كثُرت التحليلات حول كيفية انتزاع الحرية التي ساقها لنا أبطال الأمل، الأسير مناضل نفيعات والأسير محمد العارضة والأسير محمود العارضة والأسير يعقوب قادري والأسير أيهم كممجي والأسير زكريا زبيدي، من سجن الجلبوع. عزاها الاحتلال لأخطاء أمنية تخطيطية وغيرها لوجستية وغيرها الكثير. بيد أن ما لم يتنبّه له الاحتلال وسيبقى أحد إشكالياته الدائمة، هو النفسية الاستعمارية التي طغت على عمل كامل منظومته. نفسية الثقة المطلقة بالإمكانيات والمعدّات التي أسست لتفوّق نفسي تجذّر في نفسية المستعمِر. تعمل منظومة الاحتلال، والمثال هنا السجن، أن للسجان عملاً روتينياً معيناً، يقوم بتكراره كل يوم، إلى أن أصبح أوتوماتيكياً بعيداً عن أي إبداع يُذكر. ذلك عمل المراقب على برج المراقبة، وذلك عمل مَن يدخل الغرف لتفتيشها وفحصها بلاطة بلاطة. العمل الروتيني المحبط القاتل للإبداع المملوء بالثقة، كفيل بأن يُنسف عند أول محاولة ابتكار أتت من الناحية المقابلة.


غاب عن بال الاحتلال، أنه وفي الوقت الذي غدا فيه عمل أصحاب هذه المنظومة العسكرية روتينياً معروفاً ومتوقّعاً، وبالتالي استخدام أقلّ لقدرات عقلية عالية، إضافة إلى تركيز وانتباه أقلّ نسبياً من أول يوم عمل لدى أيّ موظف في السجن. هناك كُتل من الأدمغة تتساير مع الوقت ليلة ليلة خلف قضبان السجن، مملوءة بالأمل والحذر، كانت كفيلة بشق الأرض بحثاً عن النور. عمل أقلّ ما يمكن أن يوصف بأنه تحدٍّ لما اعتقد دوماً أنه مستحيل. فلا مستحيل عند من أمضى نصف عمره بالأسر مترقّباً ما تبقى من عمره داخل نفس الأسر، ولم يتبقَّ لديه ما يخسره. فإشكالية الاحتلال هذه تظهر مع كلّ حدث جديد يحمل بين ثناياه أمل. هي المراهنة على شعب خسر كل شيء! فلم يتبقَّ له شيء أكثر لخسارته، فسيسعى ومن أصغر ذرة أمل لعمل ما يُعتَقَد أنه مستحيل، لانتزاع حريته من بين أنياب الاحتلال.

كان تاريخ 6 أيلول وانتزاع الأسرى لحريتهم، هو لقاء آخر مع مشاعر جديدة للمرة الثانية بعد وحدة فلسطين أثناء هبة القدس قبل عدة أشهر. فلسطين اليوم تمثّل سجناً كبيراً محاطاً بين أسوار رمادية وأخرى سياجية وغيرها شعاعية غير مرئية. عملت دولة الاحتلال على خلق منظومة أمنية حولت الشوارع إلى خطط وأرقام ورموز، في القدس وفي سائر المنطقة. سجن كبير يحتوي سجناء يعتقدون أنهم أحرار. بيد أن الحرّ الوحيد في كل هذه المعادلة هو الإرادة التي شقت الصخر وخرجت إلى النور. إرادة من أراد ألّا يرى سجن الاحتلال لا الصغير ولا الكبير. وحتى اليوم وبعد إعادتهم إلى السجن الصغير، هم أحرار ونحن السجناء! نحن من لا نرى في إسرائيل إلا منظومة أمنية محكمة الإغلاق والتنظيم! فالمستعمِر رغم كامل إمكانياته هشّ وسيبقى هشّاً، هشّاً بمجتمعه الاصطناعي، ومدنه المزيفة وتاريخه اللاهوتي. وسيبقى هشّاً ببقاء آخر صاحب حق على هذه الأرض الأصيلة. فالأصلاني عبارة عن تهديد مباشر للمستعمِر حتى آخر أصلاني حيّ. ونحن هناك، جموع من الأصلانيين ذوي الإرادة الصلبة الحرة العابرة للأنفاق الباحثة عن الشمس.

عند كل محاولة ممارسة للأمل، يعمل الاحتلال على نشر الإحباط بين الفلسطينيين، عبر استخدام أدنى ظرف كوسيلة لزعزعة إيمان الفلسطيني، بل وخرق أكبر لكلّ ما يمكن خرقه. كنشر أخبار غير دقيقة، والإطاحة بحبل الثقة بين الفلسطينيين فيما بينهم، وخصوصاً بعد هبة القدس وبعد الالتفاف الرهيب الذي وحّد أبناء فلسطين من شمالها إلى جنوبها. فبدأت اليوم بزعزعة الثقة بين فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 48 وبين فلسطينيي عام 67. وللأسف، ومع كل رواية من هذا النوع، نكون نحن الراعي الرسمي لنشر الرواية. الغريب دوماً، هذا الشعب الحمّال للتضاد، فالواقع والممارسة تُري أننا أكبر حامل للأمل وحافر للأمل، إلّا أنه وفي نفس الوقت هناك بيننا من هو مهزوم بل وناشر للهزيمة. لكن للحقيقة، لا تليق بنا الهزيمة، والمنطق يدعو إلى تمسك المستضعف بالأمل، المستضعف الذي فقد كل شيء، عليه أن يتمسّك أكثر ما يمكن بالأمل. لأن غياب الأمل هو الموت، ونحن شعب حي، تبدأ حدوده تحت الأرض وتنتهي بالسماء.

نحن الأسرى الحالمون، المتجولون داخل حدود السجن الكبير، نحن الموهومون لنا أحلام وهم الأحرار لهم أحلام. لكن أحلامهم أكبر اعتباراً من أحلامنا وأحلام البشرية جمعاء. الأسرى الستة حفروا في التاريخ مجداً، تنفسوا الحرية بعمق معناها، أكلوا الصبر والبرتقال، وأذاقونا الحلى والأمل. أسرى ذوو أحلام أعطت للحلم معنى! أسرى تجولوا على أرضهم بأكبر حرية يمكن للإنسان إدراكها! الحرية المنتزعة من منظومة ليست ذات معنى لديهم! اعتباراتهم اختلفت عن كل اعتباراتنا! أحلامهم أنقى من كل أحلامنا! قبلة لطفل، حبة صبر، رائحة برتقال! هم الأحرار فعلاً! هم الأحرار ونحن السجناء!


*باحثة فلسطينية