ما يحدث في المنطقة هذه الأيّام يثبت لنا أكثر من أي وقت مضى أنه لا يمكن لحركة «مقاومة» أن تكون حركة «تحرر وطني»، بالمعنى الفعلي للكلمة، اذا ما توجّهت حصراً ضدّ الاحتلال الاسرائيلي والأجنبي من دون أن تتصدّى، بالتوازي، لبنى التخلّف والتبعية والأنظمة التي تجعل وجود الصهيونية وهيمنتها ممكنين في المقام الأوّل.


ولأنّ تاريخنا الحديث يعجّ بـ«مقاومات» كثيرة، صار يجدر التوضيح أنّ ما نقصده بالمقاومة في الاطار العربي هو الحركة التي تقوم على التصدّي للاحتلال والاختراق الأجنبي، الغربي والصهيوني تحديداً، وتستهدي بمرجعية سياسية محليّة، وتتحالف مع الأكثرية الكونية في دول الجنوب ضدّ الأقلية المهيمنة ونظامها العالمي - ومن يملك تعريفاً مختلفاً فليعرضه وليتكلّم على أساسه.
ذكرى ايلول الأسود، التي تمرّ علينا هذا الأسبوع، هي شاهدٌ دائم على أنّ ما يدّعيه منتقدو المقاومة كمفهوم، حين يتّهمونها بأنّها في جانبٍ اساسيّ منها حربٌ أهلية تدور في المجتمع، هو صحيحٌ تماماً؛ وأنّ واجب أيّ حركة تحرّر وطني، ومعيار نجاحها، يكمن في ادارة هذا النّزاع وحسمه كشرطٍ أساسيّ لبناء المجتمع الجديد. في عمّان، كما في غزّة وبيروت، اكتشف كلّ من سلك طريق المواجهة، سريعاً، انّه سوف يواجه أعداءً داخليين تشابكوا عضويّاً مع المحتلّ والمستعمر الى درجة انّهم لا يمانعون احراق بلادهم، ونشر الفتن، وخوض صراعٍ مرير بغية ابقائنا تحت نير العبوديّة، وللحفاظ على موقعهم ضمن هذه المنظومة.
هناك حدودٌ للتمييز بين «المحلي» و«الخارجي» في صراعات القوة، والفصل التام بينهما لا يعدو كونه تلفيقةً نظريّة. من يسِر على هديها فسرعان ما يجد عدوّه وقد صار في بيته، إمّا على شاكلة بشير الجميّل «رئيساً»، أو على صورة الميليشيات المموّلة من الخارج والاحتلال، التي تعيث في بلادنا خراباً اليوم. بعد حرب الـ2006، حاول بعض السياسيين والمعلّقين اللبنانيين ارساء قاعدة تناسبهم، تميّز بين البندقية الموجّهة الى الاسرائيلي وتلك التي تصدّ أعوانه في الدّاخل، وهي معادلة لا علاقة لها بتاريخ المقاومة (اي حركة مقاومة)، ولازمة خلقها الاعلام وصدّقها. في كلّ الأحوال، فإنّ الناس يتعلّمون من التّاريخ، وبامكان الخصم الداخلي أن يصوغ المعادلات التي تعجبه، غير أنّ المقاومة - التي راكمت تراثاً عمره عقود - لم تصل الى ما وصلت اليه اليوم باعتماد الغباوة والسذاجة السياسية، ولا عبر الاستماع الى نصائح أعدائها.