(اللهم أعطِنا القوة، لنُدرك أنّ الخائفين لا يصنعون الحريّة، والضعفاء لا يخلقون الكرامة، والمترددين لن تقوى أيديهم المرتعشة على البناء. القائد والمُعلّم والمُلهم جمال عبد الناصر)


من نوافل القول والفصل أيضاً إنّ الأمّة العربيّة تمُرّ في أدكن وأصعب فترة، الشرذمة باتت سيّدة الموقف، الوطن العربيّ بات ممزقاً ومُفتتاً سياسياً واجتماعياً ودينياً ومذهبياً، ولا نُبالغ البتّة إذا قلنا وفصلنا وجزمنا بأنّ الدول العربيّة من المحيط إلى الخليج باتت مُستباحة من قبل الاستعمار وموبقاته وزبانيته، في محاولة مفضوحةٍ وجليّةٍ لاستدخال الهزيمة إلى العقل العربيّ، والإمعان في احتقار هذه الأمّة، وصرف الأنظار عن الحقيقة الدامغة بأنّ العرب هم لا أكثر ولا أقّل من مُصدّري الإرهاب إلى جميع أنحاء المعمورة. المؤسف والمخزي، المريب والمشين أنّ الأدوات العربيّة التابعة بالمُطلق للإمبرياليّة والصهيونيّة تقوم بأداء دورها على أحسن وجه، من أجل تحطيم العزائم، ومُصادرة حلم الناطقين بالضاد للحاق بركب الحضارة. علاوة على ذلك، فإنّ الاستعمار الخبيث تمكّن، للأسف الشديد، من إدخال مصطلحات جديدة إلى المُعجم العربيّ، وأضفى على البُعد الطائفيّ بُعداً مذهبياً، الأمر الذي أدّى إلى تهشيم المجتمع العربيّ، وتمزيق نسيجه الاجتماعيّ، وباتت بلاد العرب أوطاني مجرّد شعار فضفاض، وأصبحت «لسان الضاد يجمعنا وبلاد العرب أوطاني»، شعارات رنانّة تتغنّى على الأطلال، ولا وجود لها على أرض الواقع، وعليه يُطرح في هذا السياق السؤال التالي: هل نرفع الراية البيضاء ونستسلم؟ أمْ أنّه يتحتّم علينا، شحذ الهمم وعصف الذهن وتضافر الجهود، من أجل منع الانحدار أكثر فأكثر. بكلماتٍ أخرى، سيطرة الخطاب الدينيّ المتأسلم على الأجندة، أدّى إلى تقهقر الخطاب القوميّ العربيّ، وباتت أشباه الدول العربيّة أو المُستعربة، التي تكّن العداء المتجذّر والمتأصّل للعروبة، الحاضنة والمُمولّة لهذه الجماعات، التي لا تألوا جُهداً في إعادة العرب إلى العصور ما قبل الحجريّة. وبالمُناسبة الحرب ضدّ التنظيم الإرهابيّ (داعش) يُمكن أنْ تُحسم في أرض المعركة، ولكن هل توجد وصفة لمُحاربة فكر هذا التنظيم، الجواب لا كبيرة.
■ ■ ■
لا يوجد لدينا أدنى شك بأنّ هذه الحالة العربيّة التي وصلت إلى الدرك الأسفل، تدفع المواطن العاديّ إلى حالة من الإحباط الشديد، إنْ لم تُحله على الكآبة، وهو الذي يتعرّض يومياً وعلى مدار الساعة إلى حملة غسيل دماغ من الفضائيات المأجورة، التي تعمل من دون كللٍ أوْ مللٍ على تسميم عقله، وإقناعه بدونيته، مقابل الغربيّ المتنوّر، وبالمناسبة الغرب متنوّر في عمليات القتل المنهجيّ، ويُمارس سياسة الإرهاب المنظّم من الدول. والمواطن العربيّ العاديّ، لا يملك الوسائل الدفاعيّة، في وقت تُجيّر الإمبرياليّة والصهيونيّة، العقول العربيّة، أوْ دعنا نُسّميهم بالمثقفين الجدد، الذين يعملون جهاراً نهاراً في تمرير الروايات الكاذبة والتحليلات الزائفة خدمةً لأجندات الغرب ودولة الاحتلال التي زُرعت في الشرق الأوسط على حساب الشعب العربيّ الفلسطينيّ، ومن هنا نقول ونفصل أيضاً إنّ لينين كان صادقاً ورؤيته ثاقبة جداً عندما أطلق مقولته الشهيرة والمأثورة: «ﺇﻥّ ﺍﻟﻤﺜﻘﻔﻴن هم ﺃﻗدر ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻴﺎﻧﺔ، ﻷنّهم ﺃﻗدر ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ تبريرها». إزّاء هذه الهجمة الشرسة من قبل الإمبرياليّة ووكلائها، يقف الإنسان العربيّ حائراً ومتردداً، ذلك أنّ العدو الخارجيّ أنشأ حلفاً مع الأعداء الداخليين لإقناع الناطق بالضاد أننّا أمّة مأزومة ومهزومة ومهزوزة، تبحث عن رغيف الخبز، وهذا الأمر في غاية الأهميّة، ذلك أنّ الإمعان في إفقار الشعوب العربيّة هو عاملُ مفصليٌّ في زمن العولمة، فالفقر يُجبر الإنسان على القيام بأعمال تتنافى مع قوانين وآليات المجتمع، ويتحوّل من حيث يدري أوْ لا يدري إلى مجرمٍ، عوضاً عن التحوّل إلى فدائيّ يُدافع عن مصير أمتّه وبناء مستقبلها، ومن هنا، تُصبح الطريق إلى الجماعات الإسلاميّة المُتشدّدّة مفتوحة على مصراعيها.
■ ■ ■
الصورة قاتمة، ولا تُمكن رؤية الضوء في آخر النفق (light at the end of the tunnel)، الوطن العربيّ من محيطه إلى خليجه، يعيش أزمةً حقيقيةً في جميع مناحي الحياة، والسؤال: هل علينا الاستسلام من دون خوض الحرب؟ أمْ يتحتّم على كلّ عربيّ شريف أنْ يُناضل من موقعه لأجل هذه الأمّة التي قدّمت الكثير للإنسانيّة في غابر العصور؟ بطبيعة الحال، لا بدّ من استنهاض القوى التقدميّة واليساريّة والقوميّة والوطنيّة والشيوعيّة وحتى الإسلاميّة في العالم العربيّ، وعلى الرغم من التباين في الاجتهادات والاختلاف في المواقف بين هذه التيّارات، إلا أنّه يُمكن إيجاد القاسم المشترك الأعظم وهو مصلحة الأمّة العربيّة وسُبُل تحريرها من الأنظمة المستبدّة، المتحالفة مع الإمبرياليّة والصهيونيّة.

لسنا بحاجة إلى العواطف
بل إلى دراسة الأمور بشكل
علمي وعملي
الأمّة العربيّة تملك القُدُرات والطاقات والخامات لإعلان الثورة المضادّة على قوى الرجعيّة العربيّة، التي تتساوق مصالحها مع بلد الشياطين الجُدد، أميركا وربيبتها إسرائيل، وربّما، ونُشدد على مفردة ربّما، لكي نُوضح بأنّ ما كان يُطلق عليه الربيع العربيّ يجب أنْ يتحوّل إلى كيدٍ مرتدٍ، خصوصاً أنّه كشف المستور وأسقط الأقنعة عن العديد من القوى التي كانت تتشدّق بالقوميّة العربيّة، وباتت في هذه الأيام أحجار في طاولة نرد دول الخليج العربيّ، التي لا تنفك عن شراء الذمم، بما في ذلك المثقفين، لتثبيت المخطط الحقود والخسيس ضدّ العرب وصرف أنظارهم عن العدو الحقيقيّ، وإيران أكبر مثال على ذلك. فهذه المجموعة تُحاول بأسلوبٍ ناعمٍ إقناعنا بأنّ العدو المُرعب هو طهران وليس الصهيونيّة والإمبرياليّة، وحرف المسار بهذه الطريقة الصفيقة يؤدّي، شئنا أمْ أبينا، إلى فقدان البوصلة، فعوضاً عن التمسّك بتحرير فلسطين المغتصبة منذ أكثر من 65 عاماً، نرى أنّ هذه القوى، المزودّة والمدججة بأموال البترو دولار، تعمل بشكلٍ مكثّفٍ لشدّ الأنظار نحو إيران «الشيعيّة»! وتهويل الخطر الداهم من الفرس، وهذه النظريّة تجذب قطاعات لا يُمكن التقليل منها، كمّاً ونوعاً من الأمّة العربيّة، أيْ أننّا أصبحنا ننظر إلى إيران بمنظار العدو، تماماً كما تنظر إليها إسرائيل، التي تحتّل أرضنا، وتنتهك عرضنا، وتحرق الأخضر واليابس، وتقلع الحجر والشجر على حدٍ سواء. كما أنّ حزب الله اللبنانيّ، الذي مرغّ أنف دولة الاحتلال، بات مُستهدفاً من الطابور السادس الثقافيّ، ووصلت الوقاحة والصلف بأحد الإعلاميين «الجُدُد» إلى التبجّح بأنّ حزب الله أخرج نفسه من محور المُقاومة، لأنّه لم يقُم بفعل أيّ شيء من أجل نصرة غزّة، التي تعرضّت لعملية إبادة جماعيّة هذا الصيف من قبل دولة الاحتلال.
■ ■ ■
لا بدّ من تأكيد أنّ الوحدة العربيّة ليست حلماً، أوْ رغبةً عارضةً أوْ اضطراراً لمواجهة خطر ما تزول أسباب الوحدة مع زواله، وإنمّا الوحدة ضرورة وحتميّة وواقع، حيث أننّا أمّة عربيّة مكتملة التكوين القوميّ، وما يؤثر في قطر عربيّ يؤثر في كلّ شبرٍ وعلى كلّ شبلٍ من الأمة، وهذا الفهم واليقين يعطى ميزة للناصريّ أنّه يبحث ويُفكّر ويطرح حلولاً من منطلق قوميّ لا إقليميّ، ولا بدّ من تأكيد أنّ المنطلق القوميّ إلى الوحدة العربيّة موقف مناقض تماماً للمنطلق الإقليميّ من حيث المضمون الفكريّ والسمة العقائديّة والسلوك الحركيّ، وعليه كان القبول بالتدخلات الأجنبية في قطر عربيّ ورفضه في قطر آخر هو سلوك إقليميّ بحت، والقبول بالتفريط في أيّ شبر عربيّ أوْ ذرة تراب من أرض الوطن خيانة، فالأرض ليست ملك جيل، وإنمّا هي تاريخ وميراث وحاضر ومستقبل أجيال، وفلسطين هي جزء من كامل التراب العربيّ وكل شبر في فلسطين شهد ملحمة نضالية وارتوى ترابه بدماء شهدائها، وعليه، فإنّ التفريط بهذه الثوابت هو أكثر من الخيانة العظمى بكثير، ذلك أنّه على سبيل الذكر لا الحصر، لا يوجد على هذه البسيطة مَنْ هو مُخوّل للتنازل عن أيّ حقٍ من حقوق الشعب الفلسطينيّ، وفي مقدّمتها حقّ العودة، الذي نصّت عليه الشرعيّة الدوليّة، والذي لا يسقط بالتقادم. فالعودة أهّم من الدولة، ومحمود عبّاس، رئيس سلطة أوسلو-ستان، ليس مخولاً وليس مؤهلاً للتنازل عن العودة، لا هو ولا الزُمرة المُحيطة له من «القيادة الفلسطينيّة».
■ ■ ■
لسنا بحاجةٍ إلى العواطف، بلْ نحن بحاجةٍ ماسّةٍ إلى دراسة الأمور بشكلٍّ علميٍّ وعمليٍّ، والانتقال من لعب الطاولة إلى لعب الشطرنج، كما أننّا نُحذّر من أشباه اليساريين العرب، أوْ مثقفي النيولبرالية، والذين يُمكن تسميتهم بالطابور السادس الثقافيّ، الذين يُجيّشون ويُجيّرون كلّ طاقاتهم وأموالهم المنهوبة من الشعوب، لتكريس حالة الذلّ والهوان التي تنهش جسد وعقل الأمّة العربيّة، في محاولةٍ بائسةٍ ويائسةٍ لخلق العربيّ الجديد، هذا العربيّ، الذي يتحوّل إلى أداةٍ طيّعةٍ بأيدي الاستعمار وزبانيته، ويُسلّم بدونيته وفوقيّة الغرب.
وهذا الطابور السادس الوضيع، الذي يتلقّى الدعم الماديّ السخيّ من المحميات الأميركيّة غير الطبيعيّة في الخليج العربيّ، يعمل بدون كللٍ أوْ مللٍ على شراء الذمم، ذلك أنّ هذا هو دوره الهدّام في تطبيق الخطة الاستعماريّة القديمة-الجديدة، بخلق شرق أوسطٍ جديد أوْ متجدد.
علاوة على ذلك، فإنّ فضائيات الاستعراب ووسائل إعلام النفط والكاز والغاز، تقوم بنفث سمومها على مدار الساعة لإحباط عزيمة العربيّ، وهذه الوصفة: طابور ثقافيّ سادس وإعلام مُستعرب في زمن العولمة، يجعل من مهمتهم لخلق العربيّ الجديد حسب مواصفات الاستعمار أقّل صعوبة، ذلك أنّه كما قال لينين: ﺇﻥّ ﺍﻟﻤﺜﻘﻔﻴﻦ ﻫم ﺃﻗدﺭ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﺨﻴﺎﻧﺔ، ﻷنّهم ﺃﻗدﺭ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻋﻠﻰ تبريرها.
ونختتم بالقول إنّ العربيّ الجديد المطلوب، الإنسان العربيّ الجديد المطلوب، هو الإنسان الاشتراكيّ الذي اشتغل عليه جيفارا، وليس الإنسان اليهوديّ الذي اشتغل عليه بن غوريون، وورثته الشرعيين وغيرُ الشرعيين من عرب وأعراب ومُستعربين.
* كاتب فلسطيني