في المناطق التي تمرّ بأزمات سياسية أو اقتصادية تكون اتجاهات التصويت أثناء الاقتراع عرضة لأكثر من قراءة، وهي تختلف باختلاف السياق الذي تجرى فيه العملية السياسية. لا يمكن مثلاً التعامل مع نتائج الانتخابات البرلمانية الأوروبية بالطريقة نفسها التي تعاملنا بها مع الانتخابات في مصر وسوريا وأوكرانيا، إذ يفترض أنّ المجتمعات في الغرب مستقرّة، وعلى درجة كافية من «التطوّر» الذي يجعل من الانتخابات، أيّ انتخابات عملية إجرائية فحسب.


الدولة هناك تعبّر عن «هوية وطنية» (ولو أنها تكوّنت عبر سياق كولونيالي وتوسّعي امبريالي) ناجزة، وتسخّر الأجهزة والمؤسّسات في سبيل «فرض» هذه «الهوية» على المواطنين، بحيث لا يشعر أيّ منهم بالاغتراب داخل الدولة، أو ينزع إلى التمرّد والانتفاض عليها كما يحصل الآن في أكثر من منطقة في العالم. يكفي أن تشعر بأنك تنتمي إلى دولة تسيطر على كامل أراضيها وحدودها مع الدول الأخرى وتمتلك موارد ضخمة حتى يخلق ذلك لديك ارتياحاً عاماً، ويجعل من عملية الاقتراع ومساءلة السياسات التي تقوم بها أمراً روتينياً. فالعملية الانتخابية تجرى هنا في ظلّ «أجواء طبيعية»، وفي وجود دولة تسيطر على كلّ التراب الوطني، وبالتالي لا تضطرّ إلى تأجيل الاقتراع أو إلغائه في بعض المناطق مثلما يحدث في سوريا (أو أوكرانيا). بكلام آخر، الدولة لا تواجه تمرّداً من أيّ نوع، وتفرض سياساتها على المواطنين انطلاقاً من حسمها المسبق لفكرة «الهوية». الاقتراع فيها لا يتطرّق بالمرّة (أو هكذا يبدو لنا) لفكرة القومية التي فرضتها الدولة بالإكراه والتوسّع العسكري، وإنّما يدور حول السياسات الاقتصادية والاجتماعية المنوي اتّباعها، وهذا فارق أساسي بين من يصوّت في فرنسا ضدّ الحزب الاشتراكي ومن يصوّت في أوكرانيا للرئيس الجديد المناهض للفدرالية مع روسيا. قد يرى البعض أنّ الانتخابات الأوروبية الأخيرة كانت مختلفة هذه المرّة، وأفرزت اتجاهات ليست ببعيدة من التشكيك الذي يحصل بالدولة وبقدرتها على حسم المسألة القومية وإدارة تناقضاتها، وهذا صحيح جزئياً. بمعنى أنّ الوضع في أوروبا لا يزال تحت السيطرة، وبمقدور الأحزاب التي جدّد لها احتواؤه ومنع تمدّده. على الأقلّ، لم تتطرّق الكتلة الناخبة علناً إلى ما تفعله هذه الدولة أو تلك بمفهوم السيادة، واكتُفي بانتقاد السياسات الاقتصادية المحابية للمؤسّسات النقدية الأوروبية. طبعاً، فهذا أمر لا يزال خارج النقاش، وان جرّبت أحزاب اليمين المتطرّف التطرّق إليه أحياناً، انطلاقاً من مفهوم كلّي للسيادة لا يستثني الاقتصاد من دائرته. الأرجح أنّ الأحزاب الصاعدة حالياً وعلى رأسها اليمين الفاشي ستبدي تمسّكها بكيان الدولة أكثر بكثير من ذي قبل، فهي تعتبر أنّ التخلّي عن السيادة الاقتصادية وبدرجة أقلّ السياسية لمؤسّسات الاتحاد الأوروبي هو السبب في الأزمة الاقتصادية الاجتماعية التي تعاني منها الدول الأوروبية، وتعتقد أنّ استعادة السيادة على القرار الداخلي كفيلة بحل كلّ التناقضات الناجمة عن الأزمة، بما في ذلك المسألة القومية التي بدأت تطلّ برأسها في اسكتلندا وبلجيكا.


من حسن حظّ
الامبرياليات في الغرب أنها تسمح لشعوبها بالاقتراع على السياسات الحكومية

في هاتين الدولتين المسألة أعلاه لها أولويّة على ما عداها، إلا أنها لم تتفاقم وتصل إلى هذا الحدّ من الاستقطاب المجتمعي لولا توسّع القاعدة الاجتماعية التي همّشتها السلطة وأحزابها الحاكمة بفعل السياسات الاقتصادية المتّبعة منذ عقود. بالطبع، لم تتعرّض هذه الكتلة المهمّشة اقتصادياً واجتماعياً للقمع المباشر كما يحصل الآن في شرق أوكرانيا ومصر وسوريا، ولكنها لم تعد تشعر بوجود الدولة التي يفترض أن تحميها وتؤمّن احتياجاتها، ولذلك يأخذ موضوع مثل الاستفتاء في اسكتلندا أبعاداً مختلفة عن سواه، على اعتبار أنّ الشعب هناك قد «قرّر الاستقلال» بناء على احتياجات ليست مطروحة على جدول الأعمال الأوروبي بعد. لنأخذ مثلاً الاستطلاع الأخير الذي أجرته صحيفة «صنداي تايمز»، وهو من بين جملة استطلاعات أجريت حديثاً، وخرجت «بنتائج متباينة». النتائج هنا تفيد بأنّ «غالبية» الاسكتلنديين يرون ضرورة الاستقلال عن بريطانيا، فبحسب الاستطلاع، أعرب 52% من الناخبين الاسكتلنديين عن تأييدهم استقلال اسكتلندا، وهم يرون ضرورة أن تدير اسكتلندا شؤونها بشكل مستقلّ عن لندن. قد لا تكون هذه العيّنة ممثّلة بالضرورة لغالبية اسكتلندية واضحة، غير أنها تعدّ مؤشّراً جدّياً على نزوع بدأ يتعاظم في أوروبا الغربية للتمرّد على الدول التي لا تعرف كيف تدير سياساتها الاقتصادية أو تناقضاتها القومية. المؤكّد أنّ هذه الدول - وهي في معظمها تنتمي إلى المنظومة الاستعمارية القديمة - لا تزال تنكر النزوع أعلاه، وتتعامل معه على نحو جزئي، فتزدري من جهة المطالبات الشعبية العارمة بالاستقلالية تجاه السياسات الاقتصادية الأوروبية، وتنكر من جهة أخرى حقّ تقرير المصير للأمم التي تشعر بالاغتراب تجاه القوميات التي استعمرتها وألحقتها عسكرياً بأراضيها. أعتقد بالفعل أن الطبقة السياسية هناك لا تدرك طبيعة المرحلة التي تمرّ بها أوروبا، فما يحدث في أوكرانيا يبدو لها بعيداً، ومحصوراً بالنزاع حول سياسات الغاز وموقع أوكرانيا بالنسبة إلى الغرب وروسيا. ولهذا فهي تعيش حالة إنكار، وتتصرّف على أساس أنها دول مستقرّة سياسياً وأمنياً، ولا تواجه تحدّيات من نوع ما يحدث في أوكرانيا. وحين تفعل ذلك فهي بالتأكيد تدفع بالمهمّشين سياسياً واقتصادياً وقومياً إلى مزيد من التصعيد، وفي هذا الوقت بالتحديد تستحيل معرفة الجهة التي ستصعّد، وان كان تصعيدها سيأخذ طابعاً سلمياً أم عنفياً. حتّى الآن لا يوجد في الأفق غير استفتاء الاسكتلنديين على الاستقلال وحقّ تقرير المصير في أيلول المقبل، وهو بكلّ المقاييس آلية ديمقراطية وسلمية، تماماً كالآلية التي استفتى بموجبها سكان دونيتسك ولوغانسك و...الخ على الاستقلال والانضمام إلى روسيا في 11 أيار الماضي. في الحالة الأخيرة عوقب المقترعون، وجميعهم مدنيون - ما عدا المسلّحين «المدافعين عن المدن» - بالقصف المركّز بأنواع الأسلحة كافة التي يمتلكها الجيش الأوكراني، وباستثناء روسيا صاحبة المصلحة المباشرة في التصعيد ضدّ الجيش وجرائمه لم يعترض أحد على العملية العسكرية الهمجية، وجرى تجاهل مطالبات الشعب بالاستقلال وحقّ تقرير المصير بدعوى أنها تفتقر إلى الشرعية. هذا الصّلف الامبريالي ليس جديداً على الأوروبيين ومن ورائهم أميركا ولكنه بوجود كتل اجتماعية عريضة تمارس الاحتجاج من الداخل، وتطالب مرّة بالاستقلال وحقّ تقرير المصير، ومرّة أخرى «بحلّ مؤسسات الاتحاد الأوروبي» يصبح بلا أثر، ولا تعود ممارسته ممكنة إلا في نطاق محدود. يمكن أن نطلق على هذا النطاق اسم أوروبا القديمة أو العجوز كما أسماها سمير أمين في حديث أخير إلى قناة «روسيا اليوم». أوروبا هذه لا تستوعب أنّها تعيش انتقالاً سياسياً، وأنّ الاحتجاجات سوف تصلها عاجلاً أم آجلاً، فنظامها لم يعد يعمل كما تتصوّر، والكتلة التصويتية التي فاجأتها في الانتخابات الأخيرة ليست اعتباطية، ولا تعبّر فقط عن أزمة مرحلية، وإذا بقي الاعتقاد سائداً بأنها كذلك، فسوف يفاجأ الجميع ليس بالانتخابات والاستفتاءات فحسب، بل أيضاً بالشارع الذي سيفرض هذه المرّة مواجهة مختلفة مع الدولة وأدوات قمعها.

■ ■ ■


من حسن حظّ الامبرياليات في الغرب أنها تسمح لشعوبها بالاقتراع دوريّاً على السياسات الحكومية، فهذا سلوك لا يعبّر عن الديمقراطية الصورية فحسب، وإنما أيضاً عن رسوخ المؤسّسات التي تسمح بتداول السلطة في حدود معينّة، وتترك للشعب حرية الاختيار بين السيّئ والأقلّ سوءاً. يحصل ذلك على الدوام، ومن دون اشتراطات مسبقة، فيبدو وكأنّ الناخبين يختارون بالفعل ممثّليهم إلى المؤسّسات المنتخبة، وحين يصل هؤلاء الممثلون إلى المكان الذي اختاره الشعب لهم يشرعون بمزاولة السلطة من موقع يحظى بقبول شعبي كبير. الديمقراطية هنا تسمح بالفعل برقابة لصيقة من الشعب على عمل السلطات، وهذا لا يتناقض مع استعمالها اقتصادياً كواجهة سياسية لعمل المصارف والمؤسّسات النقدية التي تحكم البلاد عملياً. إلّا أن الاستعمال أصبح مفضوحاً في الآونة الأخيرة وزاد عن حدّه كثيراً، وهو بالضبط ما جعل الناخبين يتصرّفون هذه المرّة على نحو مختلف. خشيتهم على الديمقراطية التي تتآكل أمامهم جعلتهم يغيّرون قواعد اللعبة، وينتخبون ممثّلين لا يعرف عنهم احترامهم للأحزاب التي تتداول السلطة فيما بينها منذ عقود. لنتذكّر فقط كيف تصرّفت الأحزاب تلك حين وصل اليميني المتطرّف جان ماري لوبين إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2002. حشدت حينها كلّ أصوات ناخبيها من اليمين واليسار لمنع الرجل من الفوز على منافسه جاك شيراك والوصول إلى قصر الاليزيه. كان هذا اختباراً مبكّراً لآلية عمل النظام، ونجحت «الديمقراطية الأوروبية» باجتيازه. في ذلك الوقت كان التراكم الرأسمالي يعمل جيّداً، وكانت الفوائض الناجمة عن عملية الإنتاج والاستثمار في الاقتصاد الحقيقي تسمح باستيعاب العاطلين عن العمل، ولا تتركهم من دون رعاية من الدولة. أصوات هؤلاء كانت تذهب في معظمها للحزبين المسيطرين على الحياة السياسية، والأرجح أيضاً أنّها ساهمت عام 2002 في إسقاط جان ماري لوبين. بدأت تتغيّر الأمور فقط عندما تخلّت الدولة عن تلك الشريحة، وأسقطتها من حساباتها. لم تتخلّ عن أفرادها فحسب، وإنما تركت الحريّة للمصارف (وخصوصاً في إطارها الأوروبي) كي تفعل ما تشاء بأموالها ومدخّراتها، فكان من الطبيعي أن تغضب وتصوّت لابنة جان ماري لوبين، وبالتالي تعطي الشرعية للحزب الذي كان عام 2002 عدوّاً للإجماع والغالبية والديمقراطية الفرنسية.
حتّى الآن لا يزال هذا الشكل من الاقتراع في إطار المسموح به، وهو بالتأكيد مرونة تسمح للنظام في أوروبا باستيعاب التغيّرات التي تطرأ على العملية السياسية باستمرار. غير أنّ الانتقال بالكتلة الاجتماعية الناقمة من ضفّة إلى أخرى بغية استيعابها لن يكون سلساً هذه المرّة، وسيسمح كما قلت باختبار القوّة الصلبة والمميتة داخل النظام. بهذا المعنى نفهم الكلام أعلاه عن أوروبا العجوز، ونعرف لماذا أصبح اليمين المتطرّف (مع الأسف) يمثّل في نظر كثيرين أملاً بالخلاص منها ومن مؤسّساتها. ومع ذلك، فإنّ الاحتجاج العنيف على الطريقة الأوكرانية ليس خياراً بالنسبة إلى هؤلاء، فهم يريدون الدولة، ولكنهم يعجزون عن مجاراة قطّاعها المصرفي، ولهذا السبب يلجؤون إلى الاقتراع كسبيل وحيد لتنظيفها وتخليصها من قاذوراتها. على أمل أن يفلحوا في ما فشل فيه آخرون.
* كاتب سوري