نشرت صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية مقالاً للكاتب ديفيد إغناتيوس أكد فيه أن المشهد في كابول مع تقدم طالبان نحوها يحمل أصداء سقوط سايغون في فيتنام، عام 1975، وهي الصورة التي أراد الرئيس جو بايدن تجنّبها، وكان يأمل انسحاباً منظماً من أفغانستان.

هذا الانسحاب السريع من أفغانستان جاء إضافةً إلى الفراغ الذي خلّفته سياسات الرئيس السابق دونالد ترامب في الشرق الأوسط، ما دفع باللاعب الروسي إلى غزو سوريا، وسمح لتركيا بإعادة تموضعها في المنطقة وصولاً إلى ناغورني كره باخ، والإيراني بمدّ شبكة ميليشياته راسماً هلاله الشيعي حتى بيروت. هذا بالإضافة إلى عودة طريق الحرير الصينية، بمشروع أطلقه رئيسها شي جينغ بينغ عام 2013 تحت اسم «الطريق والحزام»، مع القلق الإسرائيلي الذي بدا واضحاً في التقارير والمقالات كافة التي صدرت عن كتّابها ومحلليها الذين يرسمون صورة قاتمة لمستقبل كيانهم في ظلّ تراجع الدور الأميركي، مع وعود الرئيس بايدن لرئيس وزراء العراق مصطفى الكاظمي بالانسحاب الأميركي من بلاده وحصره بالدور الدبلوماسي.
رجل أوروبا المريض، هو اللقب الذي اشتهرت به الدولة العثمانية منذ منتصف القرن التاسع عشر. ويرجع ذلك إلى الهزائم التي تكبّدتها الدولة العثمانية من الدول الأوروبية وأفقدتها الكثير من أراضيها، فذهبت مهابتها ومكانتها بين الدول وأخذت الدول الأوروبية تخطّط فيما بينها لاقتسام أملاكها الممتدة على ثلاث قارات. هذا الاسم كان قد أطلقه قيصر روسيا نيكولاي الأول على الدولة العثمانية سنة 1853 بسبب ضعفها، ودعا بريطانيا للاشتراك معه في اقتسام أملاك الدولة، ثم شاع هذا الاسم بعد ذلك، واستعملته الدول الأوروبية الأخرى.
في الشكل، تشبه الولايات المتحدة اليوم ما كانت عليه السلطنة العثمانية بالأمس، إذ إن سياسات التموضع لجنودها في منطقة الشرق الأوسط التي تتبعها إدارة الرئيس بايدن تثير التساؤلات التالية: هل أميركا رجل مريض يتقاسم نفوذه أعداء الأمس؟ أم هي قوة خارقة تهدف في إعادة التموضع إلى خلط الأوراق مجدّداً من أجل إضعاف الأعداء؟
في قراءة هادئة لواقع الولايات المتحدة دوليّاً، نقرأ قوتها على أكثر من صعيد، إذ إنها لم تزَل تلعب الدور المحوري في الخارطة الدولية، وتكاد عقوباتها الاقتصادية على بلد معيّن أن تشلّ قدرته على الاستمرارية، ولبنان نموذج لذلك. أما عسكرياً، فلم تزَل في المرتبة المتفوّقة عالمياً، إذ أكدت القيادة الشمالية نورثكوم في الجيش الأميركي، أنها تستخدم الذكاء الصناعي للتنبؤ بالهجمات قبل أيام. وفي إيجاز صحافي فقد أكد قائد نورثكم الجنرال جلين دي فانهيرك أن الجيش الأميركي قد أجرى الاختبار الثالث في آذار 2021 في سلسلة تجارب هيمنة المعلومات العالمية جيدي GIDE. وصرح فانهيرك بأن برنامج جيدي يستخدم إمكانات جديدة للحصول على بياناته، مثل الأقمار الاصطناعية والرادار والقدرات التقنية تحت سطح البحر والقدرات السيبرانية والإنترنت.
ملخّص تصريحه دلالة واضحة على صعود قوة الجيش الأميركي ومحاكاته للذكاء الاصطناعي في حروبه المستقبلية، فهذا إن دلّ على شيء، فعلى بقاء أميركا قوة عالمية لا يمكن التغاضي عنها في أيّ قرارات دولية، أو مسائل أساسية، كمسألة التغيير المناخي، حيث عودة إدارة بايدن إلى اتفاق باريس للمناخ بعد انسحاب ترامب منه، انعكس إيجاباً على الدول الأعضاء.
إذاً، أميركا ليست دولة مريضة، ولا تعيش آخر أيام إمبراطوريتها، ومظاهر قوتها تتعاظم، وخروجها من أزمة وباء كورونا دليل على تعافي اقتصادها ونجاح خطّة بايدن التي وضعها بعد تسلّمه السلطة؛ ولكن ما سبب إعادة تموضع جنودها في منطقة الشرق الأوسط؟
إن انسحاب أميركا من أفغانستان، أعطى متنفّساً لحركة طالبان، بإعادة بسط سيطرتها على أفغانستان لدرجة أنها رفضت عرضاً من الحكومة الأفغانية بتقاسم السلطة. فبالعودة إلى الذاكرة القريبة نجد أن الانتصارات التي حقّقها المقاتلون الأفغان أجبرت السوفيات على الانسحاب عام 1989، وكان انهيار النظام الشيوعي، وهذا ما يزعج اليوم روسيا الاتحادية من إعادة تسلّم طالبان، ما يعزّز الفكر المتطرف في الشيشان وغيرها، تلك التي اعتمد فيها الرئيس فلاديمير بوتين سياسة الأرض المحروقة لإخضاعها لسلطة روسيا الاتحادية.
كما أن وجود طالبان في أفغانستان، هذه الحركة ذات الأيديولوجية المعاكسة للأيديولوجية الإيرانية وعلى حدودها، تشكل خطراً حقيقياً على أمنها القومي، لا سيما إن إيران تشهد الكثير من محافظاتها ذات الغالبية العربية تظاهرات تحت عنوان التهجير القسري بسبب شحّ المياه عمداً لتحويلها إلى المحافظات ذات الأصول الفارسية. فخطر حركة قويّة، متمثّلة بطالبان على الحدود الإيرانية، قد يعطي دفعاً لمحافظات مثل الأهواز في إيران، للتصعيد مطالبين بالاستقلال الذاتي، ما يعيق مشروع إيران التوسع في المنطقة، وطبعاً ينعكس على حلفائها في كل من سوريا والعراق واليمن ولبنان.
أما وجود حروب وعدم استقرار أمني في آسيا الوسطى سيخلق مشكلة في طريق الحرير الصيني، حيث يمثل موقع أفغانستان همزة وصل استراتيجية لمناطق شرق آسيا والشرق الأدنى والساحل الأفريقي. هذا الأمر قد ينعكس سلباً على استثمارات الصين، ويجعلها تتراجع، الأمر الذي يدفع بها إلى التراجع عن لعب دور الخصم العنيد الرئيسي للولايات المتحدة.
أخيراً، إنّ الأحداث وتطوراتها وحدها ستكون الكفيلة بالإجابة عن ما ينتظر الولايات المتحدة والعالم، بسبب هذا التموضع لجنودها في أكثر من منطقة في الشرق الأوسط. هذا إن لم تقدم بريطانيا وإسرائيل وأميركا في خطوة مفاجئة على القيام بعمل عسكري ضدّ المصالح الإيرانية، بسبب الحرب الخفية التي تدور بين القوتين الإقليميتين إسرائيل وإيران في بحر عمان، والتي كان آخرها ضرب إيران لناقلة النفط الإسرائيلية «ميرسر ستريت» والتي أدّت إلى مقتل اثنين من طاقمها، هذا ما قد يعيد خلط الأوراق بشكل كامل في المنطقة. لهذا يبقى السؤال الأبرز: هل أميركا رجل مريض أم قوة خارقة؟

*باحث لبناني