«2000 ق.م. كان التلاميذ البابليون يتمرّنون على حل مسائل حسابية تتعلّق بالفائدة المركبة. كانت تمارينهم المدرسية تطلب أن يحسبوا الوقت اللازم لكي يتضاعف دين بنسبة فائدة 1/60 شهرياً. الجواب هو 60 شهراً، كم من الوقت ليصبح أربعة أضعاف؟ 10 أعوام. كم من الوقت ليصبح 64 ضعفاً؟ 30 عاماً»

من كتاب «...واغفروا لهم ديونهم»، مايكل هدسون

رياضيات بابلية
بحسب مايكل هدسون، الكاتب والباحث المختص في قضية الديون، فإن البابليين حسبوا معدّلات النمو الطبيعي للاقتصاد الزراعي والرعوي، وفهموا أن هذا الاقتصاد يتبع ما يعرف اليوم بـ«S curve». وعليه، فهو لا ينمو بشكل تصاعدي مستمرّ بل يميل للتباطؤ في النهاية، وبمقارنة معدّلات النمو استنتجوا أن الديون تحتاج إلى إعادة ضبط، محو أو شطب دوري، لكي لا تسبق الاقتصاد وتخنقه. هذه الحكمة يتغافل عنها اقتصاديو اليوم ومنظّروهم الذين يصوّرون الغرق في الدين كأمر طبيعي. إذاً، عملية رياضية بسيطة، بالمقاييس المعرفية لعصرنا، أدّت إلى قرار منطقي وعقلاني سيادي من الدولة لضمان ضبط سرعة الاقتصاد المالي ليتماشى مع النمو الإنتاجي والاجتماعي.


يوثّق رقم المكتبات المسمارية التعاملات التجارية القديمة، بشكل دقيق وشديد الاحترافية، سعيَ طبقة التجّار والمقرضين الدائم للإقراض المفترس. لهذا، فإن التشريعات الرافيدينية تطوّرت بشكل تصاعدي لسد الثغرات التي لطالما حاول المقرضون استغلالها لإلغاء مفعول عملية إعادة الضبط وتحرير المقترضين من أغلال الدَّين وتفادي إجبارهم على التخلّي عن حرّيتهم مقابل سداد ديونهم. هذا لم يكن في مصلحة القصر أو المعبد اللذين كانا يديران مراكز إنتاجية تحتاج إلى يد عاملة مركزة ومحترفة، وهما بحاجة إلى غالبية سكانية من الأحرار القادرين على إعالة أنفسهم وعائلاتهم من خلال زراعة الأراضي، في المقابل على هؤلاء الخدمة في الجيش والبناء في الفترة ما بين الغرس والحصاد. هنا أسطورة أخرى يفنّدها الكتاب، فالآثار الضخمة للعصر البرونزي لم تبن بالعبودية، بل على العكس كانت ثمرة عمل تشاركي لمواطنين أحرار مكتفين ذاتياً بفضل الأرض التي تمنحهم إياها الدولة لإعالة أنفسهم وعائلاتهم بكرامة، ولم يكن هناك من طريقة لاستعباد هؤلاء وسلب أرضهم بغير الدَّين، وبتفشّيه تخسر الدولة عديد جيشها بالعبودية وبالهجرة للهرب من الديون.
هنا يكمن الرادع الرئيسي ومحور الصراع بين الدولة والأرستقراطية. وهكذا فإن الدولة في وقتها وجدت أنه من مصلحتها تحرير مواطنيها بشكل دوري، في بداية عهد ملك أو حاكم وفي الأعياد الدينية وخلال مواسم القحط والجفاف والكوارث، يعفى السكان من ديونهم. وبهذا المعنى فإعادة الضبط هذه هي ناجمة عن قرار سيادي للدولة، ترسم فيه الحدود لحرّية التجارة والإقراض بيد غير خفيّة حتى تمنع تركيز وتراكم الثروة الفاحش والاستقطاب الطبقي الحاد في المجتمع. لم تكن العملية ثورية ولا حتى إصلاحية، بل أمراً تقليدياً طبيعياً وبديهياً للحفاظ على النمو الطبيعي للمجتمع واقتصاده الذي تعدّ حرّيته المطلقة على نقيض من حرّية الأفراد. هنا يؤسّس هدسون العلاقة الجنينية بين الديون والعبودية، وكما سنبيّن لاحقاً بينهما وبين الاستعمار.

العفو وماهيّة الدَّين
كان الدَّين ما بين الفرد والدولة عبارة عن رسوم وضرائب وثمن بذار يؤجّل دفعها لموسم الحصاد المقبل، وهذه من السهل شطبها لأنها عائدة للدولة، وكذلك الأمر للديون بين الأفراد، الذين قد تكون ديونهم عبارة عن وصل يسلّمه حرفي استلم المواد الأولية من زبون، يتعهّد فيه بتسليم البضاعة في وقت محدد في المستقبل. هنا إذاً المستهدَفون الرئيسيّون هم المواطنون الذين تتشكّل غالبيتهم من المزارعين، ولأن الزراعة عملية تتضمّن مخاطرة عالية بسبب التقلبات المناخية وغيرها فإن إعادة الضبط هو نوع من ضمان الربح حفاظاً على النمو. في المقابل اخترعت الفائدة في المجتمع الرافديني كضمان الربح مقابل المخاطرة التجارية التي كانت تتشارك فيها الدولة في عملية الوصول بالقوافل والسفن إلى الهند والمتوسط. هذه أيضاً خضعت للشطب في الظروف الخاصة، مثل القرصنة أو غرق السفن. ما لم يعف عنه أو يشطب هو القروض التجارية الداخلية.

«تطهير الهيكل»، ألكسندر سميرنوف (روسيا - 1947)

يطرح هدسون فكرتين مهمّتين. الأولى، أن فائدة القروض بين التجار والأفراد لم تستخدم لذاتها، بل كوسيلة لتعرية المدينين من مصادر دخلهم (هناك نصوص تشريعية في عصور مختلفة تمنع سداد الدين باستخدام وسائل الإنتاج، فتمنع من خسارة المزارع لأرضه، والعامل لأدواته، وهكذا...) وذلك تمهيداً لدفعهم إلى التعثّر للاستيلاء على أرضهم وتحويلهم لعبيد. والفكرة الثانية، والأهم هنا، هي أن العفو الدوري للقروض شكّل رادعاً يقلب الطاولة على الدائن، فيصبح هو في دائرة الخطر والمقامرة بخسارة كل شيء في حال حلّ العفو، لماذا سيخاطر ويورّط فلاحاً بسيطاً بديون كبرى إن كان هناك عفو في الأفق؟ هكذا يتم إقصاء الدين المفترس من الساحة ويبقى الدين مجرّد أداة لتسهيل التبادل التجاري.
ما دفع هدسون للغوص في أركيولوجيا الاقتصاد للعصر البرونزي هو تجربته الشخصية. إذ لحظ في بدايات عمله المصرفي في بنك مانهاتن أن هندسة القروض للعالم الثالث تُصمّم لكي لا تستطيع الدول سدادها ودفعها للإفلاس في النهاية وبيع أصولها ومواردها وسيادتها. يقول في إحدى المقابلات «لقد كان علينا أن نحدّد قيمة الدين الذي يجب إعطاؤه لدولة ما بحيث يستولى على كامل دخلها القومي». هذا النمط من الإقراض مؤهّل ببساطة لأن يصنّف كدين بغيض، يعفي المقترض من سداده، السابقة التاريخية في هذا المفهوم ليست لثوريين كتوماس سانكارا (الذي اغتيل بعد دعوته الدول الأفريقية الامتناع عن السداد في جبهة موحدة) بل تعود لبريطانيا وأميركا في مغامراتهما الاستعمارية في القرن التاسع عشر، عندما وجدتا نفسيهما مضطرتين لسداد ديون جنوب أفريقيا، وكوبا وتكساس، وقتها فقط بَغُض الدَّين وشرّ دفع الديون!
تجربة لاحقة قادت هدسون لهذا البحث. ففي عام 1980، عندما عمل مستشاراً في مؤسسة الأمم المتحدة للتدريب والأبحاث، وحذّر من مساوئ القروض المفترسة والبغيضة التي أخضعت لها دول العالم الثالث، وأنها وجدت لدعم العجز التجاري، وأن التعديلات الهيكلية من تقشّف ورفع نسبة الفائدة والخصخصة بالتأكيد ستؤدّي إلى تدهور اقتصادي أشد حدّة وستقود العالم إلى حرب طبقية حادة، لذلك، وفي اجتماع لتتويج عمل المؤسسة في المكسيك، أعلن أن دول العالم الثالث ستضطر قريباً لإشهار إفلاسها، فاندلع الشغب في القاعة، ليس لأن مصرفيي وول ستريت تفاجأوا بهذا «الخبر». فهُم، برأيه، يعرفون ذلك تمام المعرفة، ولكن ينكرونه وينكرون معرفتهم به خدمةً لمصلحتهم. فالإفلاس غاية الدين وليس نتيجته المؤسفة وغير المتوقعة. وعليه، غادر الأخير مع زملائه احتجاجاً على الرقابة التي شوّهت كلمته ومغزاها، وفي الوقت الذي لحقه ممثّلو العالم الثالث وروسيا، أعلنت المصارف الإيطالية التي دعمت المؤسسة بأنها ستسحب دعمها إذا ما لاح في الأفق أن الديون لا يمكن سدادها. هذه الحادثة التي يذكرها هدسون في هذا الكتاب، وكتب أخرى مثل «الإمبريالية الفائقة» (Super Imperialism) و«قتل المضيف» (Killing the host)، لفتت انتباهه مدى استهجان فكرة شطب الديون في عالم اليوم وكم تبدو ضرباً من الخيال والهرطقة. لذلك، أمضى عقوداً في البحث مع مؤسسات ومراكز متعدّدة للاستدلال على أن غير الطبيعي هو تقديس الدَّين وإجبارية دفعه، وأن التاريخ مليء بالأدلة والشواهد على أن الأصل هو شطب الديون.

خصوصية الرومان
كتب نيتشه في «جينالوجيا الأخلاق» أن أخلاق القوة والوحشية والعسكرة والأخذ باليد هي أخلاق رفيعة وسمّاها «أخلاق الرومان». أمّا التعاطف والتسامح والتسامي لدى المسيحية، فاعتبرها أخلاق عبيد منحطّة. لم يكن ذلك من باب مناهضة العبودية بالمناسبة، ففي النص نفسه يؤكد الفيلسوف الإنساني على أنه لا وجود لحضارات عظيمة من غير عبودية. هذه القراءة، بالطبع، تمثّل سرديّةً أيديولوجية أورومركزية تصرّ على رؤية التاريخ البشري بمسار خطّيّ تطوري، للتقدّم فيه مسارُ واحدٌ محتوم. أمّا في قراءة هدسون ومقارنته للمنظومة الاقتصادية للعصر البرونزي في الرافدين مع مثيلاتها للعصر الكلاسيكي الأوروبي، تُعكس الآية ويجد أن الأركيولوجيا تؤكد أن الابتكارات والتشريعات رفيعة المستوى كانت سائدة في بلاد الرافدين منذ الألفية الثالثة قبل الميلاد، وأن المؤسسات «السيادية» ضمنت أن يتمّ تفعيل هذه البنى في المجتمع بشكل متوازن يضمن النمو على المدى الطويل. يفصّل الكاتب، مع مجموعة كبيرة من الباحثين في كتابٍ بعنوان «The invention of enterprise: entrepreneurship from ancient Mesopotamia to modern times» فرادة وتقدّمية المنظومة الاقتصادية للعصر البرونزي وأن المنظومة الاقتصادية الكلاسيكية «الأوروبية» تعتبر متخلّفة ورجعية مقارنة بها.
إن النموذج الاقتصادي الكلاسيكي تجربة ريادية لاقتصاديات «دعه يعمل» (laissez faire)، فيها استبدلت فكرة الزمن الدائري أو الدورات الزمنية، بزمنٍ خطّيّ، تراكم فيه الثروة بيد القلّة، والاستقطاب الطبقي يصل إلى أقصاه في نمو اقتصادي قصير المدى بشكل لا يمكن العودة منه. تخلّصت الأرستقراطية من الحكام كحاجز أخير بينهم وبين نهب المجتمع واستعباده، وبذلك قضوا على تقليد العفو وما ينتج منه من توزيع عادل للثروة. هنا يقول هدسون إن فكرة ملكية الأرض «العصرية» ابتكرت، فالدين هو الذي حرّر الأرض من قبضة المجتمع، وسلّمها للدائنين وقيّد رقاب الفقراء في يد التجار.
بدأ هذا النموذج عندما انتقلت الابتكارات التجارية والمالية والنقدية من ديون وضبط الأسعار ونقد وفائدة وصك عملة معدنية، إضافة إلى «starter package» حضارية من كتابة وبناء وتخطيط مدن، إلى الإغريق والرومان بين القرنين الثاني عشر والسابع قبل الميلاد، عبر الفينيقيين، إلى شعوب لم تمتلك المؤسسات السيادية المركزية التي تضمن توازن النمو الاقتصادي والمالي. وهذا التبنّي المبتور والمتفلّت للدين والفائدة تسبّب في الاستقطاب الاجتماعي الحادّ بين الأرستقراطية الأوليغارشية مقابل عموم الشعب. وحرصت هذه الطبقة على شن الحرب وقمع أي محاولة لإعادة توزيع الأراضي؛ تعطّلت التجارة، ووحدهم أصحاب العقارات استطاعوا حفظ ثرواتهم، أمّا الصناعة والحرف فانحسرت داخل أملاك الأرستقراطية في الأرياف لكي يشطبوا النقل من فواتيرهم، وهو أعلى الأكلاف. وهؤلاء شكّلوا في العصر الروماني المتأخّر بذور الأسياد الإقطاعيين، وبالنتيجة انهارت الحياة في المراكز الحضرية (هذه ظاهرة يمكن مقاربتها اليوم مع الأحياء الثريّة المسوّرة والضواحي الإقصائية، عندما تنتهي عملية النهب وينحسر الإنتاج وتتركّز الثروة، لا يعود هنالك من داعٍ لتواجد الفقراء والأغنياء في مكان واحد، أي في المدينة، يأخذ الأغنياء معهم كل وسائل الراحة إلى معازلهم الحصرية). علاوة على كل هذا، تمكّن الأغنياء من التملّص من الضرائب الإمبراطورية، ما زاد العبء على النشاط التجاري. هيمنت القرصنة من جديد، ومع تدمير المجتمع نفد خزّان الجيش، فلجأ إلى المرتزقة. اضمحلال خزينة الدولة دفع ماكسيموس لأن يقوم بمصادرة كل ما زيّن المدينة ومرافقها العامة من معدن وإذابته لصك العملة، ودفع غالينوس لخفض نسبة الفضة في العملة من 15 إلى 2 في المئة خلال 8 سنوات.
يفصّل هدسون ويسهب في تفسير العهدين القديم والجديد ليؤكد جوهرانية مغفرة الديون دورياً في الديانتين


كل هذا لم يمنع الأرستقراطية من استهلاك الكماليات المستوردة، لهذا فإن نهب المستعمرات أصبح ضرورة لتأمين المعادن والمنتجات والمزيد من العبيد والجنود. وهكذا أصبح الغزو والنهب سمة علية القوم، وأصبح العمل رذيلة وانحطاطاً (يتحدّث حنا بطاطو عن ظاهرة مشابهة في تصنيفه لبدو العراق، فهم بين البدو المزارعين في أدنى السلم الاجتماعي، والبدو الرعاة في الوسط، أمّا في قمّة الهرم الاجتماعي تسيّد البدو مربو الجمال المقاتلون الذين كانوا يتضمنون جباية الضرائب، هؤلاء اعتبروا الزراعة والعمل رذيلة ومنقصة وأن الغزو والقتال من مكارم أخلاق علية القوم). وكنتيجة لهذه العقلية، فإن النخبة الرومانية كلّها أصبحت تستثمر وتعتاش على العنف ضد الآخرين وضد بعضها البعض، وهو ما أدّى في النهاية إلى سقوط روما. هذا ما يوثّقه المؤرخون المعاصرون واللاحقون. وبتعبير الكاتب، فإن «البرابرة» كانوا دائماً على الأبواب، ولكن لم يستطيعوا الدخول إلا عندما ضعف المجتمع ومرض. وصمود القسطنطينة في الشرق 500 عام إضافية يؤكد ذلك، لأن حكامها قاموا بإحياء التقاليد المشرقية بالعفو الدوري، وإعادة الحق لصغار الملاك بالعيش من أرضهم، وإلغاء استحواذ الأغنياء بأشكاله كافة. ويضيف الباحث أن القاسم السياسي المشترك بين بلاد الرافدين والبيزنطيين، هو الصراع بين الحكم المركزي وبين العائلات الغنية ذات النفوذ، وأن الخلل في إدارة الدولة للعمليات الاقتصادية تسبّب دائماً في الاضطرابات الاجتماعية والسياسية وانهيار الدولة. إذاً، العلاقة لصيقة بين «دعه يعمل» وبين العبودية والأوليغارشية والاستعمار. في عدّة مناسبات يضع هدسون روما أمام المرآة لكي تنعكس لنا صورة أميركا اليوم.
تنقض أبحاث القراءةَ الأيديولوجية لتاريخ الدَّين الاقتصادي الاجتماعي بشكل عام، فهي أكبر من مجرّد انحياز معرفي، إنها تأريخ منقح بشكل متطرّف. لم يكتشف هدسون تقاليد دفينة في اللغة المسمارية، فجميعنا نعرف حجر الرشيد كما يقول، لكن غالبيتنا لا تعرف موضوعه الذي هو توثيق لتقليد شطب الديون قام به ملك بطلمي في بداية عهده، ويتعجّب من عدد المتاحف التي تعرض مجسّمات لديناصورات تجوب الأرض بجانب البشر لتكريس «حقيقة» الخلق في 6 أيام، بينما يتم التعامل مع أي ذكر لقضية عفو الديون في العهدين القديم والجديد على أنها مسائل رمزية غير عقلانية أو عملانية ولا يجب التوقّف عندها أو اتباعها. وفي تجربة هدسون التعليمية تأكيد آخر، فهو يقول إن النظريات الاقتصادية التي تلقّن للطلاب بعيدة كل البعد من العلم ومكانها الصحيح هو في عالم الأدب، والطريقة الوحيدة ليصدّقها الطلاب هي التركيز على تعليمها كحقائق كونية وإهمال تدريس التاريخ الاقتصادي الذي سيثبت كذبها ببساطة.

أخلاق اللصوصية
أخلاقيات إظهار الثروة لدى أرستقراطية العصر الكلاسيكي مثيرة للاهتمام. إذ تم احتقار العمل والإنتاج، وأوكلت التجارة والأعمال للغرباء والعبيد المحرّرين، مما زاد من احتقارها، واعتبر النبلاء هم أصحاب الأملاك الذين يعتاشون باكتفاء في إقطاعياتهم ومن غنائم الحرب. ومع الوقت اشتد الربط بين المحلي النبيل صاحب الأرض والأجنبي الوضيع، بخطابات كاتو، مثلاً، نلتمس الرابط الجنيني بين الوطنية الفاشية وهذا النمط من الاقتصاد. ومن الأتيكيت الأرستقراطي أيضاً في ذلك الوقت ادعاء سترة الحال والتكتم على الثروة، وهذا أهم أسباب ندرة الوثائق التجارية الكلاسيكية، فالكل كان يمارس التجارة والإقراض المفرط بالسرّ مما أدى إلى أتيكيت آخر لضمان الكتمان وهو الإقراض والربح خارج مناطق السيطرة الرومانية (إضافة لأعمال القرصنة والغزو والنهب الأكثر نبلاً)، في شكل مبكر من السرّية المصرفية. المفارقة أنهم هم الذين دكوا كل الحصون السيادية في وجه التجارة الحرّة، وهم الذين احتقروها واحتقروا العمل ومراكمة الأموال ككل. كأنهم يعترفون بأن مقداراً معيّناً من الثروة لا يأتي بلا دنس.

الديون ومشعل الحرّية في أميركا
صدى الماضي يتكرّر هنا، ومنه أن الطبقة الأوليغارشية، منذ أيام الإغريق، هي «عالمية» عندما تقتضي مصلحتها بذلك، ولا تمانع استجلاب الاحتلال الأجنبي لتفادي التخلّي عن مكتسباتها. ولكن أطرف صدى هو أن تختار نخبة دافوس مصطلح إعادة الضبط الكبير (The great reset) لرؤيتها المستقبلية، رنين هذا مع إعادة الضبط القديمة فيه نشاز حاد لأن مفهومهم لمحاربة الفقر مالثوسي على شاكلة ما قاله أحمد فؤاد نجم: «حتقلي الفقرا ومشاكلهم، دي مسائل عايزة التفانين، وأنا رأيي نحلّها طوالي ونموّت كل الجعانين». إن عملية شطب الديون الدورية مبطّنة في الكثير من الرموز الوطنية الأميركية، أحدها المشعل الذي تحمله السيدة الواقفة قبالة شواطئ منهاتن، فهو بالأصل يرمز إلى تحرير الشعب من عبء الدين. هناك نص بابلي مثلاً يتكلّم عن إعلان عفو الديون، بإشهار الحاكم المشعل الذهبي. أمّا في روما، فإن هادريان صك على العملة صورته وهو يحمل مشعلاً يحرق فيه سجلات الضرائب الرومانية، التي لم يتمكّن من شطب غيرها، فبقية الديون تعود للأوليغارشية المتغوّلة. إذاً الحرّية الحقيقية هي لهؤلاء، وهذه السيدة الحاملة للمشعل تحرس حرية «الاقتصاد الحر» المؤدّي حتماً إلى عبودية الأفراد، هكذا يستعير التمثال رموز التحرّر ليسبغها على عملية الاستعباد والتزوير الكبير.

إن عملية شطب الديون الدورية مبطّنة في الكثير من الرموز الوطنية الأميركية، أحدها المشعل الذي تحمله السيدة الواقفة قبالة شواطئ منهاتن


بين الدِّين والدَّين
«يسوعكم باراباس»، تعبير يستخدمه الباحث منير العكش، ويقارب فيه دين أميركا الاستعماري الرأسمالي، فيقول إن اختيار يسوع باراباس اللص والقاتل على يسوع المخلص لتحريره من حكم الصلب الذي سينفذه الرومان، يدلل على تفضيل المال والجريمة على الخلاص. بهذا المعنى فرسالة المسيح قد سرقت وشوّهت من قبل ترويكا الفرّيسين (المصارف)، والرومان (الاستعمار واليوم تمثّله أميركا) والسلطة الدينية الفاسدة (هي اليوم ذاتها) الذين أعلن الثورة ضدّهم لينفّذ مشيئة الرب «على الأرض كما في السماء» بتحرير الناس من الدَّين والعبودية ويعلن أن الفقر كافر. يفصّل هدسون ويسهب في تفسير العهدين القديم والجديد ليؤكد جوهرانية مغفرة الديون دورياً في الديانتين، ويشرح كيف أنها انتقلت من بابل إلى اليهودية خلال السبي وكيف يسجّل العهدان معارك مستمرة ضد عودة الدائنين إلى أساليبهم القديمة. في إحدى محاضرات قسام معدي عن الثورة الساندينية ولاهوت التحرير، يقول على لسان والدته الكولومبية وهي تردّ على منّة الاستعمار بنشر الدين المسيحي، بقولها: «انتو جبتولنا إيّاه خربان بس إحنا صلحنالكم إيّاه!». كذلك يتكلّم هادي العلوي في «مدارات صوفية» عن النكسة التي أصابت التصوّف عندما تحوّل من حركة قاعدية متمرّدة وثورية منحازة للفقراء، إلى حركة دروشة طقسية شكلية تتواطأ مع السلطة الحاكمة الظالمة. وهو أيضاً يرى أن على الماركسيين العرب العودة إلى تراث التصوّف الثوري.
أكثر من أي وقت مضى يبدو المسيح في لبنان مخلّصاً أرضياً قبل أن يكون مخلّصاً روحياً. وفي أجواء ميلاده المكفهرة نتيجة نهب المصارف تحت غطاء رجال الدين وخدمتهما للاستعمار لا بد من ذكر حقيقته وحقيقة ثورته. ولنذكر أيضاً أن الترويكا تسرقنا بالدَّين وتسرق الدِّين لتقنعنا بأنها مشيئة الرب، فلنذكر هذا «عند الصباح وبعد المساء، ويوم الأحد»!

* باحثة عربية