رأى عددٌ كبير من الاقتصاديين أن حدثاً تاريخياً قد حلّ هذا الأسبوع، حين نشر صندوق النقد الدولي إحصاءاته الجديدة لهذه السنة، وتبيّن أنّ الصين قد تجاوزت الولايات المتحدة لتصبح، رسمياً، أكبر اقتصادٍ في العالم، بحسب القيمة الشرائية.


إنّ من ينظر إلى الموضوع من الزاوية التاريخية البعيدة الأمد قد لا يجد فيه انقلاباً، بل مجرّد «تصحيحٍ تاريخي» كان محتّماً، بمعنى أن الصين ظلّت أكبر اقتصادٍ في العالم – في منافسة مع الهند – على طول التاريخ البشري المدوّن، وهي تعود ببساطة، بعد انحطاط استثنائي خلال القرن التاسع عشر، إلى موقعها «الطبيعي».
بحسب مجلة «الإيكونوميست»، كان حجم ناتج الصين حتى عام 1820 يوازي ثلث الاقتصاد العالمي، ثمّ تراجع بنحو حادّ مع دخول البلد مرحلة طويلة من الانهيار الداخلي والاختراق الأجنبي. أهمية إحصاءات صندوق النقد لا تكمن في رمزية تصدّر الصين على حساب أميركا، فالمسألة كانت متوقعة منذ سنوات، وأرقام الناتج الوطني، في نهاية الأمر، لا تعدو أن تكون تركيبات حسابية، تتغير باختلاف المنهجية؛ والكثير من علماء الاقتصاد يصرون على أنّ مختلف إحصاءات الاقتصاد الكلي لا تنفع إلا لغرضٍ واحد، هو مراقبة تطوّر بيانات البلد نفسه عبر الزمن، وتصير مضللة ما إن تستخدم لمقارنة اقتصادات مختلفة.
أهمية الحدث تكمن في المسار التصاعدي الذي يعكسه. عام 1989، كان حجم اقتصاد الصين بأكمله لا يتجاوز 450 مليار دولار، بينما كان ناتج أميركا القومي أقلّ بقليل من 9 تريليونات دولار، أي عشرين ضعف مثيله الصيني؛ واقتصاد أميركا لم يصبه الجمود، بل تضاعف منذ تلك الفترة، ومع ذلك تجاوزته الصين بنموها وإنتاجها.
دراسة التجربة الصينية قلبت الكثير من المسلّمات التي هيمنت في العقود الماضية، بدءاً بتغيير المفاهيم السائدة عن الاقتصاد العالمي، إذ لم تعد أوروبا الغربية وأميركا هما سوق الإنتاج والاستهلاك الأوحد في العالم، وصولاً إلى العلاقة بين التنمية والديموقراطية. في كتابه الأخير عن أصول الأنظمة السياسية، يتراجع «فرانسيس فوكوياما» عن أطروحته القديمة، التي ترى الديموقراطية والحداثة والتنمية كلّاً لا ينفصل، جازماً بأن الفرق بين الدول الناجحة والفاشلة يتعلّق بنوعية المؤسسات السياسية وكفاءتها وتراثها – بغض النظر عمّا إذا كانت ديموقراطية أو سلطوية. الحزب الشيوعي الصيني، بالنسبة إلى فوكوياما، لم يفعل إلا استنهاض إرث الدولة الأكثر رسوخاً في التاريخ، الدولة التي تختار بيروقراطيتها عبر امتحاناتٍ وطنية منذ أكثر من 15 قرناً.