لا يوجد أدنى شّك في أنّ الدافع الرئيسي وربّما الوحيد بالنسبة إلى حزب الله وأمينه العام كان المساهمة في إنقاذ جانب مهم من حياة اللبنانيين، والإسهام في رفع المهانة عن وجوههم العزيزة، لكن المتطلّع يرى أنّ النتائج والآثار تجاوزت الهدف المنشود وأنتجت وقائع وربّما مسارات وخلقت ديناميكيات متناسلة يصعب حصرها.

بكلمة أخرى أسّس هذا الفعل الصادق والملتزم والإنساني الصرف لاستشراف مرحلة مقبلة في لبنان والإقليم وتوقّع للممكن في ظل التحوّل الذي تعيشه المنطقة والتغيّرات المتسارعة، وكأنّ السفينة تؤشّر أو تضيء الطريق وتجيب عن سؤال: ماذا بعد الأميركي، وبأيّ عقلية وفهم يجب على المحلّلين فهم السياسة والتعاطي معها؟ خصوصاً مع نموذج كحزب الله.
فالفعل ـــ إبحار السفينة إلى المتوسط ـــ هذا أسّس:
أولاً: أسّس لمسار بدايته كانت فتح كوّة لكسر حصار سياسي واقتصادي عن دول ثلاث، لبنان وسوريا وإيران.
ثانياً: ساهم في تقديم صورة ونموذج لعمل حزبي جديد في الساحة، نموذج يقدم حلولاً ويجدّ لاستنقاذ أهله ويبدع بالتفكير بحيث لا يحاصر بالقالب الذي يريده الأميركي لتفكيرنا، ففكّر من خارج المعهود وأعقبه بالفعل المرتكز إلى الجرأة والجسارة وروح التحدّي والمواجهة مع الأميركي. وعلى غير عادة الأحزاب وطموحاتها الضيقة بالسلطة ها هو يقّدم نموذجاً كيف يوّظف كل إمكاناته لصالح الكلّ بدون استثناء أو تمييز.
ثالثاً: ولّدت هذه الخطوة ديناميكية سياسية جديدة في لبنان دخل فيها الأميركي كمنافس مضارب، وكان من نتائجها ولادة حكومة بلون وطبيعة مختلفة عمّا نادى به الأميركي وأدرجها في خطاب حلفائه التقليديين والجدد من جمعيات الـ ngo’s
رابعاً: البعض كان يقول إنّ حزب الله في عجز وفي موقع صعب على أثر الهجمة الأميركية وتوظيف الأدوات في مواجهته، ليتبيّن أنّ حزب الله يمتلك نقاط قوه كثيرة ولديه قدرة المبادرة، ويمكنه أن يحوّل الكثير من نقاط القوة الكامنة لديه إلى نقاط قوة حركية وفاعلة في لحظة ما.
خامساً: إنّ الصبر الذي يمارسه حزب الله لا يعني البتة نوعاً من الاستسلام أو الضعف أو الانزواء، بل هو فعل، نعم هو فعل بناء وإعداد وتهيّؤ للحظة المناسبة التي ستأتي عاجلاً أم آجلاً على ضوء التحوّلات والتدافع الاجتماعي وعدم معرفة الحياة الاستاتيكو.
سادساً: عدم توقع الأميركي لفعله وهذه نقطة قوة تُحسب لحزب الله، إذ إنّ الأميركي رغم حضوره المباشر وعن قرب لتطويق حزب الله وتأليب الناس عليه وخنقه بالسرديات المعروفة، فوجئ بردّ حزب الله وتحرّكه، ما أعاد خلط الأوراق، وفتح السؤال: هل يمتلك الأميركي أدوات فعلية وكيفيات كافية في مواجهة حزب الله أم فقط رغبة وإرادة وبعداء مستحكم.
ثمّ ماذا عن الديناميكية الجديدة التي خلّفها هذا الفعل، وإلى أي مدى ساهمت في إرباك الأميركي وضرب خطته القائمة على الضغط الاقتصادي، وهل من درس جديد أخذه الأميركي أنّ للضغط الاقتصادي كما للقوّة العسكرية حدوداً! وأنّ مزيداً من استخدامها يفقدها معناها وربّما أكثر.
سابعاً: ساهم رّد فعل الأميركي على الخطوة بالظهور بأحد الوجهين: إمّا أنّه كان يخّطط لحركة سياسية جديدة، فحفّزته وسرعت من خطواته هذه الحركة التي قام بها حزب الله، أو أنّها فرضت عليه مساراً جديداً يبدأ من لبنان إلى الإقليم ومقاربة جديدة. في الحالتين ظهر الأميركي بعيون حلفائه قوة ضائعة مربَكة متردّدة وغير ممسكة بأوراق اللعبة، بينما ظهر حزب الله كقوة مقتدرة، ظهر أنّ الأميركي يعمل في التكتيكات بلا رؤية سياسية أو بضبابية سياسية، بينما ظهر حزب الله الأقلّ إمكانات ـــ بما لا يُقاس ـــ الأكثر رؤية وإمساكاً في السياسة.
وهذا يدل على أنّ الأهّم من العمل والتكتيك والتنفيذ هو الهدف ووضوحه حتّى لا تقع التجارب بما تقع به أميركا اليوم في سياساتها.
ثامناً: أضاء هذا الفعل على حقيقة مفادها أنّ حزب الله منقذٌ وحاجة لبنانية ليس فقط في المقاومة العسكرية والاستراتيجيا فقط، وإنما في الأبعاد الأخرى ومنها الاقتصاد والاجتماع. وهذه الأخيرة هي تحدّيات العقد المقبل!
تاسعاً: من مدخل هذا الفعل يمكن أن نتحدّث عن مسار بدأ لكسر الكارتيلات، وسيتبع ذلك لاحقاً توسيع مجالات التعاون مع الخارج، وبالتالي التنويع في الخيارات الاقتصادية للبنان. وهذا ناتج بالغ الأهمية يُفترض أن تُستكمل المساعي لبلوغه.
عاشراً: تحركت السفينة في لحظة انسحاب فوضوي وصورة مهشّمة لأميركا من أفغانستان فأتت حركة السفينة في هذا السياق ما عمّق من دلالات مخاطر ووهن الاعتماد على الأميركي في الساحة الإقليمية بالخصوص، فالمتلحف بأميركا عريان.
الحادي عشر: برز مؤشّر أنّ هناك قوى (كإيران مثلاً وغيرها) يمكن أن تسهم إسهاماً جاداً وتقدم بديلاً اقتصادياً ويمكن لدول المنطقة أن تملأ الفراغ المفترض.
الثاني عشر: سيشجع هذا الفعل مجموعة دول وقوى للانتباه أكثر للعلاقة مع إيران والثقة بإيران مقابل الغرب الأميركي بالذات.
الثالث عشر: منذ أن أعلن الأمين العام أن السفينة أرض لبنانية عنى هذا تلقائياً أن قواعد الاشتباك تطورت وأدخلت فيها البحار، وبالتالي يصبح الإسرائيلي أكثر قلقاً، وهذا تحقّق فعلاً.
ختام القول
هل سيسرع هذا الحدث بمدلولاته في إنتاج ديناميكية سياسية جديدة في المنطقة على وقع الانسحابات الأميركية وتبدّل الأولويات، وهل سنشهد سياسات لدول إقليمية تأخذ مسافة ما في علاقاتها اللصيقة بأميركا وتبعيتها لها.
وهل يمكن للمحللين السياسيين القول إنّ الإرادة والتصّدي والصمود ليست أموراً منعزلة عن القراءة السياسية والاستشراف والتوقّع، بل تدخل في صنعها كعامل أساس إن لم نقل أنّها العامل الأهّم. وهذا هو الجديد في مدرسة حزب الله السياسية ومنهجه.

*باحث لبناني