لا شك في أن السياسة الخارجية لدولة ما مبنيّة على أسس وأصول تُعتبر منطلقات نظرية لهذه السياسات وصانعيها. بعض هذه الأصول ثابتة وعامة للسياسة الخارجية للدول كافّة، ولا تتغيّر بتغيّر الأنظمة أو صنّاع القرار، لكنْ أيضاً ثمّة أصول أخرى هي منطلقات نظرية يختص بها كل نظام بحسب اتجاهه وشكله وأفكار صناع القرار وإيديولوجياتهم، بحيث تشكّل هذه الأسس البنية المفاهيمية للسياسة الخارجية الخاصة لهذه الدولة.

إن السياسة الخارجية هي مجموعة من التفاعلات المعقّدة والمرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الداخلية. فالسياسة الخارجية لم تكن يوماً منعزلة عن تلك الداخلية أو واقعة في قبالتها، والسياسة الخارجية هي استراتيجية أو سلسلة من الأعمال التي وضعها وخطّط لها أصحاب القرار في دولة ما بغرض تحقيق أهداف معيّنة.
يرى صاحب كتاب "السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية في إيران: دراسة في المبادئ والنظريات (1979 – 1991)" الدكتور عباس خامه يار، وهو المستشار الثقافي الإيراني في لبنان، أن التمييز بين دراسة السياسة الخارجية وعلم العلاقات الدولية أمر يمليه الاختلاف في الطبيعة، إذ إن علم العلاقات الدولية يفسر الظواهر الدولية ويكشف عن الحقيقة الكامنة فيها، بينما يدرس علم السياسة الخارجية البرامج التي أُعدّت للعمل والتطبيق بمقتضى الحقائق الخارجية والواقع.
ويُعد هذا المقال بمثابة قراءة في كتاب خامه يار والذي هو في الأصل أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه، حيث يتميّز هذا البحث الهامّ الذي اتبع فيه خامه يار مناهج العلوم السياسية بأنه مادة علمية موضوعية تبحث في السياسة الخارجية الإيرانية بعد انتصار الثورة الإسلامية، وقد قسّمه الباحث إلى ثلاثة أبواب هي المنطلقات النظرية للسياسة الخارجية الإيرانية، ومراحل تطورها في الباب الثاني، وثم الباب الثالث حمل عنوان «تحرك السياسة الخارجية الإيرانية في الميدان الإقليمي». ليجيب على إشكاليات عدة تتمحور حول الأسس التي تستند إليها السياسة الخارجية الإيرانية، وما هي البنية التي تقوم عليها؟ وما مدى تأثير الخصوصية الإسلامية للنظام على دور مفهومَي ولاية الفقيه ودور الشعب في صياغة السياسة الخارجية؟ وما هو الدور الذي تؤديه الخصوصية القومية والجغرافية لإيران في هذا السياق؟

أولاً: انعكاس انتصار الثورة
لقد غيّر انتصار الثورة عام 1979 وإسقاط الحكم الملكي (الشاهنشاهي) بالثورة المدعومة جماهيرياً، مضافاً إلى الطابع العقدي وما يحمله من سمات تحررية، كثيراً من القواعد والأسس المتّبعة في السياسة الخارجية الإيرانية، فصار من الصعب التعامل معها ضمن القواعد السائدة في العلاقات الدولية الراهنة. عندما تتبنى دولة ما موقفاً دينياً وتصف نفسها بأنها إسلامية وتطرح تطبيق الشريعة، فهذا يقتضي وجود مفاهيم أصيلة وثابتة تفرض نفسها كقواعد ومبادئ وأسس في صياغة القرار.
يشير خامه يار إلى أن هناك بعداً هاماً في السياسة الخارجية يتمثل في البحث في المصالح باعتبارها من المحرّكات أو الحوافز الأساس للسياسة الخارجية، وتتحدد هذه المصالح بحسب بعض الاعتبارات الجغرافية أو السكانية أو الاقتصادية لكل دولة على حدة، ولتحقيق هذه المصالح تلجأ الدولة إلى الدخول في علاقات معينة مع بعض الدول الخارجية، وغالباً ما تتصادم مصالح الدول بعضُها مع بعض، ما يؤدي إلى التعارض في السياسات الخارجية لهذه الدول. وعليه، يعتبر أن فكرة الفصل بين السياستين الداخلية والخارجية أمراً صعباً، فالسياسة الخارجية تترك أثرها على الداخل، ويتعاظم الاهتمام بالخارج باتساع الداخل وقوته.
ويؤكد الكاتب، وهو أمر هامّ هنا، أن بنية النظام الدولي كنظام التكتلات الدولية السياسية منها والعسكرية، وما يستتبع ذلك من وجود نظم إقليمية فرعية في مناطق العالم المختلفة، كلّ ذلك يجعل من المستحيل على أي دولة أن لا تتأثر بمحيطها الخارجي، ما ينعكس على مجمل القرارات والسياسات التي تُتخذ ولا سيما في المجالات الخارجية.

ثانياً: العوامل المؤثّرة
ثمّة عوامل تؤثر تأثيراً أساسياً في تحديد السياسات الخارجية للدول يشير إليها الباحث، وهي الموارد والمهارات المتاحة لتلك الدول، حيث إن تعبئتها تمهّد الطريق إلى نيل الأهداف التي تتوخّاها السياسة الخارجية لهذه الدول. ويصعب على الدولة التي ليس لديها موارد كافية الوصول إلى أهدافها من السياسة الخارجية، دون الاستعانة بالآخرين. وهذه العوامل في السياسة الخارجية الإيرانية تنقسم إلى قسمين مهمين هما، كما يصنّفهما خامه يار، المؤثرات المادية، المتمثلة في الموقع الجيوبولوتيكي والاستراتيجي لإيران، والذي له تأثير في السياسة الخارجية بشكل مباشر وغير مباشر، حيث يؤثر الموقع الجغرافي في السياسة الخارجية من نواحٍ عدة، إذ هو يحدد بدرجة كبيرة المجال الحيوي المباشر لسياسة الدولة الخارجية، كما أنه يحدد ماهية التهديدات الموجّهة إلى أمن الدولة. فإيران محاطة بأربع عشرة دولة ذات ثقافات وديانات ولغات مختلفة ومتنوعة، مضافاً إلى حدودها المائية واتصالها بالمياه الدولية، من خلال وقوعها على الخليج الفارسي وبحر عمان في الجنوب، وكذلك الأنهار فضلاً عن مضيق هرمز الذي يُعد من أهم المضائق المائية في العالم. ويشير الكاتب أيضاً إلى عنصر مهم جداً في السياسة الخارجية، وهو العامل السكاني، حيث له أبعاد عدة أهمها: العدد، العرق، التوزّع، العمر والانتماء الديني.

يتحدث الكاتب عن العلاقات السورية الإيرانية وأهميتها للطرفين وعن عناصر الموقف الإيراني تجاه سوريا وخاصةً إبان الحرب العراقية ولم يفته التطرّق إلى العامل اللبناني


ومن العوامل والمؤثرات المادية يأتي العامل الاقتصادي، الذي يشمل الموارد الاقتصادية والموارد الطبيعية، كالنفط والفحم والغاز والموارد المعدنية الأخرى التي تُعتبر عالمياً المواد الحياتية أو الموارد الاستراتيجية، حيث إن توافر هذه الموارد للدولة يوفر عليها الأساس المادي للنمو الاقتصادي، ويمكّنها من الدخول في علاقات خارجية مكثفة.
أيضاً هناك عوامل ومؤثرات غير مادية، وهي متنوعة، تكمن في شكل النظام السياسي، وطبيعة العلاقات السياسية الداخلية وإيديولوجيا النظام والروح المعنوية، وأهميتها في التفاعل بين الموارد المعنوية والموارد المادية، كما يشير الباحث إلى أن هناك عنصرين أساسيين في هذا المجال وهما الحضارة الفارسية وإيديولوجيا النظام الحاكم، مضافاً إلى الروحية والتوجه الوطني.

ثالثاً: مرتكزات النظام السياسي
لقد تنبه الكاتب في سرده لمقومات السياسة الخارجية الإيرانية، إلى الحديث عن مرتكزات النظام السياسي، باعتباره نظاماً فريداً وجديداً مؤلّفاً من سلوك أفراد ونظام يعتمد على أسس وقوانين ونمط معين في صناعة القرار بثلاث طرق هي:
- التركيز على العوامل والعناصر الداخلية المرتبطة بالمجتمع الإيراني.
- التركيز على العوامل الخارجية المرتبطة بالنظام الدولي.
- التأكيد والتركيز على مدى التقارب والانسجام بين العوامل الداخلية والخارجية.
ويأتي في مقدمة ذلك، الحديث عن طبيعة النظام الإسلامي ومشروعه، ورؤيته للقضايا الدولية والمصيرية، والقيم الجديدة التي يؤمن بها ويؤكد على إنجازها من خلال المفاهيم الإيديولوجية التي وضعها، وكيفية صنع القرار، والرؤى والأهداف واتجاهات القادة الكاريزماتيين والسياسيين، مضافاً إلى الخلفية التاريخية والثقافية والعقدية للمجتمع.
وتأتي في مقدمة ذلك، المرجعية الدينية وسلطة الفقهاء، إذ تعد من السمات الأساس للثورة الإيرانية الربط الوثيق بين الدين والسياسة، فقد ركّزت القوى الإيرانية الإسلامية منذ البداية كامل تركيزها على العامل الديني وعلى بيان شرعية المرجعية الدينية، وسارعت إلى وضع دستور مقترح مبني على هذا الأساس. ولا أحد ينكر، وفق الكاتب، أن كل ما يجري في إيران له طابع دستوري قانوني، وأن ثمة هيكلية دستورية دقيقة تحكم البلاد وما فيها من مؤسسات وتشرف على الترابط والتنسيق بين السلطات الثلاث، كما أن كل ما في هذه السلطات، بالإضافة إلى الولي الفقيه، يُنتخبون من الأمة. ولا شك في أن الإشارة المهمة هنا كانت إلى العقائد التي يقوم عليها النظام، بالإضافة إلى البحث في فكرة ظهور قطب مرجعي جديد في المجتمع هو الولي الفقيه الحاكم الذي يفرض تنظيم العلاقة والصلاحيات بشكل دقيق بين مرجعية الفتوى ومرجعية القيادة.
يلفت خامه يار إلى أمر هام جداً يؤثر في السياسة الخارجية الإيرانية، وهو كيف تجري إدارة الدولة، وفق مجالس المؤسسات الدستورية، حيث تتشكل الهيئة الحاكمة من السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية، وتعمل الأجهزة الرسمية تحت إشراف الولي الفقيه، وهي سلطات مستقلة، إذ تمارس السلطة التشريعية عن طريق مجلس الشورى الإسلامي الذي يتألف من النواب المنتخبين من قبل الشعب، فيما يتولى رئيس الجمهورية والوزراء أمر التنفيذ والإجراء، بينما تمارس السلطة القضائية عن طريق محاكم وزارة العدل. وعليه يدرس الباحث كيفية اتخاذ القرار في السياسة الخارجية من منطلق دراسة مؤسسات صنع القرار ودوافعه. فالدستور حدّد صلاحيات كل الجهات المسؤولة عن صنع القرار، وحدّد شبكة العلاقات بينها وبين سائر أجزاء النظام السياسي للدولة. وهو يرى أن فهم آليات صنع السياسة الخارجية يتوقف على فهم سائر المؤسسات المشاركة، وهي "القائد، مجلس الشورى الإسلامي، مجلس صيانة الدستور، مجلس الخبراء، مجلس تشخيص مصلحة النظام، السلطة التنفيذية والقوى غير الرسمية أي الرأي العام وجماعات الضغط والأحزاب والمنظمات السياسية".
رابعاً: الأهداف الأساسية في السياسة الخارجية
يتحدث الكاتب في الفصل الثاني عن الأهداف الأساسية في السياسة الخارجية للدول، حيث لا بد أن تتضمن السياسة الخارجية لدولة ما، مجموعة من الأهداف التي تكشف عن القيم والمصالح الأساس للدولة صاحبة العلاقة، ويكمن الهدف الأساس لصناع القرار في السياسة الخارجية في الحفاظ على المصالح القومية والوطنية، ويتجلى هذا المفهوم عند ارتباطه بالمحيط الخارجي، والأمور التي تصبّ في خانة هذه المصالح هي: الاستقلال، الدفاع عن النفس، وحدة الأراضي والحدود، الأمن والرفاه الاقتصادي.
ويشير الباحث إلى أن النظام الإسلامي، وإن كان يبحث في سياسته الخارجية عن أهدافه الخاصة في علاقاته الدولية وضمن إطار أساس يتمثّل في المصلحة الإسلامية العليا، فإنه يتمسك بشرعية الأهداف وطريقة الوصول إليها. وأهداف النظام تتلخص أيضاً بالتركيز على الاستقلال والحفاظ على الوحدة الوطنية، وهذه السياسة تقوم على:
-إلغاء كل أنواع الهيمنة
- إلغاء الخضوع لكل هيمنة
-حفظ الاستقلال الكامل للبلاد، المحافظة على وحدة الأراضي
-عدم الانحياز إلى القوى المتسلطة
- تبادل العلاقات السلمية مع الدول غير المحاربة.
ومن المبادئ الأساسية في الرؤية الإيرانية:
-دعم النضال المشروع لمستضعفي العالم
-الدفاع عن حقوق جميع المسلمين وقضاياهم
-حماية النضال المشروع لمستضعفي العالم
ومن أهم المبادئ المعتمدة في الجمهورية هو مبدأ اللاشرقية واللاغربية، الذي يُعد من السمات الأساسية التي اتسم بها النظام وسياسته الخارجية في مختلف مراحل التطورات السياسية، وقد شكّل هذا المفهوم العنصر الأهم في النظام الإسلامي الجديد.
خامساً: المراحل التي مرّت بها
لا يتوقف بحث خامه يار على الشق النظري، بل يتطرق إلى المراحل العملية التي مرت بها السياسية الخارجية للجمهورية الإسلامية منذ انتصار الثورة، وقد تحدث في الباب الثاني عن مراحل هذا التطور، حيث بدأت هذه المراحل الثلاث عشية انتصار الثورة لتنتهي ما بعد انتهاء حرب الخليج الثانية.
وتبدأ المرحلة الأولى مع انتصار الثورة وحتى بداية الحرب الإيرانية – العراقية، ومن خصائص هذه المرحلة أنها تزامنت مع مرحلة الهدف والبناء مجدداً مع الغليان الثوري، وصعوبة الانتقال من نظام ملكي إلى نظام جمهوري إسلامي، ومن النقاط المهمة كانت إلغاء المعاهدات والتحالفات العسكرية والسياسية في عهد الشاه، إلغاء قانون الامتيازات الأجنبية، إلغاء اتفاقية 1959 بين إيران وأميركا، قطع العلاقات الديبلوماسية والاقتصادية مع العدو الإسرائيلي وجنوب أفريقيا العنصرية حينها، سحب القوات العسكرية الإيرانية من إقليم ظفار جنوب سلطنة عمان، الانضمام إلى حركة عدم الانحياز، وتأييد حركات التحرر الإسلامية والمستضعفة.
المرحلة الثانية من مراحل تطور السياسة الخارجية، هي مرحلة حرب السنوات الثماني، حيث أثّرت الحرب الإيرانية – العراقية على اتجاهات الموقف الإيراني. فهي التي بلورت السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية على أساس مواقف الدول من الحرب، وعلى أساس تلك المواقف راحت إيران تحدد موقفها من الأنظمة السياسية في العالم. وتُعتبر هذه الفترة مهمة للغاية في تاريخ السياسة الخارجية الإيرانية، حيث بذلت إيران جهوداً كبيرة لفك الحصار الدولي عليها ولشق جبهة العدو من منطلق الحفاظ على الأمن الإقليمي لإيران.
كما يتحدث خامه يار عن العلاقات السورية الإيرانية، وأهمية هذه العلاقة للطرفين، وعن عناصر الموقف الإيراني تجاه سوريا، خاصةً إبان الحرب العراقية، ولم يفته التطرق إلى العامل اللبناني، فضلاً عن تطرقه إلى مؤتمر مدريد، ومن ثم غزو العراق للكويت، والتواجد العسكري الغربي في الخليج، وعملية عاصفة الصحراء، كما يتطرق خامه يار إلى علاقات إيران بالدول العربية، والقضية الفلسطينية، وعلاقات إيران الشرق أوسطية، والتعاون الإقليمي، وأمن الخليج.
خاتمة
يتضمن كتاب خامه يار البنية المفاهيمية للسياسة الخارجية الإيرانية بعد انتصار الثورة، ويدور البحث فيها عن المرتكزات الأساس للنظام، ويتناول الأهداف والمبادئ الأساس لعلاقاتها الدولية، مضافاً إلى كيفية وهيكلية صنع القرار في السياسة الخارجية. كما يتطرق إلى النظريات والرؤى المختلفة في السياسة الخارجية الإيرانية وعلاقاتها الدولية، بدءاً من الاتجاه القيمي المبني على العقيدة الدينية، والساعي إلى إقامة المجتمع الإسلامي، ومحاربة الاستكبار العالمي وإنقاذ الأمة من الفتن. بالإضافة إلى اتجاه بناء الدولة النموذج.
يُعد كتاب عباس خامه ‌يار جديراً بأن يتوقّف القارئ عنده بتمعّن، فمن يريد أن يقف على الثورة الإسلامية ونشوء النظام الإيراني ومبادئه وأطره، وكيفية صنع السياسة الخارجية فيه، يمكن أن يجد ما يريده في هذا الكتاب، نظراً إلى غزارة المعلومات ومراجعها، وأهمية هذا الموضوع، كونه يتحدث عن سياسة خارجية لجمهورية لها مكانتها الإقليمية والدولية، ولها تأثيرها الكبير في السياسة الإقليمية والدولية.

* باحث في العلاقات الدولية