إنّ الاستعمار الداخليّ (أو الـمُدَخْلَن) أدهى وأفدح من الاستعمار الخارجيّ المسلّح بأدوات الحرب التقليديّة، فهو حاضر بسلاسله وقضبانه على مستوى النفس، وينعكس في الرؤية والأفكار التي ننتجها. على فوائدها «التقنيّة»، فإنّ المدارس الأجنبيّة والأدب والفلسفة الأجنبيّين، ساهمت في استلاب الإنسان وتغريبه عن واقعه، إذ أسكنت في عقله ونفسه أنّ أوروبا و«الأميركيّتين» شبيهتان بأدبها وفلسفتها وأنّ تيْنك المنطقتين هما معيار كلّ شيء، وجعلته يعرف عنهما أكثر ممّا يعرفه عن تاريخ منطقته وحاضره. بالإضافة إلى هذا الاستعمار الداخليّ فإنّ بُعد الناس عن حركات نقابيّة وازنة وحركات تحرّر، إمّا بسبب القبضة الحديديّة لأنظمة الطغيان، أو بسبب انكفاء معظم الناس خلال الحروب الداخليّة عن العمل العام، ترك معظمنا في حالة انسحاب عن العالم، مهتمّاً بقضايا فرديّة أو عائليّة متوهّمين أنّ العائلة بنية قائمة بشكل مستقلّ عن محيطها ولا تتأثّر به. أمّا الإنسان الذي على شيء من التمسّك بقيمته كشخص فاعلٍ في الحياة فيفعل الممكن – والممكن في أنظمة التعسّف ضيّقٌ بحدود الكلام – فيقول الأشياء «الكبرى» عن الثورة الفرنسيّة، والأميركيّة، وعن الحرّية، مسحوراً بتلك الثورات وأبطالها وقد يعرّج على غاندي ومانديلا بعد أن أصبحا محترمين في الغرب.

يحيا ذاك الإنسان غريباً بشكل شبه كامل عن تاريخ منطقته وواقعها، ولهذا يغيب عن حديثه أيّ نقدٍ (حتّى ولو كان مسموحاً) عن أوضاع الاستغلال، والاستغلال في بلادنا له اسم وهو الرأسماليّة، ولكنّ الرأسماليّة أمرٌ محبوب ومفروغٌ من أمره في بلاد الغرب، ولهذا فنقدها لا يمكن أن يخطر في باله. كما يغيب عن حديثه اليد الطولى للدول الأوروبيّة والأميركيّة في زرع إسرائيل وحمايتها، وواقع إسرائيل كقلعة استعماريّة متقدّمة لأوروبا وشمال أميركا لفرض سياسات الاستغلال على أهل المنطقة وإخضاعهم لمصالح المستعمِر.
هكذا، نلاحظ أنّ الاستعمار الخارجيّ أصبح داخليّاً بحيث عطّل وعي وجوده، إذ لا يرى جلّ مثقّفينا وكتّابنا وصحافيّينا وشعبنا، في دول الاستعمار المستمرّ، إلّا أفضل ما أنتجته شعوب تلك الدول من كتّاب وأُدباء وفلاسفة، وثورات بعيدة جميلة الطيف، والديموقراطيّات الأجمل بلا شكّ من قبح الأنظمة الشموليّة ومن التعذيب في السجون (وهو تعذيب لا تمانع الديموقراطيّات بممارسته بحقّنا أثناء احتلالاتها).
ما يغيب عن الوعي هو أنّ هذه الأنظمة الجميلة لسكّانها من الطبقة الميسورة والوسطى، هي وحشيّة في ما يخصّ الطبقة الفقيرة فيها، وأكثر وحشيّة في ما يخصّ شعوبنا وأيّ شعب آخر خارج أوطانها (استغلال، سلب، قتل، تشريد وحروب)، وأنّها تدعم بدون شكّ الأنظمة الشموليّة التي يكرهها أيّ عاقل، وأنّها بالتعاون والتكافل الواقعيّ مع حكّامنا تستغلّ ثرواتنا، وأنّها زرعت إسرائيل قاعدةً عسكريّة بيننا لتتمكّن من الاستغلال.
لهذا، يغيب عن المثقّف الـمُعجَب بالثورات الداخليّة لشعوب بلاد الاستعمار، والتي تمّت فيها اغتيالات وحتّى قتلٌ للأبرياء، أيّ إعجاب أو تعاطف مع مَن يقاوم المشروع الاستعماريّ في بلاده، وكيف له ذلك وهو لا يرى أصلاً مشروعاً استعماريّاً يهاجم أهل هذه المنطقة، وإنّما بلاداً متحضّرة أفضل من بلاده، كيف له ذلك وهو لا يعلم -أو لا يريد أن يعلم- أنّ هذا الأفضل مبنيّ على بحيرة من دماء أجداده ومواطنيه، وأجداد ومواطني بلاد الله الواسعة (أفريقيا لا تزال تحت الاستغلال حتّى اليوم من فرنسا وغيرها). وكيف يمكنه أن تكون له رؤية كهذه، وهو أصلاً لا يرى -أو لا يريد أن يرى- أنّ بلاد الغرب السعيد تنهبه، وتقمعه، وتضحّي به، وبمستقبله، على مذبح أرباح شركاتها؟
إنّ وعي واقع الدول الغربيّة ودورها الوحشيّ في تدمير كوكبنا وشعوبه أساسٌ لكي نفهم أنّنا في حالة حرب علينا، وأنّنا لم ننته من الاستعمار بعدُ، وأنّ مواجهته ضرورةٌ لمن يؤمن بإله أو بفلسفة إنسانيّة. عندما يغيب الوعي يتحيّد حتّى الإيمان ومطالبته اللجوجة بمواجهة الظلم. مَن لا يرى واقع ظلم الخارج إلى جانب الظلم الداخليّ ويقاومه، يتضاءل حظّه في مقاومة الظلم الداخليّ، لأنّ ذاك الخارجيّ ضالعٌ في الظلم الداخليّ. أمّا مَن لا يرى واقع الظُّلمِ الداخليّ إلى جانب الظلم الخارجيّ ويقاومه، فقد بات حليفاً عمليّاً للظلم، واختلف فقط على هويّة الظالم. مواجهة الواقع تبدأ بالوعي، والوعي يتطلّب أن نعرف أنّنا نتعرّض لعُنفين وليس لعنفٍ واحدٍ: عنف الظلم الداخليّ وعنف ظلم الاستعمار.

* كاتب وأستاذ جامعي