّل الحزب الاشتراكي الفرنسي إلى حزب ليبرالي قاد عمليّة تخصيص في فرنسا، أو كما تحوّلت أحزاب ليبراليّة في الغرب (مثل الحزب الديمقراطي الأميركي) إلى أحزاب يمين الوسط. يفتقد الحزب إلى هويّة فكريّة وهو يبدو كمن يهرب من إرث كارل ماركس العظيم ولا يجد من رموز الشيوعيّة العالميّة لإبرازهم إلا وجه تشي غيفارا، البهيّ الطلعة. أما إذا كانت القيادة قد رأت ان فكر ماركس لم يعد صالحاً لزمانها ومكانها، فعليها مصارحة جمهورها بذلك، لعلّه إما يسير معها، أو يجد لنفسه حزباً شيوعيّاً آخر لا يخجل من هويّته الشيوعيّة.
وقد قصّرت قيادة الحزب الحاليّة في محاولة رسم سياسة مستقلّة في حقبة الهجمة الرأسماليّة الوحشيّة التي مثّلها رفيق الحريري (والذي تحالف معه جناح كامل في الحزب، أو أجنحة مختلفة انضمّت تحت مسميّات مختلفة إلى حركة 14 آذار اليمينيّة الرجعيّة). وبعد 2004، نأى الحزب بنفسه عن الصراع بين معسكريْن طائفيّيْن (لا ينتمي أي منهما إلى صفّ اليسار)، واكتفى الحزب بالتقرّب الخجول من فريق واحد (8 آذار) مع ان الضرورة كانت تفرض على الحزب قيادة فريق ثالث لا يكتفي بشعارات السياسة الخارجيّة بل يرسم سياسات داخليّة مستقلّة (خصوصاً وان فريق 8 آذار أثبت أنه لا يقلّ ولاء للنظام الرأسمالي عن فريق 14 آذار مع اختلاف في التفاصيل والحصص). والرهان على التحالف مع حزب الله لكسب برلماني محتمل (ما قصّة هوس هذا الحزب بالتمثيل البرلماني؟)، باء بالفشل الذريع بالرغم من شوق شديد شاب عدد من قياداته.
أما موقف الحزب من المقاومة فبات أقرب إلى موقف الحزب في الستينيات عندما قرّر عدم خوض الكفاح المسلّح من أجل التغيير لأن نقولا الشاوي كان يقترب من السلطة برلمانيّاً. يكتفي الحزب اليوم بتأييد مقاومة حزب الله من دون شرح أسباب عدم تشكيله لفصيل مقاومة خاص به خصوصاً وان النظام السوري (الذي قيل إنه منع إلياس عطالله وعبد الكريم مروّة المدجّجيْن من التوجّه إلى الجنوب لتحريره قبل عام 2000) لم يعد له سيطرة في لبنان. أما عن التغيير السياسي في لبنان، فإن شعارات الحزب عامّة وليبراليّة السقف، لا أكثر.
ولا يمكن إنكار فضائل الحزب، وشخصيّة جورج حاوي، في تشكيل العمل الجبهوي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، اما الحزب اليوم فنجده معزولاً منكفئاً يكتفي بزيارات اجتماعيّة لقادة أحزاب أو ساسة. ما الذي يمنع الحزب من تشكيل جبهة يساريّة لقيادة التغيير خارج سقوف 8 و14 آذار الطائفيّة؟ وما الذي يمنع الحزب من إعادة لملمة صفوف الشيوعيّين المتبعثرين؟ هل كل هذا يستحيل في غياب عقيدة واضحة للحزب وموقف صريح من الماركسيّة ــ اللينينيّة؟ على الحزب ان يأخذ اسمه على محمل الجدّ، على عكس «الحزب التقدّمي الاشتراكي» الذي أصبح صاحبه في أقصى اليمين الرجعي، وأبعد ما يكون عن التقدميّة الاشتراكيّة.
تمرّ الرأسماليّة العالميّة في واحدة من أقسى أزماتها منذ الانهيار الاقتصادي عام 1929. والازمة العالميّة تلك حفّزت على صعود حركات اليسار حتى في أميركا، حيث كانت النخب المثقّفة في نيويورك (مثل لندن) تعتبر عدم الانتماء إلى الشيوعيّة نقيصة فكريّة. إن نشر كتاب «رأس المال في القرن الواحد والعشرين» (الذي كتب فيه الرفيق عامر محسن مراجعة نقديّة وافية) أعاد الاعتبار للنقاش (الذي كان ممنوعاً بعد سنوات الحرب العالميّة الثانية) حول سوء توزيع الدخل في ظلّ الرأسماليّة، وحول زيادة التراكم النابع من تشغيل رأس المال ومن الميراث. وظاهرة سوء توزيع الثروات والدخل في الغرب، تضاعف في العالم العربي بسبب غياب الرقابة الماليّة والاجتماعيّة، وغياب دولة الضمان الاجتماعي (ما خلا دول النفط التي يحتفظ حكّامها بالثروات مقابل فتات لباقي الشعب).
كان يمكن للحزب الشيوعي اللبناني ان يقود عمليّة مواجهة الخطر الاقتصادي ــ الاجتماعي ــ السياسي لبرنامج عائلة الحريري لكن الحزب تقاعس عن المهمّة، وسمح لفكر الرأسمالية المتوحشة بالتسرّب إلى أذهان الشباب اللبناني الذي بات يحلم بالعمل في دبي أكثر من حلمه بالتغيير الاشتراكي الذي شغل جيلاً بحاله في حقبة ماضية. يفتقر الحزب هذه الأيّام إلى منهج فكري يسترشد به، يضخّه في خلايا التثقيف الحزبي. أما إذا كان الحزب يرضى بدور ليبرالي خجول فعليه أن يعترف بذلك على الملأ، ويمضي في عمليّة الإصلاح الليبرالي التي كانت في أساس تكوين الحزب (العفوي).
لم أحتفظ بنقدي للحزب الشيوعي في سرّي، ولم أعتبر ان تجديد الشيوعيّة في لبنان مسألة ترف فكري. وعندما دعاني الرفيق خالد حدادة للقاء قيادة الحزب قبل سنوات، تحدّثت عن هذا الخجل من فكر كارل ماركس الذي يعتري لغة الحزب وخطابه (وهالني في اللقاء المذكور ان كل أعضاء القيادة كانوا من الرجال، وعندما علّقت على الأمر للقيادة، سارع أحدهم إلى الاتصال برفيقة كي تحضر، وحضرت). الحزب ما انفكّ يهرب من شيوعيّته منذ سقوط الاتحاد السوفياتي. حتى إن جورج حاوي سارع في أواخر كانون الثاني 1990 إلى إعلان في مؤتمر صحافي قرار حزبه بالتخلّي عن «نشر الإلحاد» مع أن هذا الحزب لم ينشر الإلحاد يوماً في تاريخه الطويل - وحده الحزب الشيوعي العراقي، بين الأحزاب الشيوعيّة العربيّة، نشر الإلحاد في حقبة من تاريخه السحيق، والجبهة الديمقراطيّة في مرحلة الأردن (أوضح الحزب في مؤتمره الثالث عام 1972 أنه ليس «ضد الإيمان الديني». «نضال الحزب الشيوعي اللبناني من خلال وثائقه: الشيوعيّون اللبناني ومهمّات المرحلة المقبلة»، الجزء الثاني، ص. 334).
يتمسّك خالد حدادة بقيادة تنظيم يستنزف قواه ويهجّر قواعده. إن صور الاحتفال بذكرى تأسيس الحزب تضمّنت الكثير من الأطفال في مقاعد «الأونسكو». عاش حدادة تجربة القيادة ومن حقّ جمهور الحزب ومن حقّ أصدقاء الحزب مساءلة الرفيق حول مدى نجاح تجربته. عقد من الزمن يكفي للحكم، ويكفي للمحاسبة. يستطيع حدادة ان يستقيل وأن يطلب عقد مؤتمر فوري من أجل اختيار قيادة جديدة على أسس برامج محدّدة (لا على أسس أشخاص) حتى لا يتحوّل الصراع في أقدم حزب لبناني إلى تقليد لصراع الأشخاص في التنظيمات الناصريّة في مرحلة بائدة. اليسار يتجدّد على صعيد عالمي، وأفكار كارل ماركس ورفاقه تبدو أكثر قابليّة وسياقيّة من الماضي. كتب إريرك هوبزباوم في مقدّمة نسخة تذكاريّة جديدة من «البيان الشيوعي» عن دار «فرسو» أن الوثيقة تضمّنت مساراً غير محتوم وأن «القبور لا بدّ أن تُحفر عبر أو من خلال عمل إنساني». ومَن يحفر تلك القبور إذا كان الشيوعيّون قابعين في منازلهم معتكفين، أو واقفين أمام أبواب السفارات طلباً للهجرة؟ وإذا كانت الأحزاب الشيوعيّة انتظرت ماضياً حتميّة انتصار الاشتراكيّة معتمدة فقط على قوّة الاتحاد السوفياتي، فإن انتظار تفاقم أزمة الرأسماليّة العالميّة من دون فعل مضاد قد تؤدّي إلى خيبة أكبر من تلك التي صاحبت انهيار الاتحاد السوفياتي. هل لم يبق من شيوعيّة الحزب الشيوعي اللبناني إلاّ اللون الأحمر وصورة غيفارا وأناشيد؟ ثم من لاحظ ان كلمة خالد حدادة في ذكرى تأسيس الحزب العريق أتت على ذكر رياض الصلح، ولم تأتِ مرّة واحدة على ذكر كارل ماركس؟ إن حزب الإصلاح الليبرالي اللبناني ليس شيوعيّاً.
* كاتب عربي
(موقعه على الإنترنت:
(angryarab.blogspot.com