المأزق الذي تضعنا فيه كوباني مضاعف، فمن ناحية هي النموذج الأكثر قرباً من فكرة الثورة الشعبية التي «تطرد السلطة» ولا تقضي بالضرورة على المجتمع القريب منها (أي السلطة). ولذلك تريد تركيا تحطيمها، فهي بخلاف الإدارات التي أنشأتها المعارضة السورية التابعة للخليج والغرب (ومعظمها إن لم يكن كلّها وهابية أو خاضعة لابتزاز الوهابيين تحت مسمّى الهيئات الشرعية) تتعامل مع الخاضعين لإدارتها الذاتية بالتساوي ولا تميّز بينهم على أساس الولاء لها من عدمه.

من ناحية ثانية وبسبب هذا «الامتياز» تحديداً أصبحت مهدّدة بالغزو الوهابي الجديد، ولم يعد بالإمكان الحفاظ على صمودها بقوّة وعزيمة مقاتليها ومقاتلاتها الأبطال فحسب. وهنا بالضبط تكمن المعضلة، فمن يعارض التدخّل الامبريالي الذي تقوده قوّات التحالف الدولي يجد نفسه في حالة كوباني مضطرّاً للتعامل مع الواقع، والواقع هناك يقول بأنّ الطرف الوحيد الذي «يردع» «داعش» عن اجتياح كوباني بالكامل هو العدوّ المفترض لنا وللقضية الكردية التي تعدّ إدارة كوباني من أبرز تجلّياتها. لنقل بصراحة إنّ المقاومة الكردية البطلة صارت مضطرّة بفعل هذا الواقع القاسي إلى قبول ابتزاز قوّات التحالف الامبريالي ومعهم الأتراك الأوباش، فإن لم يقدّموا لها «المعونة» عبر الضربات الجوية تقدّمت «داعش» وسيطرت على مزيد من الأطراف المحيطة بالمدينة، وان فعلوا أخذت وحدات حماية الشعب المدافعة عن «المقاطعة» زمام المبادرة وأجبرت قوّات داعش على الانسحاب من الأماكن التي احتلّتها. هذه الحالة من الكرّ والفرّ تعتبر نتاجاً لحالة التخلّي التي تعاني منها المدينة منذ هجوم «داعش» عليها في أيلول الماضي.

كوباني تواجه نيابة
عن الجميع جحافل الغزو
الوهابي الجديد
لا النظام السوري يقدر على مساعدتها (هذا إن أراد أصلاً) ولا المعارضة «المتحالفة معها» موضعياً (بقايا وشراذم «الجيش الحرّ») أيضاً، ورغم أنّ هذه الأخيرة قد شاركت في معارك الدفاع عن المدينة (عبر ما يسمّى «لواء ثوار الرقة») إلا أنّ مشاركتها بقيت رمزية وغير مؤثّرة. «كوباني» بهذا المعنى تقاتل وحدها، وتواجه نيابة عن الجميع جحافل الغزو الوهابي الجديد الذي ينسّق مع الوغد أردوغان ويشتبك رمزياً مع التحالف الدولي. المشكلة أيضاً أنّ هذا الأخير يعتبر تركيا حليفة «داعش» الموضوعية جزءاً منه ويحاول حضّها على مزيد من الانضباط، ولكنه لم يفلح حتى الآن رغم الإشارة الواضحة التي بعث بها جو بايدن قبل أيام. تريد تركيا أن تكون اللاعب الوحيد في الصراع الدائر على حدودها الجنوبية، ولا تبدو مستعدّة لتقديم تنازلات من أيّ نوع. مشكلتها في رأيي أنّها تفصل الصراع في كوباني عن امتداداته داخل الأراضي التركية وتريد من التحالف أن يساعدها على تثبيت هذا الوهم عبر «اللغو» الخاصّ بالمنطقة العازلة ومناطق حظر الطيران. حين تفعل تركيا ذلك وتتغاضى عن القوّة الرمزية الهائلة التي توفّرها مقاومة كوباني المدعومة شعبياً من أكراد وأتراك وسوريين وعرب وأوربيين و...الخ تصبح على وشك فقدان «كلّ شيء» بما في ذلك قدرتها على التأثير في الأحداث.

حدود التأثير التركي

لا يقتصر دور سلطة أردوغان على محاصرة المدينة بالدبّابات وقوّات حرس الحدود من الجهة الشمالية التي تصل كوباني بالأهل في تركيا بل يمتدّ ليشمل الضغط على حكومة إقليم كردستان بهدف منعها من إرسال قوّات مؤازرة من البيشمركة لكوباني. الاحتجاجات على هذا الواقع وصلت إلى «كردستان» نفسها وان لم تبلغ حدّ الصدام مع السلطة كما حصل في تركيا وبعض الدول الأوروبية. لا يريد رئيس الإقليم مسعود البرزاني تصعيد المواجهة مع سلطة «العدالة والتنمية» ويحاول في الوقت ذاته تفادي المواجهات مع شعبه جرّاء الاتهامات له بالتخاذل عن نصرة كوباني ومدّها بالرجال والسلاح. هو يعرف أنّه مع تصاعد المواجهة سيخسر الطرفين، وعندها لن تنفعه العلاقات التجارية والاقتصادية مع الحلفاء الجدد في أنقرة، إذ لا شيء سيعوّضه عن فقدان القاعدة الاجتماعية العريضة التي يتزايد انحيازها إلى قضية كوباني. ومع أنّ تركيا ستخسر بدورها مع خسارة حليفها البرزاني الا أنها لا تزال في طور المكابرة، حيث تعتقد أنها قادرة على إنهاء الوضع كما تريد، لا كما يتطوّر الواقع. هذا على أيّ حال ما جرّب أردوغان التعبير عنه حين قال قبل أيام انّ كوباني توشك على السقوط. أراد هذا الوغد إيصال رسالة إلى الغرب مفادها أنّه يسيطر على الوضع، وبمقدوره وحده إنقاذ المدينة أو تركها تغرق. لا يستسيغ صديقنا التافه حتى الآن فكرة الضربات التي توجّه إلى «داعش» وقوّاتها على أطراف كوباني، ويفضّل ترك المدينة تختنق على «مساعدتها» بضرب «داعش» عبر قوّات غير قوّاته. يريد «إنقاذها» عن طريق منع وحدات حماية الشعب من الانتصار على «داعش»، فهي إن فعلت فستتحوّل إلى كابوس حقيقي بالنسبة إليه ولن يقتصر دورها على إدارة المناطق «المحرّرة» فحسب، بل سيمتدّ تأثيرها إلى ما وراء الحدود مع تركيا، حيث يقبع أكراد ديار بكر وماردين و... الخ منتظرين إشارة الانتصار لكي يتحرّكوا. والحال أنهم قد تحرّكوا قبل انتصار كوباني من عدمه، وامتدّت احتجاجاتهم لتشمل جنوب شرقي تركيا ذي الغالبية الكردية بكامله.

سياسة التعامل مع الاحتجاجات

خرجت التظاهرات المعترضة على دور تركيا في محاصرة كوباني منذ الاثنين الماضي وتحوّلت مع الوقت إلى صدامات عنيفة ودموية مع الشرطة التركية في موش وماردين وديار بكر واسطنبول وأنقرة ومرسين وسيرت وباتمان وفان و... الخ. كان الغضب كبيراً بالفعل وانعكس واقعياً بشكل لم تتوقّعه سلطة «العدالة والتنمية»، إذ كما يحصل غالباً في «احتجاجات مماثلة» أُحرقت متاجر وسيارات وبنوك وهوجمت مقار للحزب الحاكم وبدا كأنّ الواقع يسير باتجاه انتفاضة شعبية كردية. مع هذا التطوّر بدأت استراتيجية السلطة في التعامل مع الاحتجاجات تتغيّر، فلم تعد تكتفي بممارسة القمع التقليدي عبر أجهزة الأمن والشرطة، وأخذت تفكّر في سياسات من شأنها تقييد الاحتجاجات أكثر ومنعها من أحداث التأثير المطلوب. في حالات كهذه تلجأ السلطة إلى العامل الطائفي وتوظّفه في مواجهة المحتجّين (مثلما حدث في سوريا من جانب الطرفين والسعودية والبحرين سابقاً)، لكن في البيئة الكردية الموجودة في تركيا يتعذّر فعل ذلك نظراً لتحدّر الأكراد من «مذهب» واحد، وعليه لجأت السلطة إلى حيلة قديمة - جديدة. استخدمت نفوذها لدى الإسلام السياسي الكردي، وعوّضت بتحريكه ضدّ حزب «الشعوب الديمقراطية» (أكبر الأحزاب الكردية في تركيا وهو قريب من عبد الله أوجلان) الداعي للاحتجاجات عن افتقارها للعامل الطائفي الذي يتغذّى على الانقسامات العمودية داخل المجتمع. كان اكتشافاً بالنسبة إليّ أن اعرف بوجود حزب في تركيا اسمه «حزب الله» التركي، وبإمكاني الجزم أنني لم أسمع به من قبل، وحتّى لو كان موجوداً بالفعل فما الذي دعاه للظهور فجأة، وفي لحظة التضامن القصوى التي أبداها أكراد تركيا مع كوباني وقضيتها؟!
اتضّح لاحقاً أنّ القتلى الذين سقطوا جرّاء الصدامات مع الشرطة لم يكونوا بكاملهم من الأكراد المتضامنين مع كوباني، بل سقط منهم آخرون ينتمون إلى الأحزاب الإسلامية التي حرّكتها السلطة ضدّ حزب «الشعوب الديمقراطية» وقاعدته الاجتماعية. ولدى متابعة الأحداث على نحو أدقّ تبيّن لي أنّ هذا الحزب الإسلامي يدين بالولاء لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم ويناصب الأحزاب الكردية العلمانية العداء، لا بل يتعاطف مع «داعش» على حساب أبناء جلدته من الأكراد في كوباني! الفكرة بكاملها خطيرة، وتوحي بأنّ السلطة أصبحت مستعدّة للتضحية «بالسلم الاجتماعي» داخل تركيا في سبيل الحفاظ على «دورها الإقليمي» وما تعتبر أنّه تأثيرها خارج الحدود. نقلها الاحتقان إلى داخل البيئة الكردية لا يمكنه خدمة هذا الدور، ويستحيل أيضاً اعتباره انتصاراً لها، إذ قد يخرج الأمر عن السيطرة كما حدث في سوريا وأماكن أخرى ويتحوّل إلى كرة لهب تحرق تركيا بكاملها وليس المنطقة ذات الغالبية الكردية فحسب. وعلى أيّ حال هذا ليس بجديد على أردوغان، فسياسته منذ البداية قائمة على أساس التلاعب القذر بفكرة الغالبية والأقلية. هو يعتبر أنّه يمتلك غالبية «سياسية» (بالأحرى غالبية سياسية تستخدم الطائفية الاجتماعية وتتلاعب بها) تتيح له فعل ما يشاء بالمجتمع، ويرفض في الوقت ذاته اعتبار ما يحدث في المناطق الكردية تعبيراً عن إرادة الأكثرية الشعبية هناك. هذا التناقض جعله يستخدم الأقلّية «السياسية» في ديار بكر وفان وماردين و... الخ ضدّ رغبة الأكثرية الشعبية في التضامن مع البقعة الجغرافية السورية التي يحاصرها جيشه ويسلّط عليها بالوكالة عصابات ومرتزقة «داعش». لا يعبّر هذا السلوك عن سلطة تعرف كيف تتعامل مع مجتمعها وتدير تناقضاته، ولا يعكس اهتماماً من أيّ نوع بالحفاظ على الدور الذي حظيت به تركيا طيلة فترة حكم أردوغان. حين ينهار جزء من المجتمع ويبدأ بالاقتتال لا تعود السلطة قادرة على ممارسة دورها الخارجي والإقليمي كما يجب، وتنشغل كلياً بتفادي انهيار الأجزاء الأخرى من مجتمعها. هذا ما يجب أن يشغل بال أردوغان الآن قبل التفكير في كيفية خنق كوباني بالكامل ومنع الاحتجاجات المتعاطفة معها من التمدّد أكثر.

كوباني باقية ولو «سقطت»

قبل أيّام كان الوضع في المدينة «يتقهقر» أمام المدّ الداعشي، ولم يكن بالإمكان توقّع احتمالات أفضل من صمودها أيّاما قليلة. في هذه الفترة حدث شيء ما أقنع التحالف الامبريالي بتغيير استراتيجيته. هذا الشيء هو القوّة الأسطورية التي أبداها شباب وشابات المدينة في مواجهة «داعش». كانت استراتيجية الولايات المتحدة وحلفائها تعتمد على ترك «داعش» يتمدّد باتجاه المدينة والاكتفاء بتوجيه ضربات رمزيّة له، وساعدت تركيا في دفع هذا التوجّه إلى الإمام عبر الإيحاء المتكرّر للغرب بأنّ كوباني قاب قوسين أو أدنى من السقوط. في الحقيقة لم يكن الأمر بهذه السهولة، فــ»داعش» امتلكت الأرجحية وتمدّدت عندما كانت قوّاتها تقف خارج المدينة وتقصف الأحياء داخلها بالمدافع وراجمات الصواريخ والهاونات، لكنها فقدت الأفضلية بمجرّد الدخول إلى كوباني وأصبحت فرصها في التقدّم أو التراجع «متساوية» مع فرص قوّات حماية الشعب. هذا التغيّر أضفى بعداً جديداً على المعركة وجعل الكفّة تميل لمصلحة أبناء المنطقة وبناتها الشجعان. هم يعرفون جغرافيتها أكثر من «داعش» ولديهم الاستعداد للتضحية بأرواحهم أكثر بكثير من ثلّة الأوباش الذين يقدّمون الخدمات المدفوعة لتركيا وأردوغان. لا يجب الاستهانة بهذا البعد إطلاقاً، لا بل يمكن التعويل عليه في الأيام المقبلة التي ستشهد على الأرجح مزيداً من التقهقر في صفوف قوّات «داعش». لا يعني ذلك بأنّ المقاومة الكردية ستنتصر، ولكن من المؤكّد أنّ المعركة في ظلّ موازين قوى مختلفة ستطول وتصبح مكلفة بالنسبة إلى «داعش» وداعميها الأتراك. في هذه الحالة سيضطرّ التحالف الامبريالي بقيادة أميركا إلى التسليم بالأمر الواقع والتراجع عن المظلّة التي يوفّرها للأتراك وعملائهم الوهابيين. وهذه بحدّ ذاتها هزيمة لأردوغان ومخطّطه الرامي إلى إسقاط كوباني بالحصار والغزوات الوهابية بعدما عجز عن إسقاطها بالسياسة سابقاً. كوباني بهذا المعنى هي نموذج يمكن الاحتذاء به دائماً. نموذج في الثورة والسياسة والإدارة الديمقراطية التعددية والمقاومة. معها وبها يصبح للكلام عن المضمون التحرّري للثورات طعم آخر، ولا يعود مجرّد شعار يتشدّق به الراغبون في تحطيم البيئات الاجتماعية باسم الثورة.
* كاتب سوري