غابت البرامج السياسية والاجتماعية والاقتصادية عن الحملة الانتخابية التشريعية العراقية، وكثرت الشعارات واللافتات والملصقات وصور المرشحين! ذلك هو الانطباع الأول الذي يسجله الراصد قبل موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي العراقي بأقل من شهر.


الانطباعات الأخرى لا تقل إشكالية، ومنها أن القوائم الانتخابية الكبرى التي خاضت الاستحقاق الانتخابي التشريعي السابق تفككت وانقسمت على نفسها، ونزلت في هذه الانتخابات كقوى صغيرة. غير أن هذا التفتت لا يعول عليه في الخروج باستنتاجات مهمة وعميقة لأنه تفتت مقصود ومصطنع وليس حقيقياً. إنه انفصال طوعي لأجزاء من الكتل الكبيرة لتخوض الانتخابات بشكل مستقل شكلياً أملته طريقة احتساب الأصوات وفق ما سمي «سانت ليغو المعرّقة»، التي تعطي فرصاً أكبر للقوائم والقوى الصغيرة بالفوز بفائض الأصوات وفق طريقة حسابية معقدة تختلف عن الطريقة السابقة، والتي كانت تقسم فائض الأصوات على أقوى الفائزين وليس على أقوى الخاسرين ولكن التعديل الجديد حدَّ كثيراً من إمكان استفادة القوائم الصغيرة.

هذه الانتخابات سترتبط باسم رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي شكلاً ومحتوىً
هذا التطور يعني أنّ الكتل الكبرى التي انقسمت أو تفتت ستعود لتلتئم بمجرد إعلان النتائج الانتخابية وفق ولاءاتها الطائفية والعرقية أولاً، واصطفافاتها المصلحية المستقبلية ثانياً.
ومع ذلك فإن المواجهة هذه المرة لن تخرج عن المضمون «السياجتماعي» للمواجهة الانتخابية السابقة، فهي – من حيث المبدأ والسياق - ستكون مواجهة بين قوتين تقليديتين: الأولى، هي التحالف الشيعي «الوطني» بقيادة وهيمنة «دولة القانون» والتحالف العربي السني «العراقية في طورها الجديد المنقسم» ويبقى التحالف الكردستاني بوصفه بيضة القبان.
ومع أن البرامج السياسية الحقيقية قد غابت كما قلنا، ولكن الشعارات الرئيسية المعلنة تقول الكثير. فدولة القانون رفعت شعارها الرئيسي الهادف لتشكيل حكومة غالبية سياسية تنهي فترة حكومات المحاصصة الطائفية تحت مسمى لا علاقة له بها هو «المشاركة الوطنية».
إن بلوغ مرحلة التنافس للفوز بتشكيل حكومة غالبية سيمثل ظاهرياً على الأقل، خطوة إلى الأمام في تطور الوضع السياسي والاجتماعي في العراق لكنها ستكون أيضاً خطوة خطرة وصعبة التحقيق والتداعيات. إضافة إلى أنها ستكون مشروطة بجملة عوامل وموازنات لعلّ من أهمها النتائج النهائية التي ستتمخض عنها، معبراً عنها بعدد المقاعد للأطراف المتنافسة. لهذا ستكون مرحلة ما بعد الانتخابات أكثر صعوبة وتعقيداً من مرحلة ما قبلها. من أسباب ذلك، أن النتائج لن تكون حاسمة، ولن تعطي غالبية واضحة لطرف قوي واحد كما ترجح أغلب التوقعات. وربما سيدخل الوضع العراقي بسبب ذلك مرحلة طويلة من الصراع والمنافسة ما يؤدي الى تطويل فترة التكليف وبقاء حكومة المالكي الحالية كحكومة تصريف أعمال، وهذا الواقع سيفرز حالة أكثر صعوبة على الصعيد الأمني والسياسي والاقتصادي. وعلى هذا، فمن الممكن أن يتطور الصراع السياسي خطوة إلى الأمام إذا كانت نتائج الانتخابات قريبة من الحسم، ويمكن أن نستشرف انبعاثاً لتحالف «أربيل ــ النجف» (يضم القوى الكردية والسنية وتيار الصدر الشيعي التي تحالفت قبل بضعة أشهر لحجب الثقة عن حكومة المالكي وفشلت في ذلك) إلى الوجود والنشاط في مواجهة دولة القانون وبعض الفصائل السنية المعتدلة إذا نجحت بإحراز نتائج جيدة أو حتى متوسطة غير أن هذا ليس سهلاً، ولعله لا يقل صعوبة عن فوز تحالف «أربيل ــ النجف» بتشكيل حكومة غالبية سياسية.
في كلا الحالتين، وسواء فاز تحالف «أربيل ــ النجف» بالغالبية السياسية وشكل الحكومة «حكومة غالبية سياسية»، أو حدث العكس وتمكن المالكي وتحالفه من القيام بذلك، فإن الصراع سيكون قد خرج من بدائيته الطائفية ليكون على المستوى العراقي، ولا أقول «الوطني» فقد يكون هذا التوصيف مبكراً. ولكن ذلك على خطورته يعدّ خطوة على طريق فرض التراجع على القوى الطائفية التقليدية، وربما سنشهد تبخر وتلاشي بعض القوى السياسية، وفي مقدمتها حركة إياد علاوي والفضيلة والنجيفي في الأنبار وليس في الموصل. غير أن هذا لا يعني نهاية حكم المحاصصة الطائفية، أو وقف مفاعيل الاستقطاب الطائفي في المجتمع والسياسة ولكنه سيجعله أكثر وضوحاً وسيجعل، وهذا مهم جداً، خصومه أكثر وضوحاً أيضاً.
التحليل السالف يتفق في العمق مع وجهة نظر تكاد تحصل على شبه إجماع من المحللين والمهتمين بالشأن العراقي، ومفادها أنّ هذه الانتخابات سترتبط باسم رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي شكلاً ومحتوىً. أي إنها ستكون انتخابات بقاء أو إزاحة المالكي، وستكون لناحية هدفها وشعاراتها انتخابات تغيير وجوه لا تغيير مضامين و تأسيس برامج وسياسات تنحو منحىً تغييرياً، فالمحاصصة الطائفية ودستورها ليسا موضع خلاف أو جدل بين الفرقاء المتنافسين. غير أنّ مشكلة هذا التحليل والرؤية التي يُنطلق منهما ليست في سعة انتشارهما ومنطقيتهما الشكلانية، وهما أكيدان، بل في خلوهما تماماً من المضمون البرنامجي الخاص بمرحلة ما بعد الانتخابات، فما الذي يَجمَع ويُجمِع عليه خصوم المالكي غير هدف إسقاط خصمهم؟ لا شيء أبداً!
ومع ذلك وتعميقاً للنقاش سنحاول تفحّص الوضع الراهن للجهتين عبر القيام بعملية تحليل حساب نقط الضعف والقوة. ولنبدأ بالمالكي وائتلافه، فعلى صعيد نقاط الضعف نسجل:
ــ أصبح المالكي الرمزَ الحكومي الأكثر مقتاً وكرهاً، وخصوصاً لدى الجماهير المسيّسة والمعبأة طائفياً أو قومياً في المناطق الغربية والشمالية وفي مدن الإقليم الكبرى، وأيضاً لدى محازبي وأتباع تيار مقتدى الصدر لأسباب عديدة تتصل بمسؤوليته عن عمل الحكومة وفضائح الفساد التي كان بعض «أبطالها» من الوزراء والشخصيات الحكومية المقربة منه والتي أفلتت من العقاب والمحاسبة.
ـــ فشل المالكي في حلّ الأزمات والمشكلات المتراكمة في المرحلة التي سبقت رئاسته وزاد عليها أزمات ومشكلات جديدة، منها ما يتعلق بالملف الأمني وملف الخدمات وملف العلاقات الخارجية وملف الفساد المالي والإداري.
ــ الاضطراب الكبير الذي طبع قيادة المالكي للحكومة وتقلباته الحادة في نسج وإدارة العلاقات مع حلفائه القريبين والبعيدين ومع خصومه، إضافة إلى تماديه في التعبير العملي عن نزعته للتفرد في قيادة مؤسسات الحكومة والوزارات وفي تصريحات غير موفقة تبدر منه بين فترة وأخرى.
ــ فشله في فك الحصار الإقليمي حول حكومته من قبل السعودية وتركيا خصوصاً على رغم ما تحقق على صعيد إخراج العراق من وصاية الباب السابع لميثاق الأمم المتحدة عموماً، وتبعيته أو لنقل خضوعه للإملاءات الإيرانية ورفضه الوقوف ضد تدخل إيران السافر في الشأن العراقي.
ــ تفاقم الاستقطاب الطائفي وتصاعد أصوات التحريميين والتكفيريين من الإسلاميين الشيعة وتسهيل مهمتهم من قبل المالكي نفسه في استهداف القوانين والمؤسسات الجمهورية المعتدلة، وخصوصاً «ترخيصه لقانون الشمري للأحوال الشخصية الجعفرية». وإضافة إلى التصرفات والتصريحات المتشنجة لدى بعض من صقور حزب الدعوة ذوي الميول الطائفية كعلي الأديب واستمرار تبنيه أسماء لا تتمتع بقبول شعبي كموفق الربيعي، الذي كان مقرباً جدّاً من بول بريمر ووزير الدفاع الأميركي رامسفيلد.
أما على صعيد نقاط القوة والإنجازات فيمكن للمالكي أن يسجل لصالحه الآتي:
ــ نجاحه في عملية إخراج قوات الاحتلال وفق معاهدة معلنة بسلاسة وبشروط لم تكن كلها أو أغلبها لصالح دولة الاحتلال، رغم الرفض القوي لانسحاب المحتلين من قبل القيادات الكردية جمعاء، ومطالبة بعضها باستمرار بقاء قوات الاحتلال لعشرين سنة أخرى بحجة عدم اكتمال بناء القوات المسلحة العراقية وبعض الزعامات السنية وفي مقدمتها طارق الهاشمي بحجة الخوف من انفراد الشيعة بحكم البلد.
ــ إخراجه العراق من سنوات التقاتل الطائفي «2006 ما بعدها»، وانتهاء ظاهرة الجثث المجهولة وانقطاع الصلة جغرافياً وإدارياً بين العاصمة ومحافظات العراق وحتى بين أحياء العاصمة ذاتها وإعادة سيطرة الدولة على الأرض مع استمرار حدوث الخروقات الأمنية الكبيرة، وتوجيه ضربات قوية للمليشيات الشيعة في الجنوب وبغداد.
ــ تحقيق استقرار ملحوظ في الملف الاقتصادي والقدرة الشرائية للدينار العراقي، وتقدم كبير في الملف الكهربائي وتحقيق تقدم في إنتاج وتسويق النفط ورفض أيّة مساومة على قضية السيادة الاتحادية على ملف استخراج وتصدير النفط من الإقليم.
ــ سيطرته على أجهزة حكومية وقضائية مهمة تمكنه من خوض الاستحقاق الانتخابي بشكل مريح إضافة الى إمكان استثماره للوفرة المالية «من المال العام» لأغراض انتخابية.
ــ المالكي وائتلافه ضمنا مسبقاً ما يقرب من مليون صوت في التصويت الخاص بأفراد القوات الأمنية من الجيش والشرطة عبر استخدام موقعه كقائد عام للقوات المسلحة كما يتهمه خصومه.
ــ يقف خلف المالكي جيش جرار من المنتفعين والمتمتعين بمخصصات مالية وامتيازات جيدة تحت عناوين عديدة، إضافة إلى بضعة آلاف من المديرين والمديرين العامين، وكل هؤلاء يتحولون في حملات الانتخابات إلى جيش من الناشطين من أجل الحفاظ على امتيازاتهم وبقاء زعيمهم.
ــ يتمتع ائتلاف المالكي بشبكة واسعة من التنظيمات والمليشيات النائمة، «قوات الإسناد وغيرها، توافر له زخماً جماهيرياً في حاضنته الطائفية في الجنوب والوسط.
ننتقل الآن الى ملفات خصوم المالكي في «تحالف أربيل ــ النجف»، ونتفحص، أولاً، نقاط ضعفهم:
ــ التشتت وانعدام أي رؤية أو برنامج سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي.
ــ إن تبعية بعض أطراف هذا التحالف لإيران أو تركيا لا تقل عن تبعية بعض الأحزاب الإسلامية الشيعية لإيران، وخصوصاً من «الكردستاني»، فإيران تتدخل علناً حتى في تركيبة قيادة حزب الطالباني مثلاً وفي قضية وراثة زعامته للحزب.
ــ تورّط قادة ورموز من هذا المعسكر في فضائح فساد مالي وإداري أو في أعمال إجرامية مسلحة ضد الدولة والمجتمع.
ــ رفض أطراف من هذا المعسكر انسحاب قوات الاحتلال الأميركي لأسباب طائفية وقومية كما فعل زعماء الكردستاني، إذْ طالب بعضهم علناً ببقاء قوات الاحتلال لعشرين سنة مقبلة أو بعض زعماء العراقية كطارق الهاشمي المحكوم بالإعدام بتهمة جرائم إرهاب وعمليات مسلحة.
ــ السمعة السيئة لبعض قادة هذا التحالف وعلاقاتهم السرية والعلنية مع الدول والاستخبارات الأجنبية، والتي اعترف بعضهم بها علناً، كعلاوي.
ــ الخلافات الداخلية العميقة والتنافس الضاري على المغانم والمكاسب والامتيازات ضمن المعسكر الواحد، وأحياناً ضمن كل جزء من أجزاء هذا المعسكر.
ــ يدافع بعض قادة هذا المعسكر عن خيارات انفصالية صريحة «الإقليم الكردي» أو بأقلمة العراق طائفياً «الأنبار والموصل».
أما نقاط القوة التي يتمتع بها تحالف «أربيل ــ النجف»، فمنها:
تستثمر أطراف هذا التحالف حالة الغضب والرفض وعدم الرضا الواسعة والعميقة التي تسود الشارع العراقي كله، نتيجة إخفاقات الحكومة وفضائح الفساد والتفرد والإقصاء والتهميش الطائفي ضد العرب السنة خصوصاً.
ووجود دعم مالي ولوجستي وإعلامي جيد من أطراف إقليمية في مقدمتها دول الخليج وتركيا.
ولدى التحالف كفاءات إدارية وسياسية ذات خبرة جيدة غالبيتها من بقايا النظام السابق.
وإمكان استثمار الحماقات والسياسات والشعارات المتطرفة للقوى التحريمية الإسلامية الشيعية المتطرفة والتي باتت تشكل عبئاً ثقيلاً على الحياة اليومية للمواطنين.
تلك هي أبرز نقاط قوة وضعف القوتين الكبيرتين اللتين من المرجح أن تصطفان في مواجهة بعد الانتخابات، فأي السيناريوهات سيكون ممكن التطبيق؟ فوز للمالكي وحلفائه يمكنه من تشكيل حكومة غالبية سياسية، أم يحدث العكس وتشكل قوى تحالف «أربيل النجف» تلك الحكومة؟ أم أنّ الخيار الثالث وقيام «ائتلاف الأقوياء» كما سمي ذات يوم بين دولة القانون وطرف كبير من التحالف السابق كأن يكون النجيفي هو الأرجح؟ ستكون لنا عودة إلى الموضوع قريباً.
* كاتب عراقي