لا يوجد أفضل من الوقت في كشف زيف المواقف السياسية التي تستتر خلف روايات إعلامية مثيرة للعواطف، وتقدم مغالطات منطقية. حالة مثالية هي المواقف السياسية التي برّرت ودعمت التدخل الأجنبي في بلد عربي متمثلاً بالحظر الجوي الذي فرضه حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا لـ«مساعدة» الانتفاضة التي انطلقت مع انطلاقة الربيع العربي ضد الحكم الاستبدادي للعقيد معمر القذافي.


إذ سوّق أصحاب هذه المواقف حجة «حاجة» الثورة الليبية «الشجاعة» إلى دعم خارجي لكي تنتصر، لأنها تحولت إلى ثورة مسلحة في مواجهة كتائب نظامية تستهدف المدنيين. اتخاذ هذا الموقف من مثقفين يساريين كانوا يعارضون حرب الخليج الأولى والاحتلال الأميركي للعراق استوجب اختلاق اسطورة تفرق بين الغزو البري والتدخل المتمثل في منطقة حظر جوي (يحلو لمروجي هذه الأسطورة تجاهل القوات الخاصة التي وجدت على الأرض خلال أشهر القصف على ليبيا).


بدل أن يُسلط الضوء
على دور الاستعمار في مأسسة الطائفية يُستدعى التدخل «لحماية الطوائف»

قبيل الغزو الأميركي للعراق عام ٢٠٠٣، ألقى عالم الجغرافيا والاقتصاد السياسي البريطاني ديفيد هارفي سلسلة من المحاضرات المهمة يلخص فيها أطروحة تقدم نوعاً مميزاً من الإمبريالية يسميه الإمبريالية الرأسمالية، وتشمل منطقين يبدوان متناقضين بداية لكنهما متداخلان. الأول هو المنطق القُطري للقوة وهو الذي يكون فيه رجل الدولة محدوداً بدائرة جغرافية معينة تمثل حدود دولته، ويأخذ سعيه لتأكيد نفوذه شكل العلاقة بين دولة في مقابل دولة، ويكون مقيداً بالقوة العسكرية والمالية لدولته. الثاني هو المنطق الرأسمالي للقوة وهو غير محدود بالزمان ولا المكان، وسعي الرأسمالي لتوسيع نفوذه - التراكم البدائي لرأس المال كما يسميه كارل ماركس - فيه مدفوعٌ بالعائد الفردي حصراً ولا يأخذ شكلاً معيناً كالذي يحصر فيه رجل الدولة. عدم تطابق هذين المنطقين هو ما يفسر اختلاف الفعل الإمبريالي الأول في العراق ٢٠٠٣ عن الثاني في ليبيا في ٢٠١١.
تاريخياً، لم يكن تأثير الإمبريالية الغربية بشكل ما (بعد) الاستعمار مقتصراً على الغزو البري، إذ تتنوع أشكال النفوذ الأميركي بين الوجود العسكري المباشر عن طريق القواعد العسكرية والأساطيل البحرية كما في الأسطول الخامس في البحرين والسابع في اليابان وكوريا الجنوبية، أو الاحتلال كما في أفغانسان والعراق، أو المساعدات المالية لتثبيت الأنظمة الحاكمة كما في المساعدات المقدمة للجيش المصري. أما في الوقت الحالي، فإن التغير الذي حدث بعد ولاية بوش لا يتعدى تغيير وسائل النفوذ الموظفة، فقد اتضح أن التكلفة البشرية والمالية العالية لاحتلال واسع النطاق كالذي نُفّذ في العراق وأفغانستان عالية جداً، ولا يمكن للحكومة الأميركية المضغوط عليها محلياً بسبب نفقاتها أن تحافظ على مستوياته. استعاضت إدارة أوباما عن الاحتلال واسع النطاق بالعمليات العسكرية «الجراحية»، والتوظيف الواسع للطائرات من دون طيار، في وقت استمرت بالدعم والتنسيق المباشر مع حلفائها في نقاط نفوذها الحرجة. هنا يتحكم المنطق القُطري للقوة في اتخاذ القرار، حيث يجد رجل الدولة نفسه محدوداً بالقوة المالية المتهاوية لدولته، وغير القادرة على تحمل حرب برية واسعة النطاق، ويُستعاض عنها بقوات جوية ودعم لوجيستي. فوق كل هذا، لم يكن التدخل الأجنبي مقتصراً على فرض منطقة حظر جوي، فقد قامت وكالة الاستخبارات الأميركية بإرسال رجلها الأول الضابط خليفة حفتر بعد أن قضى ما يقارب ٢٠ عاماً في ضواحي ولاية فرجينيا، لتشكيل ما سيسمى لاحقاً بـ«الجيش الوطني الليبي» بعد أقل من شهر على بدء الانتفاضة الليبية (يبدو أن الصدفة المحضة هي التي جعلت حفتر نفسه قائداً لـ«الانقلاب» على المجلس الوطني الليبي الشهر الماضي).
الأثر المدمر للتدخل العسكري لحلف شمال الأطلسي
بعد ثلاث سنوات على التدخل، اتضح تهافت هذه الحجج، فلا الحظر الجوي منع سقوط الضحايا المدنيين ولا هو أسهم بتقصير أمد الصراع أو تقليل عدد ضحاياه، بل على العكس من ذلك، فهو بعد أقل من ٨ أشهر من ابتدائه، ضاعف عدد الضحايا عشر مرات، ويبدو أن عداد الموتى أصبح يحمل أرقاماً أكبر من أي وقت مضى.
في يناير/ كانون الثاني ٢٠١١، أعلن الجيش الفرنسي بدء القيام بعمليات عسكرية في شمال مالي بحجة سيطرة مقاتلين إسلاميين يتبنون فكر القاعدة على قرية كونا التي تبعد ٦٠ كيلومتراً عن مطار سافاري العسكري بعد إخراج الجيش المالي من القرية، ليمثل هذا التدخل حلقة جديدة من مسلسل التدخل الفرنسي في غرب أفريقيا في مستعمراتها السابقة، وهو تدخل لم ينقطع منذ انتهاء الاستعمار.
الحجج التي ساقتها الحكومة الفرنسية لا تختلف كثيراً عن سابقاتها وشبيهاتها الأميركية: التدخل جاء لحفظ الاستقرار والأمن العالمي المهدد من قبل المقاتلين المتطرفين المتمثلين هذه المرة «بالدولة الإسلامية في المغرب الإسلامي».
لكن نظرة معمقة على الصراع في مالي تُظهر بشكل لا يقبل الشك أن التدخل الأجنبي هو العامل الرئيسي في اللااستقرار الذي يشهده الساحل الأفريقي والصحراء الأفريقية. خلف الكليشيهات التي يسوقها الإعلام الغربي عن الإسلاميين المتشددين، تقف حركة تقرير مصير يقودها مجموعة من الطوارق في وجه دولة ما بعد الاستعمار التي نالت «استقلالها» عام ١٩٦٢، وهي التي ما فتئت فرنسا تدعمها عسكرياً واقتصادياً في وجه هذه الحركات، وصعّدت أميركا من دعمها بعد بداية ما يسمى بـ«الحرب على الإرهاب». الجديد فقط هذه المرة أن الطوارق (الحركة الوطنية لتحرير أزواد) شكلوا تحالفاً مع القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي ليؤمنوا قبضتهم على شمال مالي.
فوق ذلك، إن اللااستقرار المتصاعد في الغرب الأفريقي لا يحتاج إلى أن نعود به للاستعمار الفرنسي حتى نرسم صورة دقيقة لمسبباته. هناك حدث يوازيه بالأهمية نفسها قلب الموازين الإقليمية يتمثل في تدخل حلف شمال الأطلسي في الانتفاضة الليبية على حكم العقيد معمر القذافي. في تقرير صحافي نشر في ٧ فبراير/ شباط، توثق صحيفة «نيويورك تايمز» كيف أن  السلاح المتدفق من مخازن النظام القذافي أعاد إحياء القتال في مالي بشكل غير مسبوق. تحد ليبيا مباشرة جمهوريتي النيجر وتشاد وهي بدورها تحد دول: مالي وبوركينا فاسو وشمال السودان ونيجريا، وهي دول فاشلة لا تستطيع أن تضبط حدودها. النتيجة المنطقية هنا تدفق لا محدود من مخازن أسلحة القذافي إلى دول هشة، بما ينبئ بنتائج كارثية (لم يقتصر نقل السلاح على الغرب الأفريقي، حيث اعترضت السلطات اللبنانية سفينة محملة بالأسلحة كانت متجهة لسوريا، ما يعني أن التدخل كان من أسباب إطالة أمد الحرب الأهلية المدمرة فيها). أمام هذه العلاقات السببية بين التدخل الأجنبي واللااستقرار، لا يستحوذ على الإعلام سوى صور خطف «جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد» (بوكو حرام) للطالبات النيجيريات. نحن أمام حلقة مفرغة تستديم «بأعراض جانبية» للتدخل الأجنبي، حيث لكل تدخل «عواقبه غير المقصودة». أمام هذه العلاقة المباشرة بين الفوضى والتدخل، يطرح الليبرالي التدخلي «liberal interventionist» (وضمن هذا التصنيف يدخل العديد من المثقفين الإسلاميين الذين مُسِخُوا إلى ليبراليين في خدمة المحافظين الجدد -سابقاً- وحلف شمال الأطلسي) علاج الأعراض الجانبية بجرعات من الداء. بهذا المنطق: بدل أن يلام تدخل حلف شمال الأطلسي على فوضى السلاح، تعزى مشكلة فوضى السلاح إلى عدم تدخله بشكل أكبر للسيطرة على السلاح (عبدالفتاح السيسي - بطل القوميين المصريين والشوكة في خصر الإمبرالية الأميركية عن طريق تلقي مساعداتها المليارية سنوياً - حلل مشكلة ليبيا بوضوح: كان على أميركا وفرنسا أن تكمل مهمتها بجمع السلاح - باحتلال على أغلب الظن على شاكلة العراق -  بدل أن تكتفي بقصفها). بدل من أن تلام فرنسا على دعم الأنظمة التي تقمع حركات تقرير المصير، بما يؤدي لنشوء حركات «التطرف»، تظهر الدعوة إلى مزيد من التدخل الفرنسي لكبح جماح حركة التمرد. بدل من أن يُسلط الضوء على دور الاستعمار في مأسسة الطائفية، يُستدعى التدخل الأجنبي «لحماية الطوائف».
لكن هذه اللوثة الليبرالية في طرح مزيد من التدخل كحل للتدخل لم تقتصر على التدخليين الليبراليين ومن مُسِخَ من الإسلاميين، بل امتدت إلى مثقفين يساريين التحقوا بركب المشروع القَطَري الحالم بنفوذ مقابل الجارة اللدود. في خضم الفوضى التي سببها التدخل، يستسهل المثقف الذي سئم الاستبداد أن يلقي بكل اللوم عليه، فتصبح مغامرات القائد المهرج سبب كل مصيبة، ويصبح التهرب من مسؤولية الكلمة سيد الموقف، فلا أسهل من أن تلقي اللوم على النظام (الحكم هنا على النظام يتم بأثر رجعي، ويُحَمَّل الحكم غير الديمقراطي فيه ما لا يتحمل، ويجري مثلاً  تجاهل أن معدل التعليم ومستوى المعيشة في ليبيا كان الأعلى في أفريقيا وأن القذافي أنشأ دولة رفاهية مستفيداً من الريع النفطي) وتُحَمِّله المسؤولية التامة عما حدث بسبب التدخل على الرغم من أنك من طالبت به. إن محاولة إلقاء اللوم على الأنظمة الاستبدادية من جهة هي تحليل يعتمد على عامل سياسي واحد يُضَخَّم بشكل غير منطقي. ومن جهة ثانية، هو تصوير مانوي للموقف من التدخل الأجنبي، فإما أن تكون مع التدخل الأجنبي وفي هذه الحالة تكون ديمقراطياً ومع خيارات الشعوب وضد مجازر الأنظمة، وإلا فأنت مع الاستبداد وإلغاء الحريات ومتواطئ مع القمع. إن النظام السياسي المستبد هو متعلق بشكل أساسي بمجال سياسي مغلق على المشاركة الشعبية، ولا يمكن أن يكون الحراك ضده والموقف المؤيد للديمقراطية حلين مباشرين لمشاكل التنمية والفساد والتعليم، فضلاً عن القضايا القومية كقضية فلسطين والتحرر الوطني. ما يمارسه هؤلاء المثقفين هو تحويل معارضة الاستبداد إلى إيديولوجيا خلاصية يبررون من خلالها استخدام جميع الوسائل في إسقاطه، بما فيها التدخل الأجنبي.
عطفاً على النهايات، ليس ثمة فارق جوهري بين الأثر المتحقق من الغزو الأميركي على مؤسسات الدولة العراقية، والأثر المتحقق من تدخل حلف شمال الأطلسي على مؤسسات الدولة الليبية، على مساوئها، وهي مساوئ يحلو للمثقف - المستشار أخيراً - أن يُفَصِّل فيها. إنّ الحقيقة الماثلة أمامنا بعد ثلاث سنوات أن أثر التدخل الغربي في ليبيا على مؤسسات الدولة الليبية كان موازياً للأثر الذي سببه التدخل الأميركي في العراق، والفوضى واللااستقرار الإقليميين في الساحل والغرب الأفريقي كانا موازيين لما حدث في الهلال الخصيب.
* كاتب سعودي