تشير منظّمة الصحّة العالميّة إلى أنّه، على صعيد العالم، فإنّ ما يقرب من ثلث النساء اللاتي مررن بعلاقة (30%)، أبلغن أنّهن تعرّضن لشكلٍ من أشكال العنف الجسدي و / أو الجنسي من قبل شريكهن الحميم في حياتهن؛ هذا بينما يُرتكب ما يصل إلى 38% من جرائم قتل النساء على يد الرجل الشريك. أمّا في لبنان، فتشير أرقام بعض الدراسات المرتبطة بالعنف ضدّ المرأة، إلى أنّ نسبة النساء المعنّفات هي بين 35% و40%، مع نسب من العنف غير الجسديّ تصل إلى 49% (إحصاءات عام 2019). أي أنّه في بلد الكلام المستمر عن الأديان والطوائف، بين كل 10 فتيات أو نساء نلتقي بهنّ، هناك أربع تعرّضن للتعنيف الجسدي، وخمس تعرّضن لعنف نفسي و/أو جنسيّ و/أو نفسيّ؛ والإحصاءات المتوفّرة لا تشير إلى فارق إحصائيّ بين الأديان في نسب العنف. مع أزمة «كورونا»، تزايدت حالات العنف ضدّ المرأة بسبب الحجر المنزلي، وهو أمر تشهد له الإحصاءات الأخيرة حيث زادت الإبلاغات عن العنف المنزلي بنسبة 25% في بعض الدول بحسب إحصاءات الأمم المتحدة.

أمام هذا الواقع، تغدو مواجهة ظاهرة العنف ضدّ المرأة، دعماً لها بعد حصول العنف، كما ومعالجةً لأسبابها لتفادي وقوع العنف بحقّها، أمرَين حيويّين يستدعيان مسؤوليّة الدولة وشبه حالة طوارئ من المجتمع. لذلك، ينظر الإنسان بإيجابيّة إلى نشوء جمعيّات في لبنان تقودها نساء لمواجهة واقع العنف ضدّ المرأة، وبالتعاون بين الجمعيّات المحلّية والباحثين اللبنانيّين والوزارات المعنيّة. من هنا، فإنّ الندوة الرفيعة المستوى التي قام بها مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعيّة، مختبر علم الاجتماع العائليّ، الجامعة اللبنانيّة، يوم الثلاثاء الواقع فيه 22 كانون الأول / ديسمبر 2020، بعنوان «العنف الأسري في ظلّ الأزمة الاقتصادية وجائحة كورونا»، تثلج الصدر.
هناك رابط بين الممارسات العنفيّة والأزمات الاقتصاديّة، حيث تُنتج تلك الأخيرة بؤساً وتفكّكاً حضاريّاً وحالة من الاضطراب، ففقداناً للحسّ الأخلاقيّ وانهياراً للمعايير الأخلاقيّة، والقيم الاجتماعيّة، وافتقاراً للمثل العليا، ما يُنتِج عنفاً. ومن هنا، العنف ليس سوى الوجه الآخر للضعف والتهميش. وكما يتفشّى العنف في ظلّ الأزمة، فإنّه يتفشّى في ظلّ البحبوحة عندما تهمِّش النُّظم الاقتصاديّة الطبقات الفقيرة وتُبقيها في القلق. تتضافر مع الأزمة رؤيةٌ ثقافيّةٌ تتمسّك بالمنظور الرأسي للسلطة الذي يتيح للأكبر سنّاً وللأقوى، السيطرة على الأصغر سنّاً والأضعف؛ وينظر إلى المرأة والأولاد كامتداد لملكيّة الرجل. هذه الثقافة تدجّن النساء لقبول العنف ضدّهن، حيث يُمارَسُ عليهنَّ نوعٌ من «الاستلاب العقائديّ» بتعبير الأخصّائي النفسيّ مصطفى حجازي. وتضيف أزمة «كورونا» ضغوطاً كبيرة بسبب فقدان الأمان الاقتصادي وزيادة الإحباط والشعور بالحرمان والعجز، التي حلّلها حجازي في كتابَيه «الإنسان المهدور» و»التخلّف الاجتماعي»؛ حيث يتمّ اللجوء إلى العنف كوسيلة لإعادة فرض «القوّة»، بحسب آمي كالمانوفسكي. هذا ما شرحته بعمقٍ ووضوح د. لبنى عطوي منسّقة مختبر علم الاجتماع العائلي.
في المقابل، أبرز العقيد جوزيف مسلّم (قوى الأمن الداخلي) جهود قوى الأمن الداخلي في إشراك المرأة، وتجهيز مفارز قضائيّة وغرف معاينة لاستقبال النساء المعنّفات، وتدريب عناصر غرف العمليّات على تلقّي ومعالجة شكاوى النساء المعنّفات؛ والعمل المشترك مع الجمعيّات، وخدمة الخطّ الساخن 1745 لشكاوى النساء. أمّا المسار القانوني لحماية النساء من العنف، فشرحته الأستاذة زويا روحانا (مؤسّسة «كفى»)، مذكّرة بأنّ العنف الموجّه ضدّ النساء هو موجّه ضدّهن كونهنّ نساء. ونبّهت إلى مؤشّرات تشي بارتفاع عدد حالات العنف ضدّ النساء بعد ظهور فيروس «كورونا» والحجر الصحّي المرافق، مشيرة إلى نواقص في القانون الحالي تحتاج إلى حلول تشريعيّة مستقبليّة.

إنّه لحقّ طبيعيّ أن تناضل الفئات المغبونة من أجل خلق قوّة ضغطٍ وازنة في المجتمع لفرض تغيير للقوانين لمصلحتها


لكنّ المحاضرة انتهت بتعليقات أشارت إلى عمق الشرخ بين النظرة الاجتماعيّة المنتشرة، والتي تعكس النظرة الذكوريّة التقليديّة، وبين ما وصلت إليه نتائج البحوث الاجتماعيّة ونضال الجمعيّات النسائيّة والجهود الكبيرة التي بذلتها قوى الأمن الداخلي. النظرة الذكوريّة التقليديّة تبحث دائماً عن تبرير للعنف ضدّ النساء، فهي مثلاً تبرّر العنف ضدّ النساء بالتساؤل الفوري عمّا تكون قد «فعلته» المرأة أو قالته واستوجب «ردّ الفعل» العنيف، كأنّ الرجل لا يمكنه أن يردّ على «فِعل» أو كلام مفترض للمرأة من دون عنف، والمعروف أنّ الـمُعَنِّف يخلق دائماً تبريراً لعنفه. لكن كان من المؤلم والمفاجئ، في نهاية الندوة المذكورة، أن تأتي التعابير التبريريّة من طرفٍ في علم الاجتماع هو الدكتور حسين أبو رضا، مدير مركز أبحاث معهد العلوم الاجتماعيّة في الجامعة اللبنانيّة. ففي معرض تعليقه على الندوة، قال أبو رضا حرفيّاً: «آمل ألّا تكون نظريّة العنف الأسري أحاديّة الجانب، أعلمُ أنّ المرأة هي العنصر الأضعف، لكن، كما تكلّمنا سابقاً في مركز الأبحاث (هناك) الرجال المعنَّفون، فأحياناً قد يكون العنف (من المرأة ضدّ الرجل) فِكريّاً، نَكَدِيّاً، وليس بالضرورة جسديّاً، أنا أوافقكِ أنّ المرأة هي العنصر الأضعف، ولكن أرغب أن نأخذ في دراسة الظواهر القضايا في دقّتها وتفاصيلها. فما هو الذي يسبّب هذا العنف؟». ثمّ لجأ الدكتور أبو رضا بعدها إلى التعبير عن تقديره للجمعيّات واحترامه لها، ورفض المجتمع الذكوريّ، والوقوف إلى جانب المرأة، وبرّر تعليقه بأنّه أتى من باب «مقارباتنا العلميّة بأبعادها المختلفة». العمقُ والشموليّةُ هما مطلب الدكتور أبو رضا، هكذا يريدنا أن نقتنع، ولكنّه تبرير غير مقنع. فإثر تعليقه، اضطرّت الدكتورة عطوي إلى تذكيره بأنّ العنف ضدّ الرجال ضئيل جدّاً، بحيث إنّه لا يشكّل ظاهرة للبحث. وذكّرت الأستاذة روحانا أنّ قضيّة العنف ضدّ الرجال هامشيّة، وأنّ مؤسّسة «كفى» تعالج الأمور انطلاقاً من الواقع دارسة أسباب العنف، مذكَّرَةً بأنّ ما تخضع له النساء هو عنف بنيوي مسجّل في القوانين. واضطرّت الأستاذة روحانا إلى أن تُنعش ذاكرة د. أبو رضا بأنّ جرائم «الشرف» لم تُلغَ إلاّ أخيراً، وبأنّ جرائم قتل النساء ما زالت مستمرّة، وتمتدّ المحاكمات لسنوات (قضيّة رلى يعقوب مستمرّة منذ عام ٢٠١٣).
لكنّ الدكتور أبو رضا لم يتوقّف عند ذلك في مداخلته، بل قال: «بالإضافة، (فإنّ) عقد الزواج عند الطوائف جميعاً هو اتّفاق مُسبَق بين الاثنين، فإن وافق عليه (طرفٌ) سلفاً (عليه أن يرضى بتبعاته)، (وإلاّ) فالأفضل ألّا يتزوّج. أنا لا أبرّر العنف، بل أريد أن أنظر إلى الصورة الكاملة». هذه الجملة القصيرة المقتضبة للدكتور أبو رضا مليئة بالمعاني، فهي توحي بضرورة القبول بعقد الزواج وما يقتضيه، أو الامتناع عن الزواج. فما هي بالضبط الأمور التي يقتضيها عقد الزواج في عُرف أبو رضا؟ الموضوع الوحيد الذي كان على جدول أعمال اللقاء هو العنف الأسري، العنف ضدّ المرأة والأطفال. كلام أبو رضا لا يمكن أن يُفهَم سوى أنّه يرى أنّ ممارسة العنف هي جزء لا يتجزّأ من عقد الزواج، وأنّه يدعو النساء إلى قبوله، وبالفعل فهو أسرع بالاستدراك فوراً قائلاً: «أنا لا أبرّر العنف»، ذلك أنّ هذا هو المفهوم والمعنيّ من كلامه. لقد برّر العنف ضدّ النساء، ودعاهنّ ضمنيّاً إلى القبول بما قد يصدر عن بعض الأزواج من عنف معنوي أو جسدي، فقط لأنّهن قبلن بعقد الزواج مسبقاً! هذا التعليق هو فضيحة لسببين: فإمّا أنّ قائله يفترض ضمناً أنّ التفسيرات الدينيّة تسمح بالعنف ضمن المرأة في عقد الزواج وهو لا يعترض عليها، أو هو يفترض أنّ العقد يسمح بذلك عمليّاً وهو لا يعترض على ذلك أيضاً، إذ على الطرف الموقّع على العقد أن يقبل بمفاعيله كما يحدّدها «الواقع».
لا بل أنّ تعليق أبو رضا، الحريص على معنويات الرجال من النكد، يحمل لوماً للنساء لرفضهنّ مفاعيلَ عقدٍ وقّعنَه مع علمهنّ المسبق بإمكانيّة وقوع العنف المعنوي والجسدي عليهنّ، بينما كان لديهنّ الحلّ الآخر: ألّا تتزوّجن. بمقاربة لاعقلانيّة، يدعو أبو رضا كلّ امرأة لا تعجبها قوانين الزواج (بحسب تفسيره لتلك القوانين) إلى ألّا تتزوّج. هل نكون أخطأنا بفهم مقاصد أبو رضا؟ هل من الممكن أنّه كان يعبّر فقط عن عدم رضاه بقوانين الزواج الديني ويدعو ضمناً النساءَ إلى الزواج المدني؟ لا نعتقد ذلك، فأبو رضا أكاديمي، ومن المُفترض أن يكون مطّلعاً على أنّ العنف ضدّ النساء موجود في الزيجات الدينيّة والمدنيّة على حدّ سواء.
يبدو من حديث أبو رضا أنّه خلَط بين أمرين: القبول بالزواج بشروط عادلة وإنسانيّة، والقبول بالظلم في الزواج، وبالتحديد القبولِ بعنفٍ ضدّ المرأة في الزواج. فالعنف لا يدخل ضمن مفاعيل أيّ عقد زواج يحفظ الكرامة الإنسانيّة، ولا ضمن أيّ مفهوم عدالة في زمننا. والعدالة، بالطبع، مفهوم مطّاط، فالمستفيدون من ظُلمٍ «مُقَوْنَن» يرتاحون إلى القانون ويدافعون عن بقائه، ولذلك ناضل الناس في كلّ المجتمعات، عبر التاريخ، لأجل تغيير القوانين حتّى ولو كانت مبنيّة على أساس ديني. إنّ النضال لحماية النساء وأطفالهنّ من العنف لا يتعارض مع الرغبة بالزواج وتوقيع عقد زواج، دينيّاً كان أم مدنيّاً. كان يجب ألّا يخفى على د. أبو رضا أنّ المجتمعات تتطوّر، وأنّ وجود قوانين مجحفة بحقّ فئة اجتماعيّة، لا يعني أن تتأبّد تلك القوانين حتّى ولو كانت تستند إلى تفسيرات دينيّة، فالتفسيرات الدينيّة نفسها تتغيّر مع الزمن كما تدلّ حركة المجتمعات؛ وإن لم تتغيّر فالأَجدى بباحثٍ في علم الاجتماع أن يدرس ظاهرة عدم تغيّرها وأسبابها، وعلاقة ذلك مع كون المسؤولين الدينيّين رجالاً مستفيدين لا محالة من أيّ تفسير غير عادل بحقّ المرأة، لأنّه سيكون لمصلحتهم.
إنّه لحقّ طبيعيّ أن تناضل الفئات المغبونة من أجل خلق قوّة ضغطٍ وازنة في المجتمع، لفرض تغيير للقوانين لمصلحتها. ومن الطبيعي أن نرى متضرّرين من العدالة يناهضون نضالاً كهذا. نتساءَل في أيّ طرف يضع تعليق وتصرّف أبو رضا وزميله في معركة مناهضة العنف ضدّ النساء؟
ولأنّه ليس بقدرة إنسان أن يحيط بكلّ ما يصدر من معلومات في ميدانه، يكون من الواجب عليه أن يتحلّى بروح البحث المتواضع الذي يقوم أساساً على الإصغاء للمعلومات الجدّية، والتفكّر بها والتعلّم منها، عوض محاولة تهميش الواقع الفجّ للعنف ضدّ النساء، باختراع ظاهرة غير موجودة حول «العنف ضدّ الرجال» والتركيز عليها بداعي التوازن والإحاطة بجميع الجوانب. ثمّ إنّ طلب الإحاطة بشكل كامل وشامل بموضوعٍ ما، هو طلب الذين لا يريدون أن يبحثوا في الموضوع أصلاً، بل يريدون أن يتجنّبوا تغيير الواقع ليحافظوا على امتيازاتهم. ثمّ إنّ المطالبة بإحاطة شاملة هي غير واقعيّة ولا علميّة، فمن المعروف أنّ ما من فريق بحثي يملك كامل الوسائل الماليّة والبشريّة، لبحث أيّ موضوع كان بشكل كاملٍ وشاملٍ وتفصيليّ. إنّ الباحثين حول العالم يقاربون المواضيع الشائكة على مراحل، ويبدأون بالمواضيع الكبرى أوّلاً. وفي موضوع العنف الأسري، العمل المجدي حول الرجل هو العمل على تربيته على عدم استخدام العنف مع زوجته وأولاده. إنّ محاولة أبو الرضا إضفاء طابع مساواة بين العنف ضدّ المرأة وبين العنف ضدّ الرجل، هو بمثابة محاولة مبطّنة لإخفاء معالم جريمة يوميّة، تُذكِّرُ بمحاولات دول الاحتلال إخفاءَ عنفها الهائل في حقّ الشعوب المُحتلَّة، بتركيزها على عنفٍ نادرٍ لا يُقارن بعنفها ارتكبه مظلومٌ يمارس في الغالب ردّ فعل هامشيّاً على عنف بنيويٍّ مُقَوْنَن وبادئ يمارسه الاحتلال.
لكنّ التقدّم الحاصل في قضايا العنف الأسري في لبنان مشجِّعٌ، وقد عكسه العمق العلمي، والسلاسة، والتصميم الواعي، إذ تجلّى ذلك في مداخلات د. عطوي، والعقيد مسلّم، والأستاذة روحانا، إذ جاءت مداخلاتهم متكاملة ونوعيّة، فكانت الندوة مؤشّراً إلى الإمكانات الكبيرة للتعاون المحلّي الذي يشكّل أملاً باستمرار التغيير في الواقع الأسريّ في لبنان في ما يختصّ بالعنف الأسريّ.
* أستاذ جامعي
مراجع:
منظّمة الصحة العالميّة:
https://www.who.int/news-room/fact-sheets/detail/violence-against-women

الأمم المتحدة:
https://www.unwomen.org/-/media/headquarters/attachments/sections/library/publications/2020/policy-brief-the-impact-of-covid-19-on-women-en.pdf?la=en&vs=1406