يوماً بعد يوماً وجلسة بعد أخرى يبدو الاستحقاق الرئاسي في أزمة. إذ لا تلوح في الأفق أي إمكانية لنجاح أي من المرشحين المعلنين والمُضمَرين من «الاقطاب» الأربعة. فمهزلة مقاطعة الجلسات لعدم اكتمال النصاب حوّلت الاستحقاق الى «مسرحية هزلية» نهايتها ستكون درامية بمشهد الفراغ في موقع الرئاسة الذي سيضع الجمهورية في المجهول!


والأخطر من ذلك انعدام أي تواصل بين «المعسكرين» المارونيين للتباحث في الاتفاق على مرشّح ينقذ الرئاسة والجمهورية (باستثناء ما يقوم به الرئيس أمين الجميل). فهم يختلفون على كل شيء تقريباً: التحالفات الداخلية، النظرة إلى الدولة القوية، الى سلاح حزب الله، إلى العلاقة مع القوى الاقلمية والدولية...
أمر واحد اتفق عليه الأربعة في اجتماعات بكركي، وللأسف: انتخاب «رئيس قوي» في هذه المرحلة! اتفقوا بنسبة كبيرة على مواصفاته وابرزها ان يكون «قوياً في بيئته». ولكن أضاف كل منهم بعضاً من المواصفات التي تنطبق عليه دون سواه. فبالنسبة للدكتور سمير جعجع الرئيس القوي هو بثباته في خياراته السياسية. وبالنسبة للعماد ميشال عون انه الشخص القادر على التواصل مع جميع الافرقاء. الأول لادراكه وجميع اللبنانيين أن ميشال عون قد بدّل كثيراً من مواقفه منذ عودته من منفاه الباريسي. والثاني لتأكّده من أن لا تواصل بين حزب الله والقوات اللبنانية.

تحاشي الفراغ وربما
الحفاظ على «الستاتيكو» الحالي لا يعني الاستسلام

واستطراداً، فإن حزب الله اخطأ بعدم استقبال وفد حزب القوات اللبنانية الذي قام بجولة على القيادات والاحزاب لتسليمها مشروع جعجع الرئاسي. وإذا كانت مقولة التعامل مع إسرائيل لا تزال هي السبب، كما أسرّ لي أحد قيادات الحزب قديماً، فهذه القيادات نفسها تدرك جيداً أن «قوات سمير جعجع» هي التي قطعت العلاقات مع إسرائيل اثناء الحرب ووجّهت بوصلة تحالفاتها الاقليمية شرقاً، نحو العراق – العربي، للحصول على دعم سياسي وعسكري في مقاومتها للوجود العسكري السوري في لبنان آنذاك.
بالعودة إلى «الرئيس القوي»، فخارج رغبة كل من «الاقطاب» بالوصول إلى بعبدا، وهذا مشروعٌ طبعاً في العمل السياسي، لم افهم حتى اليوم ماذا يستطيع ان يفعله هذا الرئيس في هذه المرحلة بالذات. ففي لبنان توازن سياسي، «طابش» لصالح حزب الله، صعب التبدّل في المدى المنظور. وهو انعكاس مباشر ودقيق للتوازن الاقليمي «الطابش» هو ايضاً لصالح إيران في مواجهة المملكة العربية السعودية. والتوازنان بحاجة الى تبدّل جذري في المنطقة لتتبدّل موازينهما. وهذا ما لا امكانية لحصوله في المدى القريب. ففي العراق وسوريا، حيث سيستمر كل من نوري المالكي وبشار الاسد في السلطة، يبدو النفوذ الايراني القوي مستمراً والمملكة في موقع الدفاع الضعيف.
في لبنان الوضع مختلفاً. فلا إيران تستطيع الإتيان برئيس يكون «صديقاً للمقاومة ومدافعاً عنها» كما تعلن قيادات حزب الله. ولا المملكة العربية السعودية قادرة على ايصال رئيس يواجه سلاح الحزب ويلغي الحدود الإيرانية التي وصلت حتى «شواطئ البحر الأبيض المتوسط عبر الجنوب اللبناني» (على ما اعلن حديثاً الفريق يحيى رحيم صفوي، المستشار العسكري للسيّد خامنئي). لذلك لم تدفع أي من الدولتين باتجاه انتخاب رئيس.
أمام هذا الواقع الاقليمي يطرح السؤال التالي نفسه: هل طرح «الرئيس القوي»، بالمواصفات التي طرحها الطرفان، يأتي في الوقت المناسب؟
فهل سيستطيع سمير جعجع نزع سلاح حزب الله وايقاف الدعم الإيراني السياسي والعسكري والمالي له؟ وقبل ذلك، هل سيتمكّن من إلزامه سحب عناصره من سوريا قبل انتهاء القتال هناك وقبل ان يتأكد النظام السوري انه لم يعُد بحاجة له؟ وهل سيستطيع ازالة «الدويلة» القائمة إذا ما أصرّ الحزب على الاحتفاظ بسلاحه؟ وكيف؟ كيف سيواجه الحزب إذا ما قرّر استعمال سلاحه في الداخل على غرار 7 أيار 2008؟ وكيف لميشال عون، في بلد التوافق، أن يحقّق اصلاحه وهو على خصومة كبيرة مع الطائفة السنّية التي تترأس السلطة التنفيذية المتمثّلة بالحكومة؟ وكيف له أن يكون رئيساً قوياً على رأس جمهورية ضعيفة بسبب تفشّي ظاهرة السلاح غير الشرعي الذي «يستجلب سلاحاً غير شرعياً» (على ما جاء في بيان بكركي في تموز 2013)؟ وكيف له ان يفرض توازناً مفقوداً في الادارات العامّة لغير صالح المسيحيين وهو يتحالف مع بعض من ساهم في هذا الخلل منذ تسعينيات القرن الماضي ولم يستطع خلال المرحلة الماضية من تصحيحه في اي من المواقع (رئاسة مديرية الامن العام، على سبيل المثال)؟
الاسئلة كثيرة. والتساؤلات أكثر. سمير جعجع حاول اعطاء اجوبة لها من خلال مشروعه السياسي ومقابلاته الاعلامية. نظرياً أجوبته صحيحة ومنطقية ومُقنعة. ولكن واقعياً، فهي غير قابلة للتحقيق في المرحلة الحالية. أما ميشال عون فيلزم الصمت! وجلّ ما يفعله محاولة تثبيت نفسه مرشّحاً توافقياً عبر التواصل مع تيار المستقبل. ولكن، للأسف، لا يبدو ان هناك امكانية لنجاح هذا المسعى. والرئيس سعد الحريري يستفيد من مفاوضاته مع «مبعوث الجنرال» ليثبّت ان بإمكانه التواصل مع كل الاطراف المسيحية في حين ان حزب الله لا يستطيع ذلك. وهو يأمل ان يوظّف هذا التواصل في مرحلة ما بعد الاستحقاق الرئاسي.
طرح كل هذه الاسئلة لا يعني الاستسلام. ولكنه دعوة الى التعامل بواقعية اكبر مع واقع الاستحقاق في هذه المرحلة. ففي مواجهة اصرار الرجلين، ميشال عون وسمير جعجع، على إحداث كوّة في الحائط المسدود، يبدو انسداد الافق وحده المحتّم! وأمام عدم رغبة القوى الاقليمية في انتخاب رئيس في لبنان، تكون «لبننة الاستحقاق» بعدم السماح بشغور موقع الرئاسة. ولا يمكن ذلك إلا بتوافق المسيحيين اولاً، الذي يمكنه، اذا ما تحقّق، ان يجبر الاطراف الأخرى عليه وعبر احراجهم، خصوصاً أن التيار الوسطي «بقيادة الدروز» يريد التوافق ويسعى له، وعدده ليس بقليل.
فبالله عليكم أيها «الاقطاب»، لا تتصلّبوا في مواقفكم. وتذكّروا أن السياسة «فن الممكن». ومن غير الممكن اليوم أن يصل أي منكم الى قصر بعبدا. وتذكّروا، وهو الاهم، انكم تقودون طائفة وشعباً ووطناً في مرحلة من اكثر المراحل حساسية وحراجة في تاريخهم. فالمنطقة في فوضى، وجيوسياستها في تبدّل جذري. عدم تحقيق الانتصار وتحاشي الفراغ وربما الحفاظ على «الستاتيكو» الحالي لا يعني الاستسلام. إنما هو الطريقة الوحيدة للتخفيف من اضرار هذا التبدّل الذي، إن طال لبنان، سيكون حتماً على حساب المسيحيين الذين تمثّلوا في السياسة. وما اتفاق الطائف، الذي أتى في إطار تبدّل جيوسياسي كبير في العالم والمنطقة، (على إثر انتهاء الحرب الباردة ونزول القوات الاميركية العسكرية في قلب الخليج العربي)، سوى مثال على ذلك. حينذاك، كنتم انتم بذاتكم المتصارعون، كما اليوم. ولم تدركوا مسبقاً، للأسف، ذاك التبدّل لتنقذوا موقع الرئاسة من الفراغ عام 1988. رفضتم حينذاك معادلة «مخايل الضاهر او الفوضى». وعمّت الفوضى. ووقع الذي كان محظوراً منذ طرح «الاصلاحات الدستورية» في سبعينيات القرن الماضي. وخسر المسيحيون كثيراً في دستور الطائف وفي المرحلة السياسية الطويلة التي تلّت توقيعه.
بالله عليكم ايها «الاقطاب»، كونوا زعماء تاريخيين. التقوا في نصف الطريق. بكركي، بأبوّتها الروحية وموقعها الوطني، على مسافة واحدة منكم جميعاً سياسياً وجغرافياً ايضاً (بين معراب والرابيه، وبين بكفيا وزغرتا). وأبوابها دائماً مفتوحة لتتفقوا على مرشّح توافقي. ربما لن يكون هذا المرشّح رئيساً قوياً بحسب مواصفات كل واحد منكم. ولكن الاكيد انكم ستكونون اقوياء بإنقاذكم لدور الطائفة ومصير الشعب ومستقبل الوطن. كونوا صانعي الرئيس... وإلا فالتاريخ لن يرحمكم!
* باحث وأستاذ جامعي