«سوف نضمن أن لا نجد أنفسنا في مثل هذا الموقف مجدداً، وألا يتمكّن «العم سام»، أو أي أحد آخر، من أخذ قراراتٍ موجهة لتدمير اقتصادنا. سوف نجد وسيلة لكي لا نعتمد عليهم بعد الآن، وهذا كان يجب أن يحصل منذ زمنٍ بعيد» ـــــ وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، 10 آذار 2022


حصل حادثٌ طريف في بداية الحرب في أوكرانيا، ولكنّه معبّرٌ وليس مفاجئاً: قامت قنوات حلف شمال الأطلسي الرسمية، على وسائل التواصل الاجتماعي، بنشر صورةٍ دعماً لـ«المقاومة» الأوكرانيّة، ثمّ أزالتها بعد ذلك بدقائق. الصّورة تحوي مقاتلين أوكرانيين يحملون السلاح، ذكوراً وإناثاً، ثمّ تبيّن أن بعضهم يضع على بزته العسكرية رموزاً نازيّة وشعار لوحدات «اس اس» نازية سالفة. في الوقت ذاته، كان الجوّ الأكاديمي والاعلامي في أميركا يؤنّب باحثاً لأنه، في مقابلة على التلفزيون، «تحمّس» وقارن بوتين بهتلر (الفكرة هنا هي أن النازيّة وشرورها لها مكانة عليا، لا يمكن مقارنتها بشيء ولا نمسّها من قريبٍ أو بعيد. هذا «في الداخل»، في «وسطنا» الفكري والاجتماعي في الغرب ـــــ فيما نرسل، في شرق أوروبا، الصواريخ والدعم والتعاطف لمقاتلين يلبسون شارات الـ«اس اس»).
المسألة هنا هو أنّه من الصعب جداً (حتى لا نقول المستحيل) أن توفّق بين ثلاثة عوامل أو ثلاثة مستويات مختلفة للسياسة: المصالح الجيوسياسية للغرب (التي تقرر من العدو ومن الحليف وما هي الحرب العادلة) من جهة؛ و، من جهةٍ ثانية، ايديولوجيا المؤسسة الغربية، الليبرالية، ونظرة نخبتها إلى نفسها؛ و - ثالثاً - أن تكون الكتلة الشعبية التي تقاتل إلى جانب الغرب، على الأرض، تشبه هذه الايديولوجيا وقيمها. هذه قصّة كل مواجهات الامبراطورية والحروب الأهلية التي ترعاها في العقود الأخيرة، من سوريا إلى العراق إلى إيران إلى أوكرانيا. المسافة بين هذه المستويات الثلاث هي جزء أساسي من قصة هذه الحروب والنزاعات؛ ومن يتجاهل هذه المعادلة هو إمّا يردد أسطورة ايديولوجية، أو يشارك في حروب الامبراطورية من موقعه الدعائي.


أساس الموضوع هو أنّ «النظام العالمي»، منذ تأسيسه، ليس ايديولوجياً بالمعنى الذي نفهم به الأنظمة الشيوعية أو الدينية أو الفاشية. الأولوية هنا هي ليست للتبشير أو للنقاء السياسي، بل إن الايديولوجيا الوحيدة هنا هي ايديولوجيا رأس المال، وغلبة جزءٍ من العالم على الباقي. الليبرالية المتأخرة التي نعرفها اليوم هي ايديولوجيا وأسلوب حياة لنخبةٍ وطبقةٍ محدّدة في دول المركز، ولمن يتمكّن من «تحمّل كلفة» هذه الحياة وهذه الأولويات؛ أمّا خارج هذه الفئات، فإن طبيعة الرأسمالية المعولمة سوف تخلق حركاتٍ وردّات فعلٍ من مختلف الصنوف، وأغلبها لا يشبه الليبرالية في شيء. الامبراطورية، على الأرض، سوف تتعامل مع أيٍّ كان ضدّ خصومها، وهي (لأسبابٍ مفهومة) سوف تجد نفسها في أغلب المجتمعات تجنّد أسوأ النّاس. كما يقول السوسيولوجي الأوكراني فولودومير ايششنكو، فإن الفئات الليبرالية في دولٍ مثل أوكرانيا لا يمكن أن تؤسّس لهيمنة أو تقود الشعب في مشروعٍ تحديثيّ لأنّ قوتها ونفوذها يأتيان من علاقاتها بالسفارات الغربيّة، وليس من قدرتها على تحشيد الناس، أو على تقديم مصالحها على أنها مصالحهم. بمعنى آخر، ابن العالم الثالث الذي يتلقّى راتباً «أجنبياً» ويعيش حياة امتيازاتٍ هو قابلٌ لأن يردّد خطاب القوّة، فهذه وظيفته، ولكنّه لن يحمل السّلاح ويقاتل في حربٍ أهلية، أو يشكّل حركة شعبية تخوض حرب شوارعٍ في ماريوبول، بل من سيفعل ذلك سيكون على شاكلة السلفي في سوريا، أو اليميني التقليدي في لبنان، أو الفاشي في أوكرانيا.
هذه ليست المرّة الأولى التي يقوم فيها الـ«ناتو» بدعم حركاتٍ من سلالة الفاشيّة. علم كرواتيا الذي جرى على أساسه الانفصال عن يوغوسلافيا، على سبيل المثال، هو علم البلد في مرحلة الحكم الفاشي، والرئيس الكرواتي الأوّل، فرانيو تودجمان «أبو الاستقلال»، هو يميني متطرّف ومتسلّط، مارس تطهيراً عرقياً ضدّ أقلياتٍ في بلده ولا يختلف فعلياً عن ميلوسوفيتش. ستيفان بانديرا، أصلاً، أبو القومية/الفاشية الأوكرانية، رعته المخابرات الأميركية وأمدّته بالعون في حربه ضد السوفيات، ثمّ هرّبته وسحبته إلى برلين (حيث تمّ اغتياله بالسمّ من قبل عملاء سوفيات. هتلر، بالمقابل، وضع بانديرا في السجن حين احتل أوكرانيا، لأنه وجده غير متّزنٍ ويحمل أفكاراً خطيرة). اليمين الأوكراني المتطرّف، الذي لعب دوراً أساسياً في القتال خلال حرب 2014 وهو يلعب دوراً أكبر اليوم، ليس مسألة تفصيليّة. ليس صحيحاً أنّ «آزوف» وحلفائها «يحكمون أوكرانيا» بالمعنى الرسمي، فليس في أوكرانيا كتلة شعبية كبيرة تصوّت لهؤلاء المتطرفين وتعطيهم أغلبيّة، ولكن ليس صحيحاً أيضاً أنّهم مجرّد «2 في المئة» وعامل هامشي في السياسة والحركة القومية الأوكرانية (هذا الرقم مخادع، هو نتيجة عدم ترشح أكبر قطاعات اليمين المتطرف في الانتخابات الماضية، وأنّهم فضلوا أن يلعبوا دور «الحارس» على النظام، الذي يراقب مساره ويهدّد باستمرارٍ بالتدخّل في حال «انحرف» النظام عن المسار القويم).
نحن هنا نتكلّم على كلّ مشتقات حزب سفوبودا (الذي تأسس في البداية باسم «الحزب الاشتراكي القومي»، أي اسم الحزب النازي الألماني مقلوباً) ونظرائه في اليمين المتطرّف، من «قطاع اليمين» إلى «آزوف» وغيرها. كما يقول ايششنكو المذكور أعلاه، فإنّ السياسة في أوكرانيا في السنوات الأخيرة لا تشبه السياسة في دول أوروبا الديموقراطية، بل هي أقرب إلى الجو في ألمانيا الثلاثينيات، حيث تجري لعبة السيطرة أساساً في الشارع وعبر العضلات، وليس عبر الصناديق؛ وأنّ اليمين الأوكراني يشبه ذاك اليمين الفاشي السالف، وليس ما نسمّيه أحزاب «اليمين المتطرف» اليوم في باقي أوروبا (حيث هي بمثابة أحزاب «تقليدية» مثل غيرها، تشارك في الانتخابات وتحوز في الغالب أصوات أقلية سياسية). حين ينزل الفاشيون إلى الشارع في كييف فهم لا يجدون من يواجههم؛ وفي وسعهم احتلال أي مؤسسة، ومعاقبة أي مسؤول، ولولاهم لما تمكّنت الثورة/الانقلاب في «يوروميدان» من التحقّق (وهو ما حصل باشرافٍ وتوجيهٍ وتمويلٍ مباشر من السفارات الغربية)، ولما ظلّت نصف دونتسك ولوغانسك في أيدي الحكومة الأوكرانيّة بعد عام 2014.
من هنا المشكلة في حجّة بعض العرب الذين يتبنّون الخطاب الغربي عن الحرب ضد روسيا وضرورة «حماية» النظام العالمي الأحادي من أناسٍ مثل بوتين وشي جينبينغ. الطريف هو أنه يستحيل أن تجد مثل هذا الخطاب بين الطبقات الشعبية في دول العالم الثالث، أو يقوله مثقفون مستقلون ولكن، كلما اقتربت من رأس المال الغربي والخليجي وأجرائه، كلما أصبح الكلام أقرب إلى لغة الـ«سي ان ان». المفارقة هنا هي ليست في أنّ أجير الأمير يحشّد خلف أميركا من أجل «الحرية والديموقراطية» في العالم، بل هي في أنّه يعتقد بأنّ حكم الامبراطورية الأحادي سيعطينا دولاً ديموقراطيّة ليبرالية تصون الحريّات على شاكلة أوروبا الغربية، في حين أنّه من يحكمنا «فعلياً على الأرض» في عهد الهيمنة هم على الأغلب من نمط الميليشيات السلفية، والفاشيين في أوكرانيا، ومحمد بن سلمان - وخلفهم شحّاذو السفارات.

الهيمنة الناقصة
لم يعد من الاشكالي القول بأن النظام العالمي الآن يواجه أزمة هيمنة. هذا ليس موضوعنا اليوم ولكنّه سيكون هو الموضوع الأساسي الذي يتحدّث ويفكّر فيه الجميع في الأعوام القادمة. نحن لا نتحدّث عن أزمة طاقة وديبلوماسية على طريقة 1979، أو أزمة مالية تخلخل الثقة في النظام المالي كما حدث عام 2008، ولا حرب باردة لعزل قوىً أساسية في العالم، وحرب ساخنة تجري على شاكلة حرب كوريا؛ نحن نتكلّم عن هذه الأمور كلّها وهي تحصل في وقتٍ واحد. من المبكر طرح تصوّراتٍ عن نتيجة ما يجري، ولكنّ الأكيد هو أنه من شبه المستحيل للنظام العالمي الذي نعرفه بأن يخرج من هذه المرحلة كما دخلها، أو أن يعود إلى 23 شباط 2022. من جهة، كما يقول الاقتصادي الهندي برابات باتنايك، فإنّ المعنى الحقيقي لهيمنة النظام العالمي لا يتمثّل في العقوبات والتهديد وتخويف الدّول بالامتثال، بل هو في أن يكون النظام مفتوحاً للجميع ومربحاً لمن يشارك فيه طوعاً. بمعنى آخر، يكون الانتماء إلى نظام عالمي مهيمن هو عبارة عن «حق» وليس «امتياز» (وهو ما قاله مؤخراً أحد المسؤولين التجاريين الأميركيين، بمعنى أن المشاركة في المنظومة الاقتصادية الغربية والتعامل بالدولار هو امتياز، يسحبونه بساطة ممّن لا يرضيهم). هذا لا يعني أن نظام الدولار سيسقط غداً أو في السنة القادمة، ولكن لا أحد سينظر إلى هذه الأمور كما في السّابق. يجب أن نفهم أن تجميد أرصدة روسيا واحتياطاتها لا يشبه أن تخسر مالاً وضعته في حساب توفيرٍ شخصي، بل هو يعني أنّ كلّ المواد الأوليّة والخدمات والسلع التي صدّرتها روسيا إلى هذه الدّول في السنوات الماضية (وهو ما ترمز إليه الاحتياطات) كانت كأنّها تقدّمها لهم بالمجّان. هنا يبدأ الجميع (أقلّه الدّول خارج نطاق الـ«ناتو») بإعادة التفكير بكامل مفهوم التبادل الدولي والعولمة، بل ومفهوم الاعتماد (كريديت) نفسه، أساس النظام الرأسمالي ومخزن القيمة فيه.
لم يعد من الاشكالي القول بأن النظام العالمي الآن يواجه أزمة هيمنة


من جهةٍ أخرى، فإنّه من الساذج أن نعتقد بأن الحرب سوف تظلّ ضمن حدود أوروبا وأوكرانيا. أحداثٌ من هذا الحجم تنتج تفاعلاتٍ وارتدادات في كلّ مكانٍ في العالم يصعب حصرها والتنبؤ بآثارها؛ هذا النوع من الصّراعات يميل لأن «يفيض» ويخرج عن موقعه الأصلي (على سبيل المثال: يرى البعض أن روسيا سيتم عزلها غربياً فيما تلعب الصين دور المركز الوسطي، الذي يتعامل مع الغرب وفي الوقت ذاته يستفيد من التجارة مع روسيا. ولكن من قال لكم بأن أميركا ستسمح لهم بأخذ هذه الوضعية؟ واي اشتباكاتٍ وعقوبات جديدة ستنتج عن هذه الخيارات؟). يعتبر المؤرّخ اليميني نيال فيرغسون أننا نشهد بداية حربٍ باردة «نسخة 2»، وأنّ حرب أوكرانيا هي بمثابة حرب كوريا التي أطلقت فعلياً المواجهة المفتوحة بين القطبين - مع فارق أن الحالة هذه المرة «مقلوبة»: عام 1950، يكتب فيرغسون، كان الاتحاد السوفياتي هو القطب الأساسي فيما الصين وكوريا الشمالية هي الأنظمة الحليفة التي تصعّد وتهاجم الخصوم وترسل ألوية المقاتلين؛ هذه المرّة الصّين هي القطب فيما روسيا تلعب دور الصين وكوريا بعد الحرب العالمية الثانية.
قد تصبح روسيا أشبه بإيران بعد الثورة: بلدٌ يعزله الغرب وهو يحاول، بشتى السبل، البحث عن حلفاءٍ وبدائل وإمكانيات لتسيير اقتصاده تحت الحصار. ولكن روسيا أكبر بكثير من إيران ونحن لسنا في 1979. هذه العناصر تشكّل أغلب مضمون خطب بوتين إلى الشعب الروسي. الحرب تغيّر كل شيء، وهذا ليس فقط بسبب العقوبات والحصار، بل لأنّك تحتاج إلى تأييد الفئات الشعبية التي سوف تقدّم أبناءها للقتال، وهي من يجب أن تحميه من آثار الحرب الاقتصاديّة. من هنا، تكلّم بوتين في خطابٍ أخيرٍ له لدقائق طويلة عن اجراءات الدعم للفقراء، وبدلات البطالة والتقاعد، وتقديم الدولة مخصصاتٍ لكلّ طفلٍ روسي يقدّم لعائلته، منذ الولادة وحتى عمر السابعة عشر. في الخطاب نفسه، كان بوتين يسخر من الرّوس الأثرياء الذين لا يمكنهم العيش من غير الكافيار والسيارات الأجنبية. بمعنى آخر، الدولة الروسية حسمت خيارها حول الأولويات، وارتفاع نسبة التأييد الشعبي لبوتين ــــــ حتى فاقت الثمانين في المئة ـــــ ليست ناتجةً فحسب عن أثر الحرب والتفاف الناس حول جيشهم، بل أيضاً لأن عموم الناس يستمع إلى تطميناتٍ ووعودٍ تقدّم إليه مباشرة. هذا التحوّل الكبير في الاقتصاد الرّوسي، ومصيره ونتيجته، ستكون لهم أهمية (على المستوى الداخلي والدولي) لا يقلّ عن نتيجة العمليات العسكرية نفسها. المسألة هنا ليست بسيطة. روسيا، مثلاً، تحتاج إلى اطلاق سياسة صناعية تشبه «احلال الواردات»، أي تصنيع السلع والتقانة التي كانت تشتريها من الغرب، بدءاً بالأمور الاستهلاكية البسيطة (وهذه أغلبها أصبحت له بدائل روسية بعد 2014)، ووصولاً إلى القطع المعقّدة التي تحتاجها المصانع والمناجم وآبار النفط. كما يقول الاقتصاديّون، فإنّ اطلاق سياسة صناعية من هذا النمط ممكن، ولو كنت تفتقر إلى القاعدة الصناعية اللازمة لها؛ ولكنك في هذه الحالة تحتاج إلى دفقٍ خارجي من التقنية والمال والقروض. هكذا حققت دول مثل الكوريتين وتايوان نموها والتحوّل الصناعي بعد الحرب العالمية، وكذلك الصين منذ أواخر السبعينيات؛ حتى الاتحاد السوفياتي لم يحقّق قفزته الصناعية الكبرى إلا عبر استيرادٍ مكثّف للمصانع والتقنيات الغربية - الفوردية - في مختلف المجالات الأساسية، من صناعة الحديد والصلب إلى انتاج السيارات والجرارات (وبعد الحرب العالمية الثانية، حصلت الصناعة العسكرية والمدنية السوفياتية على قدرٍ مهم من التقانة والمعدات غنمتها من ألمانيا. والكثير من الأسلحة الروسية المشهورة التي ظهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، من الكلاشنيكوف إلى الرادارات والصواريخ، وحتى الـ«ار بي جي»، لها أصلٌ ألماني أو استخدمت خطوط انتاج نقلت من ألمانيا بعد الحرب). هذا المصدر الخارجي ليس متاحاً لروسيا اليوم إلا عبر الصّين؛ فهل ستمثّل الصين لروسيا هذا المنفذ؟ وما سيكون شكل العلاقة بين البلدين في مثل هذا السياق؟

موسكو - كييف - بيروت
أزمة الهيمنة لا تحصل على المستوى العالمي فحسب، بل هي بمثابة تجربةٍ مشتركة، أو حالة وجودية دائمة، بالنسبة للعديد من الدول. سنشرح: الباحث الأوكراني الذي ذكرناه في المقدّمة، فولوديمير ايششنكو، يقول أنه ينتج كتاباً مع الباحث الروسي اوليغ جورافليف حجّته أنّ المصائر المختلفة لدول ما بعد الاتحاد السوفياتي، مثل روسيا وأوكرانيا، هي ردات فعلٍ مختلفة على أزمةٍ واحدة، هي «أزمة هيمنةٍ» في السياسة والمجتمع. التاريخ هنا لا يبدأ مع سقوط الاتحاد السوفياتي، فهذه الأزمة سابقة عليه، وهي تعود إلى أواخر أيّام خروتشيف ولا تزال مستمرّةً إلى اليوم. بعد أن أزال خروتشيف أعمدة الدولة الستالينية، يقول الباحثان، لم يتمكّن هو والنخبة السوفياتية من بناء دولةٍ تحديثية ناجحة وحديثة، وهو ما سبّب أزمةً في الايديولوجيا والتمثيل السياسي لم يتمّ حلّها إلى اليوم. من دون دولةٍ تنموية ناجحة وفعّالة، ترفع مستوى حياة الناس بشكلٍ ملموس، لا يمكنك تحشيد فئاتٍ شعبيّة لتشارك طوعياً وبحماسة في مشروعٍ تحديثي تلتفّ حوله النخبة الحاكمة أيضاً وتتوحّد (كحالة الصين مثلاً). سقوط الاتحاد السوفياتي، من هذا المنظار، لم يكن إلّا نتيجةً لهذه الأزمة البنيوية واستفحال الركود والتراجع، والسقوط لم يشكّل حلّاً للدول التي خرجت من عباءة الاتحاد، بل استمرّت الحالة نفسها فيها بأشكالٍ مختلفة. في دولٍ مثل روسيا وبيلروسيا وبعض دول آسيا الوسطى، يقول ايششنكو وجورافليف، جاءت السلطوية لا كحلّ لمعضلة الدولة والتنمية والتحديث، بل كاجراءٍ يحفظ «ما أمكن» بعد أن شهد الناس تبعات السقوط السوفياتي والانهيار والافقار. شرعية هذه الأنظمة تأتي تحديداً من كونها تمنع أن تعود «تجربة التسعينيات» التي صدمت الشعب، تماماً كتجربة الحرب العالمية. غير أن هذه الأنظمة، حتى الآن، «تجمّد» الأزمة ولا تتجاوزها، وهو ما تفعله عبر توحيد مصالح متعارضة لنخبٍ شتى تحت سقف رئيسٍ قويّ، وهي تحمل الهشاشة التي تأتي مع أهمية فردٍ لا يمكن استبداله وغياب منهجية واضحة لتجديد النظام.

من الساذج أن نعتقد بأن الحرب سوف تظلّ ضمن حدود أوروبا وأوكرانيا


أمّا في دولٍ مثل أوكرانيا وجورجيا وقيرغزستان، يشرح الباحثان، فإنّ غياب السلطوية لا يعني نشوء ديموقراطية تمثيلية؛ على العكس، ما يحصل هنا هو أنّ ضعف البنى السياسية وتشتت النخب والهوية لا يسمحان حتّى بحكمٍ سلطويٍّ «مستقرّ»، بل هما ينتجان دولة زبائنية بواجهة انتخابية تعددية؛ ما هي إلا وعاء للمحاصصة والفساد والحركات المتطرّفة التي تشكل المجتمع السياسي. هذه الدولة ستستمرّ على طريق الفشل ونقص الشرعية حتى تحصل «ثورة»؛ والثورة هنا، أيضاً، لا تشكّل حلّاً للأزمة وقاعدة لبداية جديدة ونظام جديدٍ له شرعية (فالقوى السياسية الموجودة لا تملك هذه المقوّمات)، بل هي تزيد من تعميقها، وهي قد تنتج وجوهاً جديدةً في الحكم، لكنهم سرعان ما يخسروا شرعيتهم بدورهم وتستبدلهم «ثورة» جديدة (يذكر ايششنكو كيف أن دولاً مثل أوكرانيا شهدت ثلاث «ثورات» منذ 1990، ومثلها قيرغزستان، وجورجيا ومولدافيا عرفت اثنتان، وهكذا دواليك في باقي دول الفلك السوفياتي السابق). هذه قصّة «يوروميدان» ومثيلاتها من الثورات الملوّنة، يقول اششنكو، ثورات «قاصرة» في بلادٍ تعاني أزمة هيمنةٍ عميقة لا يمكن لـ«حدث» سياسيٍ استعراضي، كالتظاهرات أو احتلال ساحةٍ لأيام، أن يحقق تجاوزها (وإن زعم المشاركون في هذه الثورات، في وقتها، أن الحدث قد غيّرهم ووحدهم وألغى، مثلاً، الفوارق والتاقضات بين الأوكرانيين وجعلهم شعباً واحداً. كما يكتب رامي رحيّم عن لبنان، فإن من مشاكل بعض الخطاب الثوري أنه يمثّل فكرة «الولادة الجديدة»، أنّ الحدث قد صنع هويتنا وألغى الماضي فيما، في الحقيقة، لا أحد منا هو عبارة عن صفحة بيضاء، ولدينا جميعاً ماضٍ وتراث شكّل شخصيتنا ورؤيتنا إلى الأمور، وهذا ما يتكشّف دوماً بعد أن ينقضي «الحدث»).
لا حاجة هنا لتبيان التشابهات بين الحالة «ما بعد السوفياتية» وأزمة الهيمنة في دول منطقتنا. في لبنان، مثلاً، انتخاباتٍ بعد أسابيع والانتخابات، في المبدأ، هي أساس النظام السياسي وأداة تجديد الشرعيّة. غير أن انتخاباتنا بلا قيمة. لا أقول ذلك لأنها في نظري «غير شرعية» (وهو ما شرحته مراراً في السابق)، بل أساساً لأنه ـــــ على مذهب كارل شميت ـــــ هناك مسائل مكانها السياسة البرلمانية والانتخابات، وهناك أسئلة أخرى لا يمكن حلّها عبر التفاوض «البرلماني» وتبادل المقاعد بين نخبٍ تتحالف وتفترق بحسب الموسم. في لبنان أزمة هيمنة عميقة وقديمة أوصلت إلى الانهيار، وهي تستمرّ بالاستفحال وحلّها لا يمكن أن يكون في المجلس النيابي أو عبر تغيير وجوهٍ وطواقم حكم. لهذا السبب تجد أغلب الناس منشغلين عن الاستحقاق بهمومهم اليوميّة، ولا يتناوله سوى الأحزاب التقليدية وبعض مترفي السياسة. كيف يمكن أن تناقش سياسة دفاعية أو خارجية أو اقتصادية حين لا يكون هناك توافق على أبسط مبادىء المواطنة والهوية والأولويات، والنخب السياسية متشظية وتابعة لا يمكن أن تجتمع على مشروع؟ لاحظوا سلوك الكثير من «الناشطين» في لبنان حين خرجت التقارير التي تفصّل التمويل الأجنبي للسياسة والثقافة في البلد. هم عبّروا بوضوح أنّ لا مشكلة لهم مع الموضوع، بل هم يقولون بلا اعتذاريات أنهم يقفون مع الحكومات والمخابرات الغربية ضدّك؛ هل هناك علامة أوضح من ذلك عن غياب الهيمنة والمجتمع الوطني؟ هناك مسائل لا تحلّ بالحوار، وأنا، مثلاً، لا أريد «دولة حقيقية» لكي أتجادل مع هؤلاء في كنفها، بل لكي تضعهم في السّجن. «النظام اللبناني» هو، أيضاً، ليس إلّا تأريخاً لأزمةٍ طويلة، ولكنها مرّت بمراحل وحقبات: بين نهاية الحرب الأهلية و2005 كان التوافق الدولي يرعى شيئاً يشبه النظام الأوكراني، محاصصة وأوليغارشيين تحت مظلة تسوية خارجية تدعمه وتحافظ على استقراره. بعد احتلال العراق و2005 اختفت التسوية وتحوّل النظام إلى ساحة مواجهة على النفوذ بين القوى الكبرى. ومنذ 2019 دخلنا في مرحلةٍ جديدة ليس فيها قواعد أو كوابح، تماماً كما النظام العالمي اليوم.

خاتمة: العنف الآتي
كتبت في السابق عن نظرةٍ إلى تطوّر الامبراطورية الأميركية (يقول بها أناسٌ من أمثال والرستين) تحكم بأن تصرّف واشنطن في العالم منذ تكريس الأحادية القطبية هو عبارة عن صراعٍ بين المفهوم الويستفالي القديم للعلاقات الدولية (الذي يقوم على مبدأ التساوي بين دولٍ سيّدة) والمفهوم «الامبراطوري» الذي تحاول أميركا تكريسه، عبر تحطيم الحصانة الـ«ويستفالية» حتى تتمكّن من التدخل في تفاصيل شؤون الدول، وفرض شكل النظام الاقتصادي والتحالفات الدولية وما إلى ذلك. بالمقابل، كانت دولٌ مثل روسيا والصين تحتمي بالفكرة الويستفالية هذه وتحاول الحدّ من الاختراق الأميركي عبر الاصرار على مبادىء السيادة والقانون الدولي والمؤسسات التقليدية مثل الأمم المتحدة.
عصر الامبراطورية قد وصل إلى نقطةٍ حرجة، حتى لا نقول أنّه انفجار. هناك سلسلة من القصص تجري في الوقت ذاته، في روسيا والصين وأوروبا، وفي ساحة الميدان حيث القتال والموت. لا يمكن لأزمة الهيمنة أن تستمرّ إلى الأبد، إمّا حسمٌ أو خراب أو وضعية جديدة بالكامل تستبدل النظام القديم. هذا سنعرفه في السنوات القادمة ولكن المخيف في ما يجري هو أنّه، بين هذا التجاذب بين الويستفالية و«السلام الامبراطوري»، يبدو أن الاثنين قد زالا معاً، وأصبحنا في عالمٍ مأزومٍ بلا قواعدٍ ولا قوانين.
* كاتب من أسرة «الأخبار»