لم يسبق أن طُرحت قضية الإعلام المقاوم على هذا النحو من العلنية، وأن يجمع مؤتمر هذا العدد الكبير من الإعلاميين «ليستصلحوا المزيد من الأراضي» وليستكشفوا آفاق حقبة قادمة مُفعمة بالآمال، وإن كانت في الوقت نفسه مليئة بالتحديات وزحمة المشاريع المعادية الذاهبة والقادمة على قمم الموج.

لم يسبق أن اجتمع مناضلو الإعلام وضباطه في مشهد يعكس كبرياء المؤمنين بالمقاومة والقضية الفلسطينية. كبرياء تعلو على صغار المطبّعين وكبارهم وتدوس عنجهيتهم بما يملكون من مال وما يبلغونه من مدى في كذبهم وباطلهم.
تشبيك الجبهات لا يُترجم اليوم في السياسة والأمن والعسكر بين أعضاء حلف القدس فحسب. الإعلام أيضاً يعزز حضوره ومعادلته الردعية مبشّراً بقوة الحق. ذلك أنّ الحق هو السبب الأكبر من أسباب الصمود، والتجربة خير دليل على أنّ العدوانية والاحتلال وبث السموم لم ترتد بالمؤمنين إلى الوراء. بل كان الحق دائماً يوفّر المادة المطلوبة للإيثار والتضحية ويضع المسؤولية على المقاومين للاستمرار ومواصلة طريق الأمل وعدم الاستسلام للمغريات الخادعة.
مشاركة السيد نصرالله ومقاربته التي وضعها أمام المؤتمِرين كانتا كالعادة أبعد من رمزية مَن يرى «أمامه أجمل أشيائه» يسطع على وجه الشاشة العملاقة فيلتذّ بروعة الجمال وحرارة المشاعر. هذا الحائك العجيب لحلف القدس يذكّرك بواجبك، ويدلّك من جديد على الطريق عندما تعمل قوى الإعلام المعادي على تحطيم عوامل الحصانة والثقة والقوة والمقاومة في قلب الأمة، يسترعي انتباهك إلى أشياء غائبة عنك ويضع فلسفته موضع التطبيق. وهو لا يزعم أنّ إعلام المقاومة لا يُخفق ولكنّه يرى أنّه قادر أن يتغلب على إخفاقه حين يعرف القضية التي يدافع عنها في نبلها الإنساني وامتدادها السماوي، وحين يعي دوره الخطير الذي يمكن أن ينهض به في مواجهة التيئيس والتدليس وتوهين القوى وتغريب الثقافة التي تهدف إلى جعل مجتمعاتنا تتقبل التبعية والنفوذ الوافد في مختلف مجالات الفكر والاقتصاد والتربية.
ومن وحي كلامه الكثيف تجمّعت لديّ الملاحظات التالية:
أولاً: إنّ إعلام المقاومة يجب أن يتحول إلى صناعة تُعطى التجديد والنضارة المطلوبين. أن تبدو باستمرار شديدة الحماسة موفورة النشاط لا تداخلها عوامل السأم والملل والجزع وكل النوازع المرضيّة المتولدة من حالة تفوق العدو وإمكاناته التقنية العالية. وأن يكون الحق دوماً زاد هذه الصناعة بحيث تحتضن كل ما قدمته قوى المقاومة من مفاهيم أخلاقية وسياسية تحمل المخاطبين بها على تقبّلها والاقتناع بها.
ثانياً: إنّ إعلام المقاومة يجب أن يكون إعلاماً ثورياً. التوجه الثوري يجب أن يكون حاكماً في الصورة والكلمة وكل منتج إعلامي آخر حتى تنداح أصداؤه في أرجاء المنطقة والعالم وتحرّض الإنسان على النهوض والنضال حتى لو كانت «أشواك الفضاء وصخوره» ستدمي الأقلام الحرة وتستنزف الأصوات الشريفة.

إنّ إعلام المقاومة يجب أن يكون إعلاماً ثورياً، في الصورة والكلمة، حتى تنداح أصداؤه في أرجاء المنطقة والعالم


الإعلام الثوري هو الذي يستنهض الهمم ويقوي العزائم ويضمّد الجراح. هو الذي ينتصب بجلال وعنفوان الذات المتمردة، يوجّه ويثقّف ويتحدث إلى الجماهير بمنطق الصدق والشفافية، ويدوي بنبرة تعلو على الأسى ويدعو إلى رباطة الجأش في حالات المظلومية والنكران، ويواجه الخوف والوهم حتى تكون للجماهير الشجاعة التي تنطلق في وجه الغادرين والقاسطين والمارقين والناكثين كعاصفة لا تسأل من بعد عما يصادفها من عنت.
ثالثاً: الإعلام المقاوم إعلام مقاتل. الحرية بمفردها إغواء. الحرية من دون قتال تآكل بطيء. ومهمة الإعلاميين المقاومين أن يتقدموا ككتيبة متراصّة ليس في قاموسها مقايضة، ولا يهمها الموت. بل تقاتل من أجل شيء يستحق، وتبادر كما لو أنها في جبهة حرب، وتهاجم باستراتيجيات تقوم على الالتفاف على الأجنحة والمؤخرات لتفتح القلوب والعقول وتكسر جدران التحجر وأبواب الزيف وتروي القصة التي يجب أن تُروى كما هي.
رابعاً: الإعلام المقاوم ليس مضطراً أن يدخل في اللعبة الحسابية. وهو غير قادر عليها بل من الخطأ تصور الإعلام بلغة الأرقام. وكما في الحرب العالمية الأولى التي تركت درساً مهماً للاستراتيجيين العسكريين عندما اعتقدوا خطأ أنّ استخدام النيران والكثافة العددية معاً يقود إلى استقرار الجبهات، كذلك بالنسبة إلى الاستراتيجيين الإعلاميين فإنّ من الخطأ التصور أنّ المعادلة الحسابية في عدد الفضائيات والصحف يقود إلى توازن في الردع الإعلامي أو إلى توازن في الصورة. الإعلام المقاوم يجب أن يبحث عن الإبداع والابتكار في خرق التحصينات الثقافية والنفسية للعدو ويصمم استراتيجية هجومية قادرة على تهديد «قلب الأرض» الإعلامية عنده، ليحدث اختلالاً عميقاً في طرق أفكاره وخطوط تصوراته ومواقع قيمه المتقدمة ونماذج تحصيناته الافتراضية.
خامساً: ليس هناك من عقيدة إعلامية لها صفة القوة والاستمرارية والديمومة مثل الصدق.
الإعلام المقاوم هو إعلام صادق. فليس هناك أعظم من القوى المعنوية تشدّ أزر المقاومين الإعلاميين في خطابهم، وليس هناك أفضل من الصدق منجاة وكرامة. الإعلام المقاوم لا يتردد في قول الحقيقة للجماهير ولو كانت قاسية. ويواجه الخسارة بشجاعة ومسؤولية، وليس هناك من خيار آخر أمامه لتبرير أي انتكاسة أو هزيمة بغير مصارحة الجماهير بالحقيقة. الصدق هو روح الإعلام المقاوم وبغيره تقع هزيمة النفس قبل هزيمة الميدان.
في هذه المقالة كتبتُ ما مرّ في خاطري بعد الاستماع إلى كلمة الأمين العام. ولكن في ميدان الإعلام هناك كمٌّ هائل من العناصر والتقنيات والأبعاد التي تتداخل بغزارة بعضها مع بعض لتصنع الرواية الواقعية والصورة المطلوبة لتأتي قوية مدوية، وكما يقول جوزيف ناي: «القوة أيضاً هي من يستطيع تسييد قصته». وبهذا المعنى يجب أن تكون العلاقة بين الإعلام المقاوم والقضية التي يتناولها علاقة حيّة لا تقف عند الفلسفة والبرهان. بحيث يتمكن من معالجتها بحرفية ومهارة، ويحللها، ويعيد تركيبها بما يضمن له أن يشكل بناءً معمارياً إعلامياً فريداً.
تبقى نقطة أخيرة مرتبطة بالإخلاص. فكل قضية منزوعة الإخلاص مهما كانت محقّة يضيع ألقها. فكما أنّ السلاح بمفرده لا ينتج فدائياً، فإنّ الإتقان لوحده من دون الإخلاص لا يصنع إعلاماً شاهداً ومبشراً ونذيراً.

* أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية الدولية