بات من الواضح بعد السنوات الثلاث التي مضت على العاصفة الدموية التي تضرب العالم العربي، وبصرف النظر عن الخصوصية النسبية لكل حالة، من ليبيا إلى العراق مروراً بفلسطين وسوريا ولبنان ومصر وبعض المغرب، أن ما يحصل هو عملية ممنهجة تبغي تدمير المجتمعات التي صنعتها حركة التاريخ على امتداد أجيال وقرون من جهة، ودولها الحديثة على تنوّعها من جهة أخرى.

تبيّن مراكمة الأحداث والمواقف كم كان مضللاً الشعار المزيّف الذي اختصر تعقيدات وضرورات حركة التغيير والتطوير في المجتمعات العربية والمشرقية في بنيتها ومؤسساتها تحت ثنائية «الشعب» و«النظام».

تشابكت في صناعة هذه المقولة ومنظومتها دوائر استشراقية في بعض أوروبا والولايات المتحدة، نقرت مساحة لها ما بين مؤسسات بحث «علمي» ومراكز قرار سياسي غربية ــ أطلسية ومعها مؤسسات صهيونية «متخصصة» في «استصلاح» الأفكار والخطط وكأنها تتعامل مع «أرض بور»، من «معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى» السيء الصيت الذي شهد ولادة «نظرية الفوضى الخلاقة» التي حولتها وزيرة الخارجية السابقة كوندوليزا رايس إلى أمر عمليات، وصولاً إلى مؤسسة هرزليا العسكرية ـــ السياسية الإسرائيلية التي توالدت من رحمها السياسات العدوانية الصهيونية المتجددة منذ غزو لبنان عام 1982. من دون اغفال مرجعية هؤلاء أجمعين، «المستشرق الإيديولوجي» برنارد لويس، وريث تيارات الفكر الاستعماري الأوروبي (والبريطاني منه على وجه الخصوص ، وهو فكر ما زال يتجدد بأشكال مختلفة منذ القرن التاسع عشر)، ومخترع «نظرية قوس الأزمات» التي كانت تهدف إلى ضرب الاتحاد السوفياتي من باب زعزعة استقرار جمهورياته الجنوبية ذات الأكثرية الإسلامية انطلاقاً من تركيا وصولاً الى افغانستان. والتّي تحوّلت الى شبكة التطريز التي حاك عليها استراتيجيو الغرب الاطلسي نظرياتهم التفتيتيّة المحدّثة، من زبيغنيو برجنسكي الى جوزيف بايْدن مروراً بفكتوريا نولاند.
ثنائية «الشعب والنظام» تحولت إلى القاعدة المرشدة لعدد وفير من «المثقفين المهاجرين» جسداً وفكراً، تحول هؤلاء إلى حاشية إيديولوجية ترفد الحروب الاستعمارية وأصحابها ومموّليها بسيل من الكتابات التبريرية، متلبسين دور «الكفيل الشرعي» الضامن لخطاب التهريج الحربجي الذي حملته إلى الرأي العام أدوات الدعاية الإعلامية، رموزاً وآليات.


ثنائية «الشعب والنظام» تحولت إلى القاعدة المرشدة لعدد وفير من «المثقفين المهاجرين»


والتي اعتمدت اساساً اساليب الكذب السياسي البدائية، ومنها مثلاً الشيطنة المشخصنة الفرديّة، والعمل الممنهج على رفع الشرعيّة عن مؤسسات الدولة، تمهيداً لضربها وتدميرها الخ... فيما بدا سريعاً ان ترداد الكلام عن «النظام» كان يخفي ارادة تدمير الدول، بينما كانت الثرثرة عن «الشعب» تستهدف تدمير المجتمعات.
وفي هذا السياق من الضروري اعادة التذكير بأن الدولة لا تُختذل بالسلطة القائمة، كما أن اقتفاء عبارة «الدولة الفاشلة» وتردادها من وراء «نادي الخبراء الاطلسيين المعلَنين ذاتياً اخصائيين» في ما يسمّى «إعادة بناء الاوطان» (نايشن بلدينغ) ليس سوى هرتقة فكريّة ودليل فقر التعاطي مع التحدّيات الفعلية القائمة. الفشل، اذا ما حصل، هو اولاً وأساساً، فشل السلطة القائمة في الاضطلاع بمسؤوليّاتها. والمحاسبة تكون لهذه السلطة تحديداً في نهجها، او تقصيرها، او في السماح (او التسامح) بالعبث بالقوانين والآليّات الدستوريّة وأعرافها، او اختراقها بالالتفاف عليها اوانتحال صفتهاً زوراً وبهتاناً.
سوف يأتي، وبأسرع ما يتصوره البعض، زمن تحديد المسؤوليات ومحاسبة من لجأ إلى التوظيف الوسائلي للإرهاب واستخدامه أداة للابتزاز وزعزعة الاستقرار من أجل تدمير بنى الدول صاحبة الشخصيَّة القوية التي تشكل الثقل البشري والحضاري التاريخي للعالم العربي والاقليم. وهي السياسة التي شكلت الحاضنة الدولية للتيارات التكفيرية المنبثقة من رحم البيئة الوهابية، سياسة تدميرية لخص جوهرها رئيس الاستخبارات الخارجية البريطانية عام 2001 حين اعتبر أن الردّ على ما حدث في نيويورك لا يكون في غزو أفغانستان بل بترجمة عملية، على ما قاله حرفياً، لشعار «فلنعمل من أجل أن يقتل المسلمون مسلمين آخرين».
على أن التحديات الوجودية التي تطاول حياة ومستقبل المجتمعات والدول العربية. والمشرقية منها تحديداً والجمهوريات التي انبنت في خضم حركة التحرر الوطني من قبضة الاستعمار بعد الحرب العالمية على وجه الخصوص (يا للمفارقة!). تستدعي عدداً من المبادرات الضرورية والعاجلة التي من شأنها أن تساهم في ولادة سياسة طوارئ متكاملة ومنسَقة لمواجهة المشاريع التدميرية وعدم اعتبارها لعنة قدرية لا مفر منها. تمر هذه السياسة عبر عدد من المبادرات السياسية الوطنية والإقليمية، على تفاوت صلابة الدول والمجتمعات، بين عراق يعمل على لملمة أطرافه المكونة التي دمر الاحتلال العسكري نسيجها وأجهز بول بريمر على مؤسساتها عبر اجراءاته الإجرامية، ولبنان المصاب بشلل نصفي بسبب نظامه الطائفي وسوريا التي بيّنت الأزمة قدرات مؤسسات الدولة فيها ولحمتها الاجتماعية رغم الجراح والثغرات.

عدد من الثوابت المبدئية

وفي هذا الإطار من الضروري إعادة التذكير بعدد من الثوابت المبدئية، رغم غربة الواقع عنها، ورسم صورة عامة للمشهد لتنبني، على قاعدتهما ، المبادرات الإرادية الضرورية.
1ـــ أصبحت طبيعة المشاريع وخرائطها التدميرية معروفة. أرسيت قواعدها العرقية والطائفية منذ القرن التاسع عشر اي منذ اختراع «المسألة الشرقية» على يد الدول الاستعمارية الأوروبية المتنافسة على التركة العثمانية. كما بات منهجها معروفاً أيضاً: العمل على التجزئة ومنها إلى الشرذمة وصولاً إلى التشظي ما يسهّل عملية السيطرة والاخضاع عبر استغلال الموروث الاجتماعي المركب للمنطقة على نحو سلبي باعتماد سياسات الخوف والتخويف، ومفاعيل هذه الأخيرة في النفوس، من اجل إعادة رسم الجغرافيا البشرية الاقليمية من خلال وسائل العنف البربري الاكثر بشاعة ووحشية لدى الضرورة، في اطار برامج سياسية منظمة، تجرى التعمية على مصمّميها، فيما يكون التركيز من خلال وسائل الدعاية الاعلامية على نتائجها الدموية وضحاياها وادواتِها. وهو نهج لا يحتكره «المجال العربي» إذ اختبرته يوغوسلافيا في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي. كما طُبّق قبل عقود خلال حرب فييتنام عبر برامج «عسكرية ـ مدنية» عرفت تحت اسم «حمّامات الدم المفيدة والبنّاءََة».
اختبرت بدورها المجتمعات العربية هذه الحالة بأمثلة حيّة ومؤلمة: من السودان المنشطر إلى شطرين وربما أكثر في المستقبل، إلى العراق المتوالد من رحم الحرب الأميركية والعمليات القسرية التدميريّة التي طاولت جسده الاجتماعي المثقل بجراح الحرب العبثية مع إيران والغزو المفخخ للكويت، معطوفة على الموت البطيء الذي أدارته «الأمم المتحدة» تحت اسم «النفط مقابل الغذاء»، إلى ليبيا المنشطرة قبلياً وجهوياً في صراعات دموية لا نهاية لها في المدى المنظور.
هناك خيط غليظ يربط هذه المشاريع على أنواعها، يقوم على نزع الصفة الانسانية عن المجتمعات المشرقية لتحويلها إلى كائنات معدومة الروح، تصلح حقول تجارب تتلاعب بمصيرها قوى خارجية قادرة ومتسلطة: من مخططي اتفاقية سايكس ــ بيكو المعطوفة عضوياً على «وعد بلفور» وصولاً إلى استراتيجيات الحركة الصهيونية (من جابوتينسكي إلى عوديد ينيون، مستشار مناحيم بيغن وتنظيراته حول «استراتيجية اسرائيل للثمانينيات» التي شكلت القاعدة لغزو لبنان عام 1982 ولمشاريع المحافظين الجدد الأميركيين لاحقاً...) وصولاً إلى الخرائط التي رسمها العقيد رالف بيترز بطلب من وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) والتي اعتمدها حلف الناتو كوثيقة عمل رسمية والتي نشرت، يا للصدف، في حزيران 2006 قبل ان تبدأ كوندوليزا رايس بالتبشير لـ«الشرق الأوسط الجديد». ناهيك عن هلوسات وزير الخارجية في الدولة التركية المحكومة بسلطة حزب العدالة والتنمية، أحمد داوود أوغلو حول أحياء «المجال الحيوي التركي من بحر الادرياتيك إلى أسوار الصين» كما جاء على لسان منظّرها الأول الرئيس السابق سليمان ديميرل بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. وهو ما يشكل عملية تزوير وغش ايديولوجي مفضوحة مبنية على الدمج الملتبس بين الامبراطورية العثمانية التاريخية وفضلة من فضلاتها «القومية» المبنية على رؤية متشنجة، متعصبة واقصائية «للعنصر التركي». وأخيراً وليس آخراً، خرائط ما يسمى «الدولة الإسلامية» ومثيلاتها المتعدِدة التسميات، القائمة على الأحياء المُتَلبِّس زوراً وتضليلاً لِباس الدين الإسلامي، والتي لا صلات قربى لها في الأساليب المتوحشة والأهداف الايديولوجية سوى بالحركة الوهابية من جهة، وتحديداً حركة «الإخوان» في العشرينيات من القرن المنصرم في ناحية النجد من الجزيرة العربية ـــ والتي جرى التلاعب بها وتوظيف وحشيتها من قبل المستعمر البريطاني بشقية المتنافسين (لندن و«حكومة الهند») وأطراف السلطة السعودية الصاعدة، قبل أن تبادر هذه الأخيرة إلى ابادتها جسدياً فور تحوُّلِها الى تهديد خطير لها، عام 1929، بواسطة قوات عسكرية رديفة تحولت لاحقاً إلى جسم «الحرس الوطني ـــ والحركة الصهيونية وعصاباتها، من جهة أخرى.
2 ـــ باتت معروفة أيضاً سياسات «الغرب الأطلسي» المهيمنة على التوجهات العامة للاتحاد الأوروبي التي تكاد تتلخص سياسته الخارجية بعملية تلزيم إدارة شؤون «مناطق نفوذ» تتماهى وخرائط النفوذ الاستعماري القديم متعاطية معها وكأنها ولايات تابعة وليست دولاً مستقلة ذات سيادة يحفظها الانتماء العضوي إلى الأمم المتحدة.

سوف يأتي زمن
تحديد المسؤوليات ومحاسبة من لجأ إلى التوظيف الوسائلي للإرهاب



وأصبحت فاقعة إلى حدّ الوقاحة سياسة ازدواجية المعايير اللاأخلاقية والسخيفة، المقرونة باعتماد نهج «العصا والجزرة» البافلوفي الابتزازي المعطوف على سياسات «العقوبات» (وهو خرق فاضح لشرعة الأمم المتحدة إذ يحصل خارج أطرها القانونية)، وهي كلها تعبير خشن لما يمكن وصفه «بالدرجة الصفر للدبلوماسية» التي تنم عن حالة الفقر العميق للفكر السياسي السائد. وعلى سبيل المثال لا الحصر: أوليست مهزلة أن يؤنب وزير خارجية فرنسا رئيس وزراء بريطانيا بسبب انتقاد الأخير لصفقة بوارج «ميسترال» مع روسيا مذكراً إياه بمبادئ السيادة الوطنية (كذا!) في حين وصلت سياسة التدخل الفرنسية إلى حدّ القول بسوقية غير معهودة في العلاقات الدبلوماسية الدولية الحديثة أن «لا مكان للرئيس السوري على وجه الأرض»؟ أوليست مهزلة مأسوية أن يعمد الاتحاد الأوروبي إلى «ترفيع مستوى علاقاته مع «دولة إسرائيل» بحجة القيم المشتركة التي تجمعهما ومنها «مبادئ حقوق الإنسان» فيما لم تكن قد جفّت الدماء الفلسطينية تحت الضربات الوحشية عام 2009».
وفي هذا السياق هل ينتظر احد موقفاً اوروبيّاً بحق «دولة اسرائيل» بالاستناد الى قرار مجلس الامن لتعاملها المعلن جهارة، في الجولان المحتل، مع «جبهة النصرة» واخواتها؟
وبالإضافة إلى عودة تغلغل الفكر الاستعماري المتجدد في بعض دوائر القرار في المفوضية الأوروبية (التي نظّر أحد أركانها، البريطاني روبرت كوبر، لضرورة «أحياء امبريالية جديدة») بات فاقعاً هذا التناقض الفج بين الأقوال والأفعال، نورد منه على سبيل المثال ما فضحه الرئيس السابق لمفوضية الاتحاد الأفريقي جان بينغ الذي روى كيف أن الاتحاد الأوروبي الذي تغنى على مدى سنوات (في الاعلام والخطابات) بإيجابية تكوّن منظومة أفريقية جامعة على غرار ما قامت به أوروبا، سارع إلى إطلاق العمليات العسكرية في ليبيا من أجل قطع الطريق أمام وساطة الاتحاد المذكور الناجحة، مع الرئيس الليبي السابق والمبنية على حل سياسي للأزمة.
ويتذكر الفلسطينيون (وسلطتهم الوطنية تحديداً) الضغوطات التي مارسها الأوروبيون وعلى رأسهم فرنسا من أجل منعهم من رفع دعوة قضائية، بخصوص السور التي كانت بدأت ببنائه «دولة إسرائيل»، أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، بحجة «الارتداد السلبي للمبادرة على مسار السلام» بعد أن انبرت الدوائر نفسها مطالبة الفلسطينيين بالعدول عن العمل المقاوم المسلح واعتماد آليات القانون الدولي وسيلة للعمل السياسي.
3 ـــ على أن من الأخطار المحدقة أمام المشاريع التفتيتيّة التسليم بها سلفاً واستبطانها وكأنها منتهية التحقيق بصفتها امراً واقعاً لا محالة، تحت تأثير الدعاية المسيطرة (وهي جزء من العمل السياسي) وأبواقها الدولية والإقليمية والمحلية، من مستفيد من مشاريع الشرذمة عن وعي مصلحي وتصميم مسبق وصولاً إلى أصحاب نظريات الخضوع والتبعية والطاعة أمام «مشيئة الأقوياء»، وهذا تعبير عن ثقافة الخمول والهزيمة التي هيمنت على المنطقة منذ حرب 1967، والتي تترجم يومياً في السياسة والاعلام عبر البحث تارة عما يريده «المجتمع الدولي»، أي محور «واشنطن ـــ لندن» أساساً، إلى آخر معزوفة عن رغبات «عواصم القرار» «وحتميّة» الاستسلام لإرادتها القدرية اذ لا حول لنا ولا قوة...
ناهيك عن التغلغل البنيوي لإيديولوجيّات وآليات التبعيّة الهادفة اساساً الى اضعاف الدولة بصفتها الإطار والأداة والرافعة التي تترجم المصلحة الوطنيّة، والتي اصبح «برنامج الامم المتحدة للتنمية» احد اذرعها الفاعلة، في موازاة الانحرافات التي اصابت مؤسسة الامم المتحدة منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي.

دول أم ساحات نفوذ؟

تحجب هذه الرؤيا الصراعات السياسية والجيوسياسية والاقتصادية والفكرية، كما تستهين بالقدرة على المواجهة والمقاومة الفعلية في وجه المشاريع تلك. وتحجب القدرات الذاتية الكامنة في المجتمعات والقادرة، إن وجدت الإرادة، على التصدي لديناميه الشرذمة والتشظي، كما تساهم في تصوير الصراعات السياسية وكأنها صراعات جوهريّة طائفية ومذهبية صرفة، في عملية تزوير مفضوحة تعيد إنتاج الاستبطان المحلي للخطاب الاستعماري القديم والجديد في ظل انخراط بنيوي ووظيفي في الآليات المتجددة للتبعية تحت مظلة ما يسمّى «العولمة».
4 ـــ يضاف إلى ما سبق ان «الغرب الأطلسي» يتعامل مع الإقليم المشرقي على انه «ساحة متجانسة» على قاعدة مبدأ «مناطق النفوذ» الذي ورثه عن مرحلة الامبراطوريات الاستعمارية في القرن التاسع عشر، والتي جرى تنظيم آلياتها (في التكامل والتنافس) في مؤتمري برلين عام 1878 و1885 ـــ 1986 إذ تمّ الرسم الاجمالي للنفوذ الاستعماري على الخرائط الورقية، ما أغفل حقائق الأرض والشعوب، واحتقر إرادتها وتاريخها مختزلاً واقعها الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي بروايات الرحالة أو المستكشفين. يكفي الاطلاع على ما عانته القارة الأفريقية، وما زالت، كما العالم العربي، للاستدلال على نتائجه المدمِّرة. أضف إلى ذلك «الالتواء الانحرافي» الذي أعاد رسم الجغرافية البشرية والمصالح والثقافة على قاعدة المركزية الأوروبية التي ورثتها الولايات المتحدة بعد الحربين العالميتين. ارتسمت هذه القراءات وامتداداتها السياسية العملية على جغرافية تبسيطية للانتماءات الطائفية الموروثة من العهد العثماني فحولتها إلى وحدة مقياسية سياسية واجتماعية في لبنان، ولم تنجح في املائها على العراق الا بعد احتلاله عسكرياً، وفشلت في فرضها على سوريا بالرغم من محاولاتها المستمرّة في ما يبدو انه نوع من «العصاب الاستحواذي» المتواتر والمتوتِّر، اصاب حتى رأس السلطة الاميركية التي اصبحت تتناسى اسماء دول الاقليم لتصفها «بالمنطقة ذات الأكثريّة السنيٌة» (اوباما، ٢٩/ ٨).
يجدر التنبه هنا إلى أن القوى المهيمنة الغربية ـــ الأطلسية المتجددة، تتعامل مع الدول الوطنية الحديثة التي خرجت من حقبة التحرر الوطني، على أنها ساحات نفوذ شاملة مطوَّبة لها كمشاعات عقاريّة تخصُّها، فيما تريد لهذه الدول التي قامت بالأساس على تجزئة التاريخ والاجتماع والمصالح المشتركة، ان تتقوقع على الحدود السياسية والإدارية المرسومة لها في الحقبة الاستعمارية منعاً لتواصلها الإقليمي، هذا إن لم تواجه بمحاولات شرذمتها من الداخل، من خلال الألاعيب الطائفية والمذهبية واختراق سيادتها عبر عقد صلات مباشرة مع بعض مكوناتها، مخترفة أصول المبادئ السيادية التي حفظتها لها القوانين والمعاهدات الدولية.
5 ـــ من الضروري هنا إبداء عدد من الملاحظات في موضوع الحدود بخاصة بعد ادعاءات البعض (بالخطاب والممارسة) من داوود أوغلو إلى الداعشيين على مشاربهم أنهم يريدون اسقاط الخُطوط التي رسمتها اتفاقية سايكس ــ بيكو متناسين، يا للصدف، تلازم هذه الخطوط مع وعد بلفور، الذي فتح شهية بلا حدود أمام الحركة الصهيونية.
أولاً، لا يكون اسقاط سايكس ـــ بيكو بالسيطرة الدموية الوحشية على المناطق الهشة والطرية العود التي تميز «التخوم الحدودية» في معظم دول العالم الحديث. وهي مناطق سهلة الاختراق، خصوصاً إذا ما اعتمدت أراضي دول مجاورة كقاعدة خلفية كما هي الحال ميدانياً بين تركيا وسوريا راهناً، أو بين تركيا والعراق سياسياً مع انتهاك سيادة هذه الدولة عبر عقد صلات سياسية واقتصادية مباشرة مع إقليم كردستان، هذا من دون اغفال عملية القرصنة التي تعمد اليها دولة تركيا عبر تحويل أراضيها ممراً لتسويق النفط الذي تنهبه العصابات المسلحة في سوريا والعراق والتي حدد مجلس الأمن الدولي طابعها الجرمي في القرار 2170 رغم غموض بعض بنوده.
ثانياً، لا يقوم اسقاط سايكس ـــ بيكو (اين بلفور؟) عبر اختراق كل القوانين الدولية والسيادة من خلال إقامة خروقات حدودية بنيوية تمثلت بالتحضير المسبّق، نعم المسبّق، لحركة نزوح قسري منظم (زادتها تأزماً دينامية العمل العسكري في الميدان، واثره على الحياة المدنية) ارادها المخططون لها بيئة حاضنة لمشاريعهم التدميرية، على غرار ما حصل في المناطق الحدودية التركية ــ السورية أو الأردنية السورية أو بعض المناطق الحدودية اللبنانية ـــ السورية بعد الزيارات المتتالية التي قام بها عضو مجلس الشيوخ الأميركي الجمهوري المحافظ الجديد المتطرف جون ماك كاين، وزميله الصهيوني جوزيف ليبرمان، إلى بعض مناطق عكار والبقاع في المراحل المبكرة من الأزمة السورية في ما بدا استنساخاً لخطط توظيف النزوح المبرمج لتبرير التدخل العسكري تحت غطاء «الضرورة الإنسانية»، على غِرار ما حصل في كوسوفو قبل تدخل قوات الناتو المباشر، في تخط فاضح لقرارات ودساتير الأمم المتحدة.

الاستخبارات الألمانية وخطة «حدوه الجواد»

جرى حينها التذرع بخطة وهمية مزيفة، صنعتها الاستخبارات الألمانية تحت تسمية «حدوه الجواد»، ناسبة أبوّتها إلى الرئيس الصربي ميلوزيفيتش، مدعية أنها تهدف إلى تهجير السكان الألبان في الإقليم ما استدعى «تدخلاً استباقياً» بحجة منع التطهير العرقي. ليتبين لاحقاً زيف العملية برمتها على يد التلفزيون الألماني «أ. ر. د» الذي قدّم الوثائق الدامغة التي أكَدت كذِب وبُطْلان الادعاءات التي اركنت إلى الجريمة الموصوفة، قبل ان تنفجر الفضيحة الكبرى بعدما أشاد الناطق الرسمي باسم جافيير سولانا (نائب رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك والممثل الأعلى للسياسة الخارجية) البريطاني جامي شيا (أحد مستشاري انطوني بلاير) بمفاعيل الكذبة الألمانية في مؤتمر صحافي أثنى خلاله على «عظمة» القيادة الألمانية، مسمياً بالاسم وزير الدفاع ووزير الخارجية (شاربينغ وفيشر) وممتدحاً «قدرتهما على رفض التقيد بمشاعر الرأي العام والعمل على تطويع هذا الأخير وقولبته». ومن المفارقات ان «الكذبة الألمانية» اعتمدت «كوثيقة اتهام» بحق الرئيس الصربي لدى مقاضاته أمام المحكمة الدولية الخاصة بيوغوسلافيا».
ثالثاً: هناك صلة قربى واضحة في عمليات التهجير القسري التي تعصف بالعراق وسوريا وبينهما فلسطين و... دولة تركيا، وهي عمليات تضرب في اللحم الحي للإنسان وتدمّر مقومات الحياة المتراكمة عبر الزمن والارتباط العضوي بالأرض. بعد قيام دولة تركيا بسنة واحدة عام 1923 وفي سياق المجازر التي طاولت الأرمن على يد سلطات «تركيا الفتاة» بادرت الدولة التركية الناشئة إلى طرد مئات الألوف من يونانيي آسيا الصغرى مستندة الى رؤية عرقية للهوية التركية «الصافية» متنكرة للتنوع التاريخي في هذه المنطقة من أكراد وعلويين وغيرهم وللطبيعة المركبة التاريخية للإمبراطورية العثمانية التي يدعي اردوغان زوراً وراثتها بصورة هزلية. أما عام 1964 فلقد امهلت السلطات التركية عشرات الألوف من اليونانيين القاطنين اسطنبول منذ قرون، مهلة اثنتي عشرة ساعة لمغادرة الأراضي التركية في ما تم تعريفه لاحقاً تحت تسمية «عشرون كيلو وعشرون دولاراً» وهو ما سمح لكل فرد باصطحابه لدى المغادرة.
أما داعش فلم تسمح لأهالي الموصل المسيحيين واليزيديين بحمل أي شيء سوى ثيابهم قبل طردهم من المدينة والمحافظة. هل من الضروري إعادة التذكير بأن داعش لا وجود لها بالأساس لولا الدعم التركي اللوجيستي والعسكري والتنظيمي والبشري معطوفاً على الدعم السياسي والمالي الخليجي على أنواعه؟ أما آن الأوان للخروج من سياسة تجهيل الفاعل وتحديد المسؤوليات صراحة بخاصة بعدما أعلن أحمد داوود أوغلو بعد غزوة الموصل أن «داعش لا تشكل تهديداً لتركيا»، تماماً كما فعلت «إسرائيل» لاحقاً في الجولان المحتل مع «النصرة» واخواتها؟
أما العصابات الصهيونية على أنواعها (ودولتِهم اللاحِقة) فلم تسمح للفلسطينيين حتى بالالتفات إلى قتلاهم لدى تهجيرهم المبرمج عام 1948.
6ـــ هناك صلات قربى وتلازماً واضحاً بين المشاريع التدميرية كافة على أنواعها وخطط التهجير المبرمجة قيد التنفيذ التي ترسم خطوطها في الجسد الحي للجغرافيا البشرية الموروثة من التاريخ، والتّي عادت وانتظمت مبدئياً في الدول الأعضاء في النظام العالمي المتكوّن في إطار مؤسسة الأمم المتحدة (هناك فارقٌ طبعاً بين المؤسسة وشرعتها وممارسات القيّمين عليها وفق موازين القوى الدوليّة).
وفي هذا السياق، تجب مقاربة مسألة الحدود بين دول المشرق العربي واشكالياتها المركبة وفق أسس تستعيد المبادئ التي رسمتها شرعة الأمم المتحدة وأنظمتها، مع التذكير بأن مسألة الحدود كانت إحدى أهم معضلات حقبة الخروج من الاستعمار بعدما دمّرت القوى المستعمِرة معظم التوازنات والنظم التي كانت تحكم الوحدات الإقليمية وأشكال إدارتها وعلاقات الجوار السائدة وأسسها قبل الاحتلال الاستعماري، أو أعادت توظيفها بما يخدم آليات سيطرتها.
اعتمدت حركات التحرر الوطني آنذاك مبدأ حكيماً قوامه الاعتراف بالحدود الموروثة من الاستعمار، منعاً لإضافة فوضى إعادة رسم الخرائط إلى الفوضى البنيوية الاستعمارية، على أن تطلق بالتوازي دينامية تكامل تنموي وتطويري تعيد جمع ما شرذمه الاحتلال. واجهت الدول الاستعمارية المنكفئة هذا المشروع التكاملي بخطط مضادة هدفت إلى إرساء قواعد وآليات تجديد التبعية في ظل صراعات معقدة حكمتها حركة الحرب البادرة وبعض مواجهاتها الموضعية الساخنة، معطوفة على عمليات اغتيال موصوفة لقيادات حركات التحرر، من عملية تصفية القائد الكونغولي باتريس لومومبا الى اغتيال المهدي بن بركة مروراً بعملية اضعاف وشرذمة لحركة عدم الانحياز الصاعدة.
في هذا السياق تحوّل مبدأ السيادة الوطنية واحترام استقلال الدول الى ركيزة أساسية للنظام العالمي الذي مثلته الأمم المتحدة على أنقاض عصبة الأمم والتوازنات التي خرجت من الحرب العالمية الثانية.
جرى لاحقاً تدعيم مبدأ السيادة والاستقلال الوطني باستصدار عدد من القرارات ابرزها القرار 2625 الصادر عن الجمعية العامة عام 1970 والذي نصّ على «واجب الدول الاعضاء الامتناع عن تنظيم أو تشجيع عصابات مسلحة أو عصابات من المرتزقة هدفها خرق سيادة دولة أخرى» كما نص على «ضرورة الامتناع عن تنظيم وتشجيع (...) أعمال إرهابية تستهدف أراضي دولة أخرى أو المشاركة بها أو تسهيلها أو تقبلها والتسامح تجاهها».
جرى خرق هذا المبدأ بعد اختلال التوازنات العالمية مع انهيار الاتحاد السوفياتي من خلال عملية مركبة توأمت بين اختراق سافر للقوانين الدولية على يد الولايات المتحدة وتوابعها الأطلسية تحت تسمية «ائتلافات المتطوعين» من أجل الالتفاف على الآليات الدولية المعتمدة، وشنّ الحروب العدوانيّة، رغم ممانعة بعض الدول الأوروبية الظرفية خصوصاً في حرب العراق عام 2003، هذا من جهة، وصعود منظمات غير حكومية متأطرة حول إيديولوجيات «التدخل الإنساني» و«واجب الحماية» الذي سرعان ما تبيّن أنه غطاء لا أخلاقي لعودة استعمار جديد تحت مظلة مبادئ حقوق الإنسان النبيلة التي جرى تحقيرها وافسادها عبر توظيفها لأهداف جيوسياسية شائنة ومخزية كانت (وما زالت) دول المشرق العربي حقول تجاربها المأسوية، بالإضافة إلى القارة الأفريقية.
* أستاذ جامعي وعالم اجتماع