بعد اغتيال المراسلة الصحافية الفلسطينية الشهيدة شيرين أبو عاقلة بساعات قليلة، اشتغلت الماكينة الإعلامية والتواصلية المعادية على خطين؛ الأول هو التشكيك في حيثيات جريمة الاغتيال، والتي هي في واقع الأمر عملية تنفيذ إعدام ميداني واضحة الأركان والحيثيات، في محاولة لتبرئة الجيش الصهيوني من تبعاتها، وكأنها جريمة القتل الأولى بحق الصحافيين الفلسطينيين. أما المعلومات الموثّقة فتقول إن القوات الإسرائيلية قتلت منذ انتفاضة الأقصى سنة 2000 أربعة وخمسين صحافياً، ويقبع في سجون الاحتلال، حسب نادي الأسير الفلسطيني، ستة عشر صحافياً، من بينهم الصحافي محمود عيسى المعتقَل منذ عام 1993، والصحافية بشرى الطويل من مدينة البيرة التي اعتُقلت خلال السنوات الماضية ست مرات، كما ورد على لسان الإعلامي الفلسطيني وليد العمري في مؤتمر صحافي عقده في مدينة نابلس بعد الجريمة الجديدة بساعات. لقد تراجعت المؤسسة الصهيونية العسكرية والإعلامية عن رواياتها الثلاث الكاذبة التي قدّمتها تباعاً، بعد أن تآكلت تلك الروايات بسرعة، وشكّك فيها حتى بعض الأطراف الإعلامية داخل الكيان، واستقرت الرواية الصهيونية الرسمية أخيراً عند القول بعدم إمكانية تحديد القاتل الذي أطلق النار على الشهيدة.
(هيثم الموسوي)

والخط الثاني، وقد تولاه الذباب الإلكتروني وساهم فيه المضللون والمغرر بهم والجهلة ويستهدف التشويش على بعض التفاصيل ذات العلاقة كوصف القتيلة بأنها شهيدة، ورفض الترحم عليها لأنها مسيحية وليست مسلمة. وقد دارت جدالات واسعة بين تيارين: المحافظ المتشدد، والآخر المستنير التقدمي حول الموضوع. هنا معلومات تراثية حول مصطلحَي الشهيد والاستشهاد في السردية الإسلامية، إضافة إلى رصد وتحليل بعض أصداء تلك الجدالات:
وردت كلمة «شهيد» في القرآن الكريم بمعنيين: مرة بمعنى الشاهد والمراقب الحاضر، كما في الآية 33 من سورة النساء «إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً» كما وردت بهذا المعنى في الآية 72 من سورة النساء والتي تقول: «وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً»، وقد فسّر الفقيه الحسين بن منصور البغوي - من أهل القرن الحادي عشر الميلادي، في كتابه «معالم التنزيل» كلمة «شهيداً» الواردة في الآية المذكورة بقوله «أَيْ: حَاضِراً فِي تِلْكَ الْغَزَاةِ فَيُصِيبُنِي مَا أَصَابَهُمْ». ووردت بمعنى ثانٍ كوصف لمن يُقتل في سبيل الله والدين حسب بعض المفسّرين في الآية 69 من سورة النساء «وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا». أما في عصرنا الحاضر، فالسلفيون الإسلاميون لا يستعملونها إلا بعد مقدمات حذرة ومترددة، لأنهم يعتقدون - وهم على صواب هنا - أن اعتبار القتيل شهيداً لا يكون إلا بمشيئة الله وبأمره، فهو الذي يقرر إنْ كان هذا القتيل شهيداً أو لا، فلا يكفي أن يُقْتَل المسلم في الحرب ليكون شهيداً، لذلك يكررون عبارة «نحتسبه عند الله شهيداً وليس لنا على الله تعالى مِنَّة».
وهناك أيضاً حادثة مشهورة وقريبة مما نحن بصدده في التراث الإسلامي، كنت قد تطرقتُ إليها في مقالة بعنوان «التتريس والانغماس لدى السلفيين الانتحاريين» نُشرت في «الأخبار» بتاريخ 23 تشرين الأول 2013، وتتعلق تلك الحادثة بخلاف نشب بين المسلمين حول مقتل أحد الصحابة؛ فمنهم من شكّك في أنه شهيد ولكنّ النبي تدخّل وحسم الجدل باعتباره شهيداً. والصحابي المقصود هو عامر بن الأكوع، ومفاد هذه الحادثة هو أن هذا الصحابي شارك في غزوة خيبر، واشتبك مع أحد المقاتلين اليهود في مبارزة ثنائية بالسيف، وخلال المبارزة ارتدّ سيف عامر عليه فبتر ساقه ومات متأثراً بجرحه، فقال بعض الصحابة: «بَطَلَ جهادُهُ»، وقال آخرون «حُبِطَ عمله»، ومعنى كلامهم أنه منتحر وليس مجاهداً أو شهيداً، فكان ردّ النبي العربي الكريم عليهم معاكساً؛ فقد قال: «مَن قال ذلك أشكل عليه الأمرُ... إنه جاهِد مجاهد، وإنه ليعومُ في الجنة عَوْمَ الدعموس» كما ورد هذا الحديث في «الطبقات الكبرى» لابن سعد ج 4 ص 304. وفي رواية أخرى: «إنَّ لَه لَأَجْرَينِ- وجمَعَ بينَ إصبَعَيْهِ - إنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ، قَلَّ عَرَبِيٌّ مَشَى بِهَا مِثْلُهُ». وفي رواية ثالثة لهذا الحديث، سُئل النبي عن الصحابي عامر بن الأكوع: «يا رسول الله: أشهيد هو؟ قال: نعم، وأنا له شهيد». وأرجحُ صيغة الرواية الأولى والثانية للحديث على الثالثة، لأن مفردة «شهيد» بمعناها المحدد، لم تكن قد تكرَّست بعد كاصطلاح قائم بذاته ومعناه في زمن النبي رغم وجودها ككلمة واصفة للحال، وربما كان قد تكرّس أو بدأ تكرّسه كمصطلح في أواخر العهد الأموي تقريباً.
وبصدد موضوع الترحم على غير المسلمين، كان الباحث الإسلامي المستنير محمد الصياد قد نشر مقالة، بعد استشهاد السيدة أبو عاقلة، ومع تصاعد الجدل حول موضوع اعتبارها شهيدة أم لا. أورد الصياد كلاماً لحجة الإسلام أبي حامد الغزالي يجيز فيه الترحم على غير المسلمين، فجاء اقتباسه في وقته المناسب تماماً، وهذا نصه: «يقولُ الحُجّة الغزاليّ (تـ 505 هـ) رحمه الله في كتابه الماتع «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»: «بل أقولُ: أكثرُ نصارى الروم والتركِ في هذا الزمان تشملُهم الرحمةُ؛ أعني: الذين هم في أقاصي الرومِ والتركِ، ولم تبلغهُمُ الدعوةُ.
وأمّا الذين بلغهم اسمُ محمد صلى الله عليه وسلّم، ولم يبلغهم بعثه وصفته، بل سمعوا منذ الصِّبا أنّ كذاباً مُلبّساً اسمُه محمّد ادّعى النبوّة، فهؤلاء عندي تشملهم الرحمة أيضاً؛ فإنّهم مع أنهم لم يسمعوا صفته، سمعوا ضدَّ أوصافِهِ، وهذا لا يُحَرّكُ داعيةَ النَّظرِ والطلبِ». انتهى. وبنحو ذلك قال الإمام الكبير العزّ بن عبد السلام (تـ 660 هـ)، بل وزاد على ذلك أنّ غير المسلم في زماننا إذا اجتهد ونظَر وطلب، ثمّ مات قبل إكمال النظر من غير تقصير: «فلا معصية ولا عذاب...، إذ لا عذاب إلا مع العصيان، هذا هو الذي أراه، وأصول الشرع تتقاضاه، فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يُحمّلها ما يضيق به ذرعها». انتهى الاقتباس.
وقد يعترض البعض على مبدأ الاستشهاد بكلام الغزالي، على اعتبار أنه صدر داخل دائرة التشدد الديني الذي عُرف به الغزالي. والواقع فلا أحد يجهل تراث الغزالي ومواقفه المحافظة والمناهضة للعقلانية وللفلسفة. فهو صاحب كتاب «تهافت الفلاسفة» وقد ردّ عليه الفيلسوف العقلاني ابن رشد بكتاب مضاد هو «تهافت التهافت»، غير أن من السليم والمنطقي أن نركز على أن في قول الغزالي هذا شيئاً لا ينكر من السماحة والتعايش، وإشارة واضحة تهدف إلى توسيع دائرة الاستثناء والتساهل الفقهي مع غير المسلمين وتضييق دائرة التكفير والتشدّد. وحين تأتي هذه الإشارة من فقيه محافظ ومتشدد فهي تكون أقوى في مغزاها منها لو جاءت من فقيه عقلاني مستنير، وبها يمكن الرد على المتشددين والتكفيريين المعاصرين بالقول: هاكم كيف كان أسلافنا وأسلافكم أقرب إلى السماحة والإنسانية منكم، حتى إنْ كانوا محافظين ومتشددين كهذا الفقيه. كما أن هذا المقتبس من كلام الغزالي يدحض أيضاً مزاعم العلمانيين المتطرفين في عصرنا، من أولئك الذين يعتبرون الإسلام والمسلمين ككل ظاهرة تكفيرية رجعية ولا علاج لها إلا بالاستئصال والقمع العميم، وفي هذا المنطق العلماني القشري منتهى اللاعقلانية والتطرف، ثم ما ردُّ هؤلاء العلمانيين المتطرفين على ما ورد في القرآن ذاته في الآية 62 من سورة البقرة والتي تقول: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»؟
وضمن هذه الأجواء التي أعقبت الجريمة الصهيونية انتشرت مداخلة بالفيديو على موقع يوتيوب للشيخ الأزهري عصام تليمة، وفيها قدّم الشيخ موقفاً جريئاً موثّقاً من موضوع الترحم على الشهيدة الفلسطينية ووصفها بالشهيدة، تقارب ما عبّرنا عنه في هذه المقالة ومن ذلك قول الشيخ:
-حين نصف المتوفَّى، أياً كان، بالشهيد أو المرحوم أو المغفور له، فنحن لا نقرر له صفة مجزوماً بها هي الشهادة والرحمة والغفران بل ندعو الله أن يعتبره شهيداً وأن يرحمه وأن يغفر له.
-الشهادة أنواع منها شهيد الدنيا وشهيد الآخرة، ومن الشهداء: المقتول ظلماً، وهناك شهيد الوطن وشهيد الواجب وشهيد المروءة، وحتى الميت غرقاً والمرأة التي تتوفّى عند الولادة تُعتبر شهيدة، وحتى عند الملحدين هناك شهيد الواجب.
-الشهادة موجودة في الديانات الأخرى كاليهودية والمسيحية، فحين تكون القتيلة شهيدة في دينها فهي شهيدة، ولا ضير من أن نعتبرها نحن كذلك، فهذا لا يتعارض مع أحكام الإسلام.
-إن موضوع الترحم على غير المسلم فقهياً هو موضوع خلاف معقّد وواسع بين الفقهاء المسلمين القدماء فمنهم من يجيزه كبعض فقهاء الشافعية ويأتي بأمثلة موثّقة على ذلك ومنهم من لا يجيزه.
-إن هذه القضية فيها سعة وفيها بحبوحة، وعليه، يقول الشيخ: لا مانع شرعاً من أن أقول: الأخت الشهيدة شيرين أبو عاقلة رحمها الله وغفر لها، وإنَّا لله وإنَّا إليه راجعون.
وبهذا يكون الشيخ تليمة وزملاؤه قد قالوا في هذا السجال ما يجب قوله من وجهة نظر الإسلام المستنير، المتحضّر، الحي، والمقاوم للصهيونية وجرائمها المستمرة، وقد ساهموا عملياً في إحباط المخطط الصهيوني الإعلامي والسياسي.

*كاتب عراقي