حذّر باحث أميركي في جامعة شيكاغو اسمه علي رضا دوستدار من مغبّة فهم تنظيم «داعش» عبر الدعاية التي يروّجها عن نفسه. بالفعل، فإن هناك مصدرين للصورة التي يكونها الرأي العام عن «داعش»، والاثنان لا يعبّران عن حقيقة التنظيم من الداخل ولا ظروف المناطق الشاسعة التي يحكمها. الأول هو البروباغاندا التي ينشرها أعداء «داعش» عن خصمهم، والثاني هو بروباغاندا التنظيم نفسه.


الصورتان تتضافران لخلق اسطورة عن خلافة يجمع قادتها وعناصرها اتّساقٌ ايديولوجي كامل وحماس عقدي متطرّف، وتمتلك سلسلة قيادة هرمية وصلبة، وقدرة على ارتكاب الجرائم ضد المخالفين من غير وازع. هذه، تحديداً، هي النسخة التي يريد التنظيم أن يروّجها عن نفسه؛ والتسجيلات التي ترمي الى تجنيد الأتباع هي، كتصريحات القادة والمسؤولين، لا تعكس الحقيقة بقدر ما تعبّر عن صورة اعلامية يتمّ تصميمها بعناية وحرفية.
هكذا انقلب المثقفون والمعلقون الذين يرجّعون صدى الاعلام العربي من اعتبار «داعش» تنظيماً عدمياً لا يملك فرصة للبقاء، وتطرّفاً أهوج سينبذه الناس، واختراعاً مخابراتياً يرمي للتشويش على «الثورة»، الى تقديمه كوحشٍ لا رادّ له، يستلزم الدخول بلا نقدية في «التحالف» العسكري الغربي. كما يذكّر دوستدار في بحثه، فإنّ الصورة على الأرض تختلف كثيراً عن الدعاية، والواقع لا يوائم ابداً الاسقاطات الايديولوجية: اكثر عناصر التنظيم ليسوا من المهاجرين المؤدلجين الذين جذبتهم العقيدة الى ساح القتال، بل هم من السكان المحليين في شرق سوريا وغرب العراق؛ والتنظيم لا يحكم بالطريقة ذاتها في كلّ مكان، بل هو ينشىء احلافاً قبلية وسياسية، وتسويات تختلف باختلاف الاقليم. النظر الى «داعش» كظهورٍ فجائي، نتج عن ايديولوجيا متطرفة زرعت، على غفلة، في عقول الناس هو حلّ مريح لمن لا يريد أن يواجه التاريخ الحقيقي للمنطقة، ولمن يتجاهل الرابط ــــ مثلاً ــــ بين انتشار «داعش» في ديالى والحرب الطائفية الشرسة التي مرّت بها المحافظة لسنوات تحت الاحتلال الاميركي، فوضعت الجار في مواجهة جاره، والقرى في مواجهة بعضها البعض، والتي لم يكتب عنها أحد. أكبر المذنبين هنا هو الخطاب الخليجي وأتباعه «الاسلاميون» الذين ربّوا الناس، لسنوات، على سرديّة «داعش» نفسها، والذين لا يختلفون معه في النظرة الى المجتمع، ولا في أسس العقيدة، ولا في العداء للأقليات (وان عابوا في «داعش» جرائمه واستسهاله القتل، فقد أرتنا أفعالهم في سوريا، جلياً، مدى احترامهم لدم المخالف وتقديسهم للحياة البشرية). هم، ببساطة، يريدون «داعشاً» موالياً للغرب.