في مناسبة سابقة («الأخبار»، 2268، 10 نيسان 2014) كنا قد خلصنا إلى التساؤل عن الاحتمال الأرجح بين ثلاثة احتمالات قد تتمخض عنها الانتخابات التشريعية في العراق نهاية نيسان الجاري. وهي: فوز قائمة المالكي وحلفائه بغالبية نيابية تمكنه من تشكيل الحكومة، أو يحدث العكس وتشكل قوى تحالف «أربيل - النجف» تلك الحكومة، أو أنَّ هناك خياراً ثالثاً يقود إلى تشكل «ائتلاف الأقوياء» كما سمي ذات يوم بين «دولة القانون» وطرف كبير من التحالف السابق، كأن يكون ائتلاف النجيفي أو المطلك أو كلاهما هو الأرجح، وعندها يتحول الطرف الكردي (التحالف الكردستاني) إلى طرف ثانوي يمثل ثقله السكاني لا غير في الحكم أو ينتقل إلى المعارضة تاركاً التمثيل الكردي لوجود رمزي، وبهذا تنتهي فترة دكتاتورية الأقلية المجتمعية على الغالبية السكانية العراقية، والتي كانت قائمة طوال العقد الماضي.


والواقع فإن حالة التشوش والتخبط السائدة في المشهد السياسي العراقي لا تسمح لنا بالحصول على إجابة قطعية حول أرجحية هذا الاحتمال أو ذاك، غير أن خيار الفوضى والتشتت وعدم الاستقرار سيبقى هو الأقوى، والذي قد يقود لاحقاً إلى سيناريوهات خطيرة منها الانقلاب العسكري أو موجة جديدة من الاقتتال الطائفي.
لقد أنتجت العملية السياسية التي أطلقها الاحتلال في العراق واقعاً سياسياً ودستوراً ومجموعة مؤسسات مرتبطة ببعضها بعضاً، وفق ما يمكن أن نطلق عليه «تصميم المتاهة» التي لا يمكن الإفلات منها إلا بكسرها وإطلاق عملية سياسية مغايرة لها في الأسس والمسارات، ولها مدخل ومخرج متفق عليهما دستورياً. ولعل ما تمخض عن دورات الانتخابات التشريعية والمحلية التي جرت حتى الآن أعطى صدقية كافية لهذا التحليل والاستنتاجات المبنية على أساسه وهذا ما ستفعله الانتخابات الوشيكة.
أما حكومة الغالبية السياسية التي ترفع شعارها أطراف عدة، فهي لن تكون في أحسن الأحوال إلا حكومة محاصصة طائفية ولكنها ستكون «محاصصة مُحسّنة» قليلاً، فليس من الممكن لأي طرف كان تشكيل حكومة غالبية يغيب عنها ممثلو الأكراد أو العرب السنة أو الشيعة طالما أن المجتمع العراقي يفتقر اليوم إلى الاندماج المجتمعي والسياسي العميق والراسخ، والمعبّر عن نفسه فكرياً وسياسياً ونفسياً، والذي ينتج بالضرورة أحزاباً سياسية «وطنية» بمعنى أنها تشمل الجغرافيا والديموغرافيا العراقية كلها. وهذه الأحزاب، شئنا أم أبينا، لا وجود لها في العراق، فحتى الحزب الشيوعي العراقي، على ضعفه الراهن ومناقبية وعراقة تجربته وتراثه المضيء أصبح حزبين: واحد لإقليم كردستان، والآخر لما تبقى من العراق.
غير أن خيار التمثيل المحاصصاتي لجميع المكونات، ولكن بتمثيل حزبي أضيق سيضمن تحقيقه تحالف «أربيل - النجف» بوجود التيار الصدري وربما حزب الحكيم مستقبلاً، إضافة إلى ركنيه الأساسيين الكردستاني وائتلاف النجيفي. أما المالكي فسيكون صعباً عليه ضمان مشاركة كردية حتى إذا حقق نتائج تفوق نتائج الانتخابات السابقة أي 98 مقعداً. ولكنه قد ينجح في تدبير تمثيل كردي من خارج تحالف «البارزاني ـ الطالباني»، لكن هذا غير مضمون تماماً، وأسهل من ذلك عليه، سيكون ضمان مشاركة ممثلين عن العرب السنة من حلفائه التقليديين على ضعفهم. نحن إذن بإزاء محاصصة طائفية صريحة ولكن «على الضيق» كما يقال في اللهجة اللبنانية الجميلة، وهذا يعني بقاء ركائز نظام الحكم الذي ولد بعد الاحتلال كما هي من حيث الجوهر.
إن الحالة العامة للمشهد السياسي العراقي عشية الانتخابات التشريعية لا تعطي مصداقية للتحاليل الذاهبة إلى أن المعركة هي بين أنصار المحاصصة الطائفية وأنصار المواطنة والمساواة، ولا هي في الوقت ذاته معركة بين دعاة المركزية ودعاة اللامركزية، فحتى المركزية - إن قُدّر لها أن تقوم ذات يوم، سواء كانت بقيادة المالكي أو بقيادة «تحالف أربيل النجف» - ستكون مركزية التشكيلة المحاصصاتية التي حُرِمَ منها أحد الطرفين.
غير أن التجربة أثبتت حتى الآن أن التحالف الحكومي الذي سيكون الكردستاني طرفاً مؤثراً فيه سيرسّخ نظام المحاصصة بشكلها الجديد، ويمنع تماماً أي احتمال للاقتراب من نهاية نفق المتاهة، متاهة العملية السياسية القائمة، وسيبطل أي محاولة مثلاً لتعديل الدستور الاحتلالي المختل وبقوة طائفياً، فالزعامات الكردية جمعاء أعلنت بوضوح وفي مناسبات كثيرة أنها تعتبر أي تعديل جوهري ومهم على مواد الدستور عدواناً سافراً على مكتسباتها لما بعد 2003، رغم أن هذا الدستور يسمح في إحدى مواده (المادة 142) بإجراء التعديلات عليه ولكن بشروط صعبة.
أما لو قدر للاحتمال الآخر، أي قيام تحالف الأقوياء بين بقايا العراقية ودولة القانون إنْ حافظت على وزنها أو زادته أنّ يتحقق، فسيكون تعديل الدستور أول وأهم عمل حقيقي يقوم به التحالف الحاكم. وليس ممكناً اليوم، وقبل معرفة نتائج الانتخابات المقبلة، التكهن بإمكان تكرار التجربة والحكم على نجاعتها كحل. ومن الطبيعي أن نتوقع رفضاً قوياً لهذا السيناريو قد يصل إلى درجة التهديد بالانفصال وإعلان دولة مستقلة من قبل الزعامات الكردية لأنها ستكون الخاسر الأكبر منه، غير أن الوضع الدولي والإقليمي وقوة التحالف الحاكم إنْ تشكل، ستكبح هذه الزعامات وتقنعها بحجمها ووزنها الحقيقيين وتنهي دكتاتورية الأقلية القومية على الغالبية السكانية العراقية كما أسلفنا. بالعودة إلى شعار وهدف حكومة الغالبية السياسية، فالواقع، أن المالكي ليس الطرف الوحيد الذي يريد هذه الحكومة، وله أسبابه المتصلة - كما يتهمه خصومه - بسعيه لحكم فردي ضمن المحاصصة ذاتها، بل إن هؤلاء الخصوم يريدون ذلك أيضاً، وقد شرعوا فعلاً بمفاوضات وعمليات تنسيق مبكرة، قد لا تخلو من روائح الحروب الإعلامية والنفسية المواكبة للحملات الانتخابية، يشارك فيها الجميع إلا المالكي وائتلافه فهي كما قلنا في مناسبة سابقة انتخابات إسقاط أو التجديد للمالكي بامتياز. أما في ما يتعلق بالمآل والأهداف المعلنة للقوى الرئيسية، فيمكن ملاحظة نوع من التناقضات المضحكة والتي تصل إلى درجة اللامنطق. فحين أعلنت قائمة رئيس الوزراء «دولة القانون» انها تستهدف تشكيل حكومة غالبية، هاجمها التحالف الكردستاني لأنه اعتبر هذا الهدف مستحيلاً، ولا يتحقق إلا بعودة الحكم المركزي الصارم، وينطوي على إقصاء وتهميش أحد المكونات المجتمعية المهمة، والمقصود هو إقصاء الزعامات الكردية التقليدية التي يمثلها هذا التحالف والتي تحاول احتكار تمثيل المكون الكردي، ولكنه – الكردستاني – ينسق على أعلى المستويات من أجل تشكيل حكومة غالبية.
يتضح مما سبق، أن من يرفضون حكومة الغالبية السياسية يرفضونها إذا كانت بقيادة أو مشاركة ائتلاف المالكي، ولكنهم معها إذا كانت بقيادتهم وتحت هيمنتهم. وهذا الخيار يعني ضمن ما يعني انتقال قائمة المالكي إلى المعارضة. وهو يعني أيضاً، أنّ قائمة المالكي إذا فازت بعدد جيد من المقاعد يقترب من مئة وعشرين مقعداً، فهي ستكون بحاجة إلى 44 مقعداً يوافرها لها من سيبقى معها من حلفاء «من القوائم الشيعية» أو المستقلين. والواقع فإن هذه الآمال التي عبّر عنها بعض قادة «دولة القانون» مبالغ في تفاؤلها رغم أن حالة الاستقطاب الطائفي الشديدة وانعكاساتها على الجمهور الانتخابي في الجنوب والوسط لا تجعلها مستحيلة في أعين الكثيرين وسيكون لشخصية المالكي، بسلبياتها وإيجابياتها، دورها الكبير، إضافة إلى حزمة عوامل تطرقنا إليها في مناسبة سابقة في تقرير النتائج النهائية للسباق الانتخابي.
وما دمنا بصدد النتائج المتوقعة، ومع كل الغموض والتشوش السائدين فإن من المتوقع أن يكون للآلة الحزبية والعشائرية والمال السياسي الداخلي أو الإقليمي تأثيرات كبيرة على النتائج المعبر عنها بأعداد المقاعد. ففي ما يخص الآلة الحزبية نجد أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في عدد منتسبيها بحد ذاته بل في قدرته على حشد الأصوات. وهنا، يتحول ألف ناشط حزبي مثلاً إلى عشرة آلاف صوت أو أكثر، والأمر نفسه يقال عن الآلة العشائرية وخصوصاً في الأرياف وفي المدن المريَّفة كمدينة الثورة/ الصدر في بغداد. غير أن نشاط هذا العامل «الآلة الحزبية والعشائرية»، يبقى مشروطاً بجملة شروط موضوعية تتصل بالواقع «السياجتماعي» ككل. وعلى هذا، يمكن لنا أن نتوقع حفاظ التيار الصدري على مقاعده الأربعين أو أن يحد من خسائره المتوقعة كثيراً، غير أنه سيكون بعيداً عن مصير آخر أكثر سوءاً بفضل آلته الحزبية رغم ما أصابها من صدوع وتشققات خلال الفترة الماضية. ومثل ذلك يمكن أن يقال عن حزب المجلس الأعلى بقيادة عمار الحكيم، ولكنه قد يستثمر نجاحاته في الانتخابات المحلية الأخيرة فيوسع حصته من المقاعد في البرلمان المقبل قليلاً. غير أنّ هذا العامل لن يكون مفيداً أو مؤثراً على مصير قوى وشخصيات أخرى كإياد علاوي الذي تشير التقديرات إلى أنه سينتهي كقوة وشخصية سياسية مثيرة للجدل، رغم أنه نجح في الحصول على وفرة جيدة من المال السياسي من دول الخليج بحسب ما أشارت بعض المصادر. ونجح أيضاً في كسب بعض الأسماء المعروفة خصوصاً من العرب السنة في قائمته، وخصوصاً ممن جربوا حظهم في الانتخابات السابقة مع هذا الائتلاف أو ذاك، ولكنهم فشلوا كالسيد محمود المشهداني، رئيس مجلس النواب الأسبق.
أما في الساحة الكردية، فيبدو أن حزب الطالباني قد بدأ بالتلاشي الفعلي قبل الانتخابات بفترة طويلة نسبياً، حين خسر معاقله الرئيسية في الإقليم، وخصوصاً السليمانية لصالح حركة «كوران – التغيير»، وأعلن قبل أيام قليلة خمسة من قادة الحزب الكبار انشقاقهم والتحاقهم بحزب البارزاني. هذا الأخير، سيخسر مزيداً من المقاعد لمصلحة حركة «التغيير – كوران» التي ستنتقل الى مرتبة الحزب الكردي الثاني وربما أكثر! على جبهة القوى والشخصيات ضمن مكون العرب السنة من الصعب التكهن أو استشراف أي نتائج بسبب صعوبة الوضع الأمني في المنطقة العربية والتوتر السياسي والاستقطاب الطائفي في المحافظات الثلاث ذات الغالبية السكانية العربية السنية: نينوى والأنبار وصلاح الدين إضافة إلى المحافظات المختلطة كمحافظة ديالى والعاصمة بغداد. إنما يمكن أن نتوقع أن تحافظ بعض الشخصيات العشائرية على حضورها في البرلمان بفضل أصواتها العشائرية، كذلك يمكن أن يخسر ائتلاف النجيفي كثيراً في الأنبار وستكون خسائره أقل في نينوى. يبقى الحزب الإسلامي (فرع الإخوان المسلمين) فهو لن يتمكن كما يبدو، رغم ما بحوزته من المال السياسي، القطري تحديداً، في الخروج من حالة فقدان الوزن والاختناق الجماهيري التي يعاني منها منذ الانتخابات السابقة.
كلمة أخيرة حول قائمة انتخابية تدعى «التيار المدني الديموقراطي»، التي بادرت إلى تشكيلها شخصيات وقوى يسارية وليبرالية أبرزها الحزب الشيوعي العراقي، الذي فشل في الانتخابات السابقة في الفوز بأي مقعد نيابي، فرغم أنّ واقع الحال العراقي اليوم يرشح أية قوة يسارية أو علمانية لحصد نتائج جيدة، بدفع من إخفاقات وحماقات الإسلاميين المهيمنين على الحكم، ولكن هذه القائمة كما يبدو لن تحصل على الكثير، خصوصاً بعدما ارتكبت ما شبهه ناشطون في مواقع التواصل الاجتماعي بالانتحار السياسي والانتخابي حين وافقت على أن يكون أحد أبرز مرشحيها صديق إسرائيل العلني والذي رفع البرلمان السابق عنه الحصانة بعد سلسلة زياراته إلى تل أبيب ودعوته الى عقد اتفاقية صداقة بين العراق والكيان الصهيوني، النائب السابق مثال الآلوسي. ولو أن هذه القائمة اعتمدت على الوجوه اليسارية والنقابية العراقية النظيفة وذات السمعة الحسنة والتاريخ السياسي الناصع لاختلفت النتائج بكل تأكيد. ولكن المثل الشعبي العراقي يقول «الـ «لو» زرعوها ما خضرت»! ولكن يبدو أن هناك أيدي خفية أرادت أن يكون المشهد اليساري والمدني الديمقراطي بهذا الشكل البائس، فأصرّت على حشر الآلوسي على رأس القائمة في حركة خرقاء ومهينة لكل تاريخ اليسار العراقي.
* كاتب عراقي