كنت قد التحقت بالجامعة الاميركية، وكان صيت منح بك في الجامعة يدوّي في كل اتجاه. كان الرئيس جمال عبد الناصر قد توفي وكانت سنة 1973 في مطلعها، ولم نكن نعلم ان الانظمة العربية المهزومة تستعد لشن هجومها الكبير في اكتوبر 1973 لتنقض على العدو الصهيوني.


تقدّم منح بك مرشّحاً عن بيروت وجاء لزيارة والدي لكونه صديق الطفولة ونقابياً مؤسساً يحمل هموماً وطنية مشتركة.
كان منح بك، ابن السلالة الوطنية، محاضراً من طاولته في مطعم فيصل وكان دمث الخلق متواضعاً، سليط اللسان والقلم، لديه جملة سحرية تفكّ الالغاز السياسية العربية واللبنانية المعقّدة. وكان يشاركه الجلسة جمع من الشباب المشغولين بقضايا الامّة والعروبة والاشتراكية والنضال، مفكّرين وأساتذة ومناضلين كالدكتور كمال صليبي والدكتور يوسف ابش والوزير بشارة مرهج والقائد معن بشور والمناضل كميل حوا (لم يكن قد ظهر في الرسم بعد بل في السياسة)، والمناضل منصور حريق وكثير من الاصدقاء، أعتذر عن عدم ذكر اسمائهم جميعاً.
انطلقت حرب 1973 وعادت الانظمة الى الساحة العربية وبهت رونق المقاومة الفلسطينية وازدادت الدراسات السياسية التي تقول عكس ما ناشد به الجميع، بعدما أثبتت الأنظمة العربية لأوّل مرة قدرتها على التجمع والنصر...
ونحن في الجامعة اندلعت حرب لبنان وكانت ليلة من ليالي الغضب سنة 1978 عندما اجتمعنا تلقائياً في منزل منح بك وكانت مدفعية القوى الوطنية تتبادل مع مواقع الشرقية والجبهة اللبنانية القصف المدفعي.
وكانت مجموعة من الشباب «الشرقيين» الملتحقين بالقوى الوطنية تهلل لدك الشرقية، فتوجه منح بك إذ رآني ممتعضاً من كل هذا وقال: «يا شباب لا يجوز أن تنتصر الايديولوجية على الحياة فلدينا أهل وأقارب في بيروت شرقاً وغرباً نريد ايقاف هذه المجزرة على الفور، أهلكم هنا وهناك فكيف تهللون؟ ما هذا الانفصام، نناضل من أجل الحياة... ما قيمة كل هذا بدون حياة؟ هذه ثقافة وأيديولوجية الموت!».
أحببت منح بك أوّلاً لانتمائه لمدرسة الشهامة الصحافية والفكرية ولتأسيسه أسلوبا خاصا اسميه ارستقراطية الكتابة والفكر في الصحافة العربية والفكر الوحدوي والتغييري المنطلق من ربوع لبنان ومن أحضان عائلة امتازت بالعز والشرف. وكانت جمله تقع علينا وتنير معضلات حاضرنا المأساوي والمعقّد.
كانت قضايا الامة تهمّه بالدرجة الاولى وكانت كتاباته أبلغ ما قرأت في السياسة والصحف المنشورة فكانت بلاغة كتاباته تضاهي منطقه القومي العربي المحض السهل الممتنع.
كنت في بغداد سنة 1998، أكمل بعض المشاريع التنموية للعراق ضمن برنامج الأمم المتحدة (بترول مقابل الغذاء) وكان منح بك مدعوّا وأصدقاءه الكثر من الدولة العراقية الى مؤتمر قومي آنذاك...
قابلته في بغداد في فندق الرشيد. كان حزينا ومحبطا وقال لي ان ما ينزل من مآس بالعرب لا يوجد شعب على الارض يمكنه تحمّله، وكان الحصار يطوق العراق وشعبه...
رحم الله هذا الفارس اللبناني العربي، نتقدّم لآل الصلح وللبنان والعرب وأصدقائه بأحرّ التعازي بالفقيد الغالي في ايامنا العصيبة هذه ونحن امام ضمور الافكار التحررية والعلمانية القومية في مجتمعات يسودها الظلم والتفتّت.
سوف نفتقدك يا بيك...