يكاد الاعلام يغفل أحد أهم الأسباب التي قصرت ضربات اميركا في سوريا على الولايات المتّحدة و»حلفائها» العرب، من دون غطاءٍ من الـ «ناتو» أو مشاركة أوروبية، وهو يتعلّق بالوضع القانوني للحرب. من منظور القانون الدولي، لا يتمتّع هذا الغزو بشرعيةً من أيّ نوع: لا قرار من مجلس الأمن، ولا وضعية دفاع عن النفس، ولا طلب من الحكومة السورية.


من الناحية القانونية البحت، ما من فرق كبير بين القوات الاميركية – والعربية - التي تهاجم بلادنا وبين الوجود العسكري لـ «داعش»، بل إنّ هذه الحملة تمثّل غزواً بمعنى أعمق من حرب الخليج 1991 أو غزو الـ «ناتو» لليبيا، فتلك حالاتٌ كانت اميركا تتلاعب فيها بالقانون الدولي ومؤسساته حتى تمرّر غاياتها؛ أمّا اليوم، فهي حربٌ تشنّها اميركا باستنسابها الكامل، بلا أي نوعٍ من الحدود والضوابط، ومن دون بذل أدنى جهدٍ لشرعنتها بالقانون (وهذا مقصود، وله مغزى).
من هنا يتبدّى الخلل في كلام المسؤولين السوريين عن «تحالف دولي». لا أحد يتوقّع من الجيش السوري أن يواجه اميركا في الجوّ، وقد يعزو البعض غياب الاحتجاج الى خوف النظام من أن يفسّر كاعلان حرب. غير أنّ الحكومة السورية ذهبت خطوة أبعد حين أعلنت، عبر أحد وزرائها، أنّ الحملة «تسير في الاتّجاه الصحيح»، لأنها لم تستهدف المدنيين ولا مواقع الجيش السوري. ليس من غير العقلاني للنظام، من منظوره، أن يكون راضياً عن الضربة، فهو بحسب تعبير الصحافي روبرت فيسك قد أصبح في وضعيةٍ تحتاج فيها اميركا وروسيا والصين وايران وحزب الله، وحتى دول الخليج، الى بقائه واستمراره. بالمناسبة هنا، لا أحد في واشنطن يصدّق خرافة «المعارضة المعتدلة» أو انّها ستستبدل النّظام، وحتّى المسؤولون السعوديون لا يمكن أن يتوهموا أنّهم سيدخلون دمشق عبر الاستثمار في أضعف الأطراف على المسرح السوري وأكثرها شرذمة: اميركا تعرف جيّداً أن أيّ بحثٍ في مستقبل سوريا يبدأ عبر الحديث الى النّظام.
من هذا المنطلق، لا غرابة في أن يفترض النظام السوري أن ما يجري يمكن أن يصبّ في مصلحته في نهاية المطاف؛ غير أنّ المصلحة الآنية للنظام لا تتطابق دوماً مع مصالح المنطقة على المدى البعيد، وهي لم تتطابق لسنواتٍ طويلة. الأساسيات هي أنّ وجوداً عسكرياً اميركياً لا يحدّه رادع أخطر من «داعش» بكثير، وأن يتحوّل قصف بلادنا الى رياضةٍ للأمراء السعوديين هو أمرٌ لا يطاق – وعلى ايّة حال، كما قال جنرالٌ اميركي بعد غارات الثلاثاء: هذه ليست الّا البداية.