يتلبَّد في الأفق مشهد مأساوي تزداد مكوّناته الكوارثية يوماً بعد يوم، وعلى كل صعيد. الأمور تتجه نحو الأسوأ من دون كوابح أو ضوابط. مكوّنات السلطة السياسية تُراوح في اجترار الأزمة ومعها موارد ومقوّمات البلاد وعافيتها، وصولاً إلى لقمة العيش، وشروط الاستقرار، وأسباب الوجود والاستمرار. من ينشط من أطراف المنظومة السلطوية لا يفعل سوى تبنّي مشاريع تدميرية لا تخدم سوى القوى الدولية والإقليمية (العدو الصهيوني خصوصاً) الساعية للهيمنة على المنطقة. قوى التغيير التقليدية تُراوح، بدورها، في التشتت وعدم القدرة على التشكّل في موقع موحّد ذي برنامج وقيادة وأولويات وخطة.

القوى الغربية وحليفاتها العربيات تمارس الضغوط والتدخل المباشر والحصار والتحريض بوسائل مباشرة ووقحة، وباستغلال وتعميق الأزمة مستهدفةً بالدرجة الأولى، أفضل ما أنتجه الوضع اللبناني، وهو المقاومة ضد العدو الصهيوني التي تمكّنت من هزيمته في لبنان وفرض توازن في مواجهة اعتداءاته أدّى إلى منع تماديه محلياً وإقليمياً.
إزاء هذا الواقع الخطير المفتوح على كوارث التفتيت والتقسيم والضياع وتبديد النجاحات والإيجابيات، تواصل قوى السلطة فئويتها وعجزها وصراعاتها. تواصل، بشكل خاص عقمها بشأن واجبها في توليد تسوية من شأنها وقف التدهور والانهيار.

من أين تكون البداية؟
تكون البداية من حيث ابتدأ الخلل. والخلل، بالمناسبة، سياسي وبنيوي، قبل أن يكون مالياً ونقدياً، أو حتى اقتصادياً. إنه خلل جوهري قائم في أساس بنية و«صيغة» السلطة والحكم. هذا الخلل قد تفاقم مع مرور الزمن وأدى إلى ما نكابده من أزمات وتدهور وخسائر. كان هو أيضاً، في أساس عدم الاستقرار في لبنان: في أساس وهن وحدتنا الوطنية، ورهاننا المَرَضي على الأجنبي، وتحاصص الدولة ومواردها وكل مواقع النفوذ فيها. كان أيضاً في أساس الحروب الأهلية، والانقسامات الدائمة، ونشوء الدويلات الداخلية على حساب الدولة الواحدة والفاعلة: في حضورها ودستورها وقوانينها وعلاقاتها في الداخل والخارج...
ازدواجية «الميثاق» والدستور، اتجهت، دائماً، لتغليب العرف على النص والطارئ على الثابت والمؤقت على الدائم. ميزان القوى الذي كان العامل الخارجي حاضراً دائماً بقوة فيه، هو الذي رسم السياسات والعلاقات والأدوار، لا النصوص والمؤسسات الدستورية والقانونية. في مجرى ذلك تبلورت وترسّخت المحاصصة وتحولت إلى منظومة تدار من خلالها شؤون البلاد والعباد حتى أبسط التفاصيل. مع ترسّخ المحاصصة أي تقاسم الموارد والنفوذين السياسي والإداري، تراجعت المصلحة العامة وتفاقمت الفئويات وتعدّدت مراكز القرار، وبالتالي، الصراع والتعطيل والاستقواء بالخارج. بهذا وبسواه من الممارسات والإجراءات أصبح النهب مباحاً، والفساد سائداً، والمساءلة والمحاسبة معطّلتين، والعصبيات والغرائز أساس التعبئة، والطائفية عنواناً وقناعاً لتحكُّمِ فئة تتصارع على النفوذ والحصص، وتتوحّد في السطو على مقدرات ومصائر البلاد، ومن ثم توظيفها في زبائنية تفرض الولاء وتؤمن استمراره وتجذّر الزعامة وصولاً إلى التوريث.
في ذروة التدهور والانهيار، تعاني البلاد، الآن، من نزاع مرير ومريض على الحصص والحقائب في الحكومة الجديدة. مع ذلك، ليس ما يشير أبداً إلى أن تشكيل الحكومة سيؤدي إلى احتواء الأزمة أو وقف الانهيار. ذلك أن الحكومة العتيدة هي استمرار للصراع، وليست ثمرة محاولة أو تسوية، وفق برنامج وإجراءات وأولويات، لتخفيف آثاره المدمرة: ولو في الحد الأدنى. في المشهد الكئيب الراهن، إن البلاد تسير نحو الأسوأ بما لا يخدم سوى مصالح أعدائها. حسم الصراع لمصلحة طرف دون سواه لن يحصل بغير حرب أهلية لن ينتصر فيها أحد حتى لو عُدّ فيها رابحاً!! الجنوح نحو التسوية إذن هو المسار الذي لا بديل منه. وصفت هذه التسوية في مقالي السابق، (الأخبار 27/2/2021)، بأنها «بسيطة ومعقّدة» في آنٍ معاً. هي تنطلق من إصلاحات الدستور (إصلاحات اتفاق «الطائف» المكرّسة في الدستور بموجب القانون الدستوري(21/8/1990) من أجل تطبيقها كاملة، بعد أكثر من 30 سنة من التعامل، مع الدستور، عموماً، بشكل انتقائي: تطبيقاً أو تعطيلاً! . هي بسيطة لأنها نصوص دستورية لا تحتاج إلى جولات من الحوار والنقاش والخلاف والاتفاق. الكل يدَّعي وصلاً بالدستور وحرصاً على التمسك «بالطائف». لكنها معقّدة لأن هذا الحرص مخادع ومناور وانتقائي، وتصطدم إصلاحاته، خصوصاً، بإجماع تعطيلي، قديم وجديد! ليس في مقدور المعارضة الشعبية غير الموحّدة وغير الفعّالة، أن تفرض إعادة تأسيس جديدة. لكنها تستطيع أن تتوحّد حول المطالبة بتطبيق النص الدستوري بكامل بنوده.
توفر العودة إلى الدستور، احتراماً وتطبيقاً، فرصة تحرير الإدارة والمؤسسات عموماً من القيد الطائفي. توفر أيضاً، تهدئة الهواجس الطائفية حول «الشؤون المصيرية»: قضايا الحريات الدينية والسياسية والأحوال الشخصية والعلاقات الخارجية... توفر أيضاً أساساً داخلياً لتسوية تحتضن ولادتها ورعايتها المؤسسات الدستورية اللبنانية. تجنّب هذه التسوية ذات الآليات المنصوص عنها وعن آليات تطبيقها في الدستور، عبث ومخاطر اللجوء إلى القوى الخارجية المنقسمة عربياً ودولياً. تدويل الوضع اللبناني لن يؤدي به إلا إلى الاستنزاف حتى الخضوع أو الوصاية وانعدام السيادة والمصلحة الوطنية.
ليس في مشروع التسوية هذا ما يوجب فتح نقاش لا مبرر له حالياً، حول سلاح المقاومة أو سياسات لبنان الخارجية (خارج نطاق موجب حفظ السيادة)... هذه أمور تتعامل معها إدارة جديدة للبلاد منبثقة من انتخابات تجري وفق النص الدستوري وشروط صحة التمثيل وعدالته.
كيف تبدأ آليات التنفيذ؟
يمكن أن تبدأ من جلسة للمجلس النيابي يُقَرُّ فيها إنشاء هيئة وطنية ذات تمثيل شعبي ورسمي (أحزاب وشخصيات من السلطة وخارجها) على غرار تركيبة «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية...» المنصوص عليها في المادة 95 من الدستور... تتولى هذه الهيئة برمجة التنفيذ، وتتولى الهيئات الدستورية المعنية التشريع والتنفيذ.
هذا مشروع برسم القوى الحريصة خصوصاً...
* كاتب وسياسي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا