«نحن لسنا مدمنين على النّفط، سيّاراتنا هي المدمنة» - ر. جيمس وولسي، مدير سابق للاستخبارات المركزية الأميركية


العنوان هنا هو استعارة من الكتاب الشهير للمؤرّخ الاقتصادي كارل بولاني، ولكنّ المقصد هو أنّ السياسة العربيّة ستدخل في مرحلة تحوّلٍ بنيويّ في السنوات المقبلة بسبب مصطلحٍ يتكلّم عنه الاقتصاديون منذ عقود ولكن يبدو أنّه، أخيراً، سيزورنا في الواقع: مفهوم «الذروة النفطية» (peak oil). منذ بداية عهد النفط واستهلاك الناس للوقود، ينمو باطراد ويرتفع معه الإنتاج العالمي من هذه المادّة؛ «الذروة النفطية» هي النقطة التي يصل فيها استهلاك النفط وإنتاجه إلى أعلى مستوى، لن يتجاوزاه مجدّداً في المستقبل، ثمّ يبدآن بالانخفاض التدريجي (أو السريع).
الفكرة هي أنّه، منطقياً، فإنّ «الذروة النفطية» آتية لا محالة، هذا نعرفه - بالمعنى «الفلسفيّ» - منذ بداية عهد النفط، ولكن المشكلة هي أنّ لا أحد يعرف متى سيحصل، وهو قد يكون وضعاً لن تتعرّف إليه حتّى يصبح خلفك. كما أنّ تعبير «الذروة النفطيّة» منذ عشر سنوات يعني أمراً مختلفاً تماماً عمّا نقصده بنقطة الذروة اليوم. كما تشير «بلومبرغ» في تحقيقٍ عن الموضوع، فإنّنا (حتى زمنٍ قريبٍ جدّاً) كنّا نفترض أنّ الانخفاض التاريخيّ في السوق النفطي سيأتي من جانب الإنتاج، أي أنّ استهلاك النفط سيتوسّع باستمرار ومعه الإنتاج حتى نصل إلى يومٍ لا نقدر فيه على استخراج المزيد من النفط لتلبية الحاجة المتزايدة للطاقة (لأننا استكشفنا كلّ الحقول الكبيرة، وبدأت الحقول القديمة بالنضوب، ووصلنا إلى حدود التكنولوجيا ومخزون الأرض من الوقود الأحفوري، إلخ). ولكنّ «الذروة النفطية» التي يتكلّم الكثيرون عنها اليوم كواقعٍ ماثل تعني أنّ الانخفاض سيأتي من جانب «الطلب»، حيث يتباطأ الطلب العالمي على النفط والمؤشّرات تقول بأنّه سيبدأ بالانخفاض. سيكون هناك الكثير من النفط المتبقّي في باطن الأرض حول العالم، ولكنّ الناس لن يحتاجوا إليه كلّه، وسيطلبون مع السنين كميّاتٍ أقلّ فأقلّ.
مع أنّ شكلَي «الانحدار» يبدوان متشابهين على لوحٍ بيانيّ، إلّا أنّهما، في الواقع الفعلي وفي السوق، يعطيان سيناريوَين متباينين جذرياً: الحالة الأولى، الانحدار من ناحية العرض، تعني ندرةً للنفط في السوق وعطشاً متزايداً له، تتنافس فيه الدول على الحظي بالإمدادات النفطية، وتشتعل الحروب ويتعارك الناس على محطّات البنزين ويخزّنون الوقود في صهاريج الماء؛ بينما يرتفع سعر السائل الأسود إلى مئات الدولارات للبرميل. في الحالة الثانية، الانحدار من ناحية الطلب، فإنّ سعر النفط إجمالاً سينخفض بشكلٍ «بنيوي» عن المعدّلات التي عرفناها في السابق، سيكون السوق «سوق مشترين»، وقيمة شركات النفط وأصولها ستتكسّر. أسوأ شيءٍ يمكن أن يحصل لشركة أو لاستثمارٍ بعيد المدى، هو أن يكون أفق نموّه مسدوداً أو جزءاً من سوقٍ ينكمش، فلا أحد يريد أن يشتري سهماً ويحتفظ به إن كان يعرف أنّ قيمته بعد عشر سنوات ستكون أقل من قيمته اليوم. منذ أيام قليلة، مثلاً، أعلنت ولاية نيويورك أنّها ستنتزع أسهم النفط بالكامل من استثمارات صندوق التقاعد الذي تديره (تبلغ قيمة محفظته 226 مليار دولار)، وهذا ليس مجرّد قرارٍ «بيئي» - فدعوات البيئيين لإخراج الصندوق من سوق النفط حثيثةٌ منذ سنواتٍ طويلة - بل إنّ الإجماع عليه يعكس نظرةً تجارية تعمّ السوق وتقول بعدم الرهان على هذه الأسهم على المدى البعيد (أسهم النفط عموماً انخفضت بشكلٍ قياسي هذا العام، حتى بعدما تعافى سعر البرميل نسبياً).
شركات الطاقة الكبرى نفسها أصبحت، في السنوات الماضية، تضع «عدّاداً» لنقطة الذروة وتقديراً لموعدها؛ البعض كان يقول 2030 والبعض الآخر 2035 أو 2040. ولكن هذا كان قبل «كوفيد»، حيث غيّر الوباء أنماط الاستهلاك والحياة بشكلٍ سرّع، بعدّة سنوات، «عدّاد» ذروة النفط، حتّى أنّ الكثير من المحلّلين يقولون إنّ هذه العتبة قد أصبحت خلفنا بالفعل، وإنّ عام 2019 سيكون العام الذي شهد أعلى استهلاكٍ للنفط في تاريخ البشريّة. المهم هنا، بالنسبة إلينا، هو أنّ خبراً كهذا يفترض به أن يكون أهمّ شيءٍ على الإطلاق بالنسبة إلى أيّ حكومةٍ نفطيّة، وأيّ مواطنٍ في دولةٍ نفطية، بل وأيّ عربي في الإقليم الذي سيتغيّر جذرياً - مهما حصل عدا عن ذلك - بسبب هذا العامل وحده. أما الغريب فهو أنّ لا أحد تقريباً يتكلّم عن هذا الحدث ومفاعيله علينا، بدءاً بالحكومات الخليجية نفسها، أوّل من سيتأثّر بهذا التحوّل ويدفع ثمنه.

لماذا هذه المرّة تختلف
كما مع كلّ مقالٍ عن النفط ومستقبله، فإنّ من الواجب دوماً تكرار اللازمة ذاتها: خلال القرن الماضي، خرجت عشرات التوقعات والنماذج الرياضية التي حاولت، بشتى الطرق والمناهج، أن تتنبّأ بسعر النفط واستهلاكه، وكلّها بلا استثناء كانت على خطأ (أو أحياناً تكون النتائج عكس الافتراضات تماماً، كمثال «الذروة النفطية»). هذا له أسبابه، فمن المستحيل أن تتنبأ بمستقبل التكنولوجيا التي لم تظهر بعد وكلفة خدمةٍ معيّنة في المستقبل، أو بِعادات الناس في الاستهلاك والتنقّل، أو سياسات الدول؛ ولكن هناك أسبابٌ موضوعيّة تسمح بالمحاججة بأنّ ناقوس «الذروة النفطية» الذي يدقّ اليوم يختلف هذه المرّة عن سابقاته.
أوّلاً، اكتشفنا أنّ هناك كميات من النفط والغاز في متناولنا أكبر بكثير ممّا كنّا نعتقد. جاءت بدايةً الأساليب الحديثة في الحفر و«تحسين الاستخراج» من الحقول القائمة (أي أن تستفيد من 20% من النفط الكامن في الحقل بدلاً من 10%)، وهذا لوحده ضاعف تقريباً كلّ الاحتياطات العالمية مقارنةً بالحسابات القديمة. ثمّ تبيّن وجود كميات هائلة من النفط غير التقليدي، نفط صخري ونفط رملي ونفط في قاع المحيطات وتحت القطب الشمالي، ما يعني أنّ كلّ ارتفاعٍ في الحاجة إلى النفط وأسعاره سوف تفرج عن احتياطات كبيرة قد لا نكون نستغلّها حالياً.
ثانياً، وهذا أهم: حتّى التسعينيات من القرن الماضي، كان سوق النفط حين ندرسه «نظاماً مغلقاً» يمكن حصر متغيّراته. لدينا مزيج طاقوي معروف ومحصور (فحم، طاقة نووية، نفط وغاز) يعتمد عليه كلّ بلدٍ في العالم، وعناصره قد تتبادل الحصص في ما بينها - إلى حدٍّ ما - بحسب الأسعار وأحوال الاقتصاد. في الوقت ذاته، كان هناك «سقفٌ» حتّى على هذه العمليّة، يفرضه قطاع النقل وطبيعة محرّك الاحتراق الداخلي: مهما ارتفع سعر برميل النفط، فلا غنى عنه ولا بديل في تشغيل السيارات والطائرات والسفن؛ هذا قطاعٌ كان «محجوزاً» للوقود النفطي. اليوم، حصل اختلالٌ في جميع هذه «الثوابت». أصبحت الطاقة الشمسيّة، بحسب الدراسات، هي المصدر الأكثر رخصاً لإنتاج الكهرباء بالنسبة إلى 70% من سكّان العالم - بعد سنواتٍ طويلة من الاستثمار والأبحاث والحوافز التي خفّضت بشكلٍ سريع من كلفة الطاقة المتجدّدة وتقنياتها. لم يعُد الغاز الطبيعي هو «الوقود النظيف» الذي سيشغّل أكثر معامل الكهرباء في أوروبا واليابان في المستقبل، بل أصبح «وقوداً مرحليّاً» لغاية الانتقال إلى عصر الطاقة المتجدّدة و«الحياد الكربوني».
هذا قد اقترن مع صعود السيارة الكهربائية وانتشارها. لا تزال أعدادها محدودةً على المستوى العالمي، ولكن الاتجاه العام للأمور أصبح واضحاً، وهو يتحقّق بشكلٍ أسرعٍ ممّا تخيّلنا. في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، تجاوز عدد السيارات الكهربائية التي تمّ تسجيلها في أوروبا عدد سيارات الديزل. ومع تقرير دول أوروبا والصين واليابان والعديد من الولايات الأميركية (على رأسها كاليفورنيا) مواعيدَ محدّدة لمنع بيع سيارات الاحتراق الداخلي بشكلٍ كامل، سيخسر النفط أهمّ أسواق استهلاكه على الإطلاق (ينتهي عهد سيارات المحرّك التقليدي بتواريخ تبدأ من عام 2025 في النروج و2030 في الهند، وصولاً إلى 2040 في تايوان وسريلانكا وفرنسا). فوق ذلك، لن تلبث الطائرات والسفن أن تبدأ بالسير على الهيدروجين الصافي، حين تنخفض كلفة إنتاجه وتزداد المعايير البيئية قسوةً وتكلفة، و«إيرباص» على الأقل قد بدأت مشاريعها في هذا المضمار.

أصبحت شركات الطاقة الكبرى نفسها في السنوات الماضية تضع «عدّاداً» لنقطة الذروة وتقديراً لموعدها


لو أنّك نظرت إلى خطط شركات السيارات العالميّة للسنوات الآتية وكمية استثمارها في طرازات الطاقة البديلة، ولا أحد مثلها يحبّ ويقدّس محرّك الاحتراق الداخلي، تعرف أننا على شفير عالمٍ تهيمن فيه السيارة الكهربائية. شركة «تسلا»، التي استفادت من كونها الرائدة في هذا المجال وقد انتفخ سهمها بشكلٍ جنونيّ في السنة الماضية، سيكون من الصعب عليها أن تحافظ على امتيازها مع دخول كلّ هذه الشركات الكبيرة، وبكامل ثقلها، في تصنيع السيارات الكهربائية والبطاريات. و«تسلا» لا تملك امتيازاً تكنولوجياً أو اقتصادياً يخصّها ويعطيها أفضلية على غيرها، لا في البطاريات ولا المحرّك الكهربائي ولا عملية التصنيع، بينما الشركات التقليدية المنافسة - مثل «تويوتا» و«دايملر» و«جنرال موتورز» وغيرها - لديها إمكانات ماليّة هائلة، وقطاع بحثي متقدّم، وخبرة طويلة في التصنيع. وهي، إن قرّرت صناعة سيارات كهربائية، فهي ستتقن العملية في نهاية الأمر. بل إنّ مبيعات الطرازات الكهربائية لـ«رينو» و«فولسفاغن» في أوروبا تتفوّق مؤخراً على «تسلا»؛ فيما «بي إم دبليو» تزعم أنّها تطوِّر بطارية متفوّقة و«تويوتا» تقول إنّها ستكون أوّل من يُدخل بطارية الجيل الجديد (solid state) إلى السوق في السنة المقبلة. العبرة: إن لم تحصّل «تسلا»، سريعاً، امتيازاً قياسياً على جميع المنافسين، في مجال القيادة الذاتية مثلاً أو تكنولوجيا البطاريات، فإنّ قيمة سهمها ستنخفض أو لن ترتفع في المستقبل. على الهامش: أنا أختار سنوياً سهماً أتنبّأ بأنّه سينخفض وآخر أراهن على ارتفاعه، ويحصل كثيراً أن تصيب اختياراتي؛ إذ انتقيت شركة «نيو» الصينية التي تصنع السيارات الكهربائية لهذا العام، وقد ارتفعت قيمة سهمها ألفاً في المئة (مع أنّها، للأمانة، كادت أن تُفلس أيضاً)، والسنة التي قبلها «اي ام دي» لشرائح الكمبيوتر، إلخ. بطبيعة الحال، أنا لم أستفِد يوماً من هذه التحليلات، لأنّي لم أضع قرشاً واحداً في هذه الأسهم، ويوجد لذلك سببٌ منطقيّ: أنني مقتنعٌ، يقيناً، أنّ السنة التي أتشجّع فيها وأشتري أسهماً ستكون هي أيضاً السنة التي تفشل فيها توقّعاتي - وهنا تحديداً يكمن الفارق بين الناس الذين هم مثلي وبين الناس الناجحين (وأيضاً بيني وبين الناس الذين يجدون أنفسهم مفلسين ومثقلين بالديون والخسائر).
أكثر هذه التطوّرات حصلت في وقتٍ واحدٍ تقريباً، وتسارعت أساساً خلال السنوات العشر الأخيرة. الذروة النفطية لا تعني أنّ استخدام النقط سيبطل بعدها، أو أنّ برميل النفط سيصبح بلا قيمة، ولكنّها تعني أنّ المفهوم القديم عن النفط وسوقه وأسعاره سيتغيّر بشكلٍ جذري وسيأخذ النفط موقعاً مختلفاً، أدنى أهمية، في الحضارة البشرية. هذا لا يعني أنّه لن تحصل «طفرات» وخضّات سعريّة في المستقبل، تحديداً حين تتسبّب قلّة الاستثمار في احتياطات النفط بهبوط الإنتاج من دون الطلب. ولكن، في الماضي، كان الناس أيام ارتفاع الأسعار يخفّفون من استخدام السيارات لفترةٍ، مثلاً، أو يشترون سيارات أصغر. أمّا في المستقبل، فإنّ كلّ دورة ارتفاعٍ في سعر البرميل سوف تشجّع المزيد من الناس والحكومات على الانكفاء صوب السيارات الكهربائية والطاقات البديلة، أي أنّها ستسرّع من عمليّة أفول النفط. «القيمة التبادلية» للنفط الخام هي تحديداً ما سيتأثّر: نموذج أن تستخرج النفط من أرضك وتضعه في ناقلةٍ ثمّ تبيعه مقابل دولارات. حتّى بعد سنواتٍ طويلة من الذروة النفطية وانحدار الاستهلاك، سيظلّ العالم ينتج ويستهلك عشرات البراميل من النفط يومياً، وستظلّ هناك سياراتٌ وآلات تعتمد عليه، ولكنّه لن يكون الوقود الاستراتيجي الذي لا غنى عنه كما كان طوال قرنٍ من الزمن، ولن يعود موازياً للحياة السهلة والرخاء من الرّيع. بعد قرنٍ على شيوع السيارات، لا تزال الأحصنة والبغال إلى اليوم تلعب دوراً وتمثّل شريحةً من سوق النقل في العالم، ولكنّك لن تبني اقتصادك على إنتاجها وتصديرها.

النفط في غسقه
الشركات الكبرى تتأقلم مع التحوّل الآتي، والاقتصاد العالمي بدأ باستبدال لاعبي الوقود الأحفوري بلاعبين جدد، ولكنّ السؤال الحقيقي يتعلّق بإقليمنا: ماذا يحصل لمنطقةٍ بُني اقتصادها السياسي، منذ الستينيات على الأقل، على استخراج النفط وتصديره وتوزيع فوائضه حين لا تعود هناك فوائض، بل قد لا تتمكن الحكومات «النفطية» من تمويل نفقاتها؟ من ناحية، حتّى لو أنّ «السيناريو القديم» استمرّ على حاله، ولم ينكمش الطلب على النفط، ولم تحصل «الصفقة الخضراء» في أوروبا وباقي الخطط البيئية للانتقال من الوقود الأحفوري، فإنّ بعض هذه الدول - كالسعودية - كانت تسير أصلاً في طريق الأزمة وشحّ الموارد نسبةً إلى الحاجيات، فماذا يحصل حين نضيف عامل الانحدار النفطي؟ السعودية، أصلاً، تجسر ميزانياتها في السنوات الخمس الماضية عبر استخدام القروض أو السحب من الاحتياطات التي تراكمت مع آخر طفرة نفطية (وعليك أن تضيف إلى ديون الحكومة ديون الشركات المملوكة لها، مثل «آرامكو» التي تستدين لتدفع للميزانية). حتى دولة صغيرة وإنتاجها وفيرٌ مثل الكويت أصبحت تسجِّل عجزاً هائلاً في السنوات الماضية. ماذا سيحصل إن تبيّن أنّ هذه الأسعار، دون الـ70 والـ60 دولاراً للبرميل، هي «الحال الاعتيادي» من الآن فصاعداً، بل هي إلى نزول؟ هذا حتى لا نتكلّم على دولٍ مثل عُمان أو البحرين، وخاصة العراق، الذي يجمع بين مشاكل الدولة الريعية في الخليج وبين الانشقاقات والحروب التي تطبع المشرق العربي (وما زال العديد من نخبه يعيش في وهم أنّه بلدٌ ثري لأنّ فيه نفطٌ فحسب، كأننا ما زلنا في عراق الخمسينيات والبلد فيه أربعة ملايين مواطن).
المسألة الثانية هي أنّ هذه الحكومات في المنطقة تتعامل وكأنّ هذا الواقع غير موجود: تستمرّ في سياسات الرّيع والاستهلاك، وتستثمر في الخارج وتشتري السلاح الغربي كأنّ الطفرة عائدةٌ غداً - وما زالت، في جلّها، لا تنتج سوى النفط. أما الإدارات الأميركية، فهي تستغلّ «حلفاءها» بالمعنى الآني ولا يهمّها ما سيحصل لها بعد عشر سنوات. وماذا عن الدول المحيطة بالدول النفطية، وتلك التي تصدّر العمّال؟ ودولٌ مثل الأردن ومصر تعتمد على المساعدات الخليجية والمنح والأشكال المختلفة من مال النفط؟ حين لا تعود هناك وظائف في دبي ومالٌ وفير يُنفق على الدِين والثقافة والإعلام والنُخب؟ لا يمكن تخيّل هذه المنطقة من دون النفط وأهميته، ولكنّ قيمته النسبية سوف تنخفض، بينما يزداد عدد سكّان الدول النفطية، ولن يعود تلك السلعة ذات الأهمية الاستراتيجية القصوى التي يعني أيّ نقصٍ فيها اختناق أوروبا واليابان والصين.
على المستوى الاقتصادي البحت، من الممكن للنفط أن يستمرّ مورداً مهمّاً لمن يمتلكه. سيكون في وسعك دوماً أن تستخدم النفط والغاز لتصنع منه أموراً أكثر قيمة، هذا إن كانت لديك البنية الصناعية والعلمية اللازمة، وتقدر على المنافسة في العالم؛ أو يمكنك أن تستخدم هذه الموارد الفائضة في إنتاج الطاقة داخلياً بشكلٍ رخيص وإعطاء صناعاتك امتيازاً تفاضلياً على غيرها؛ ولكنّ البنى الاقتصادية والسياسية التي تكرّست في الخليج (والعراق) لا تسهّل هذا النّمط من التنمية. بهذا المعنى، فنحن لا نقف أمام أزمةٍ «مالية» فحسب، بل أمام أزمةٍ بنيويّة أعمق بكثير، لدولٍ بُنيت مؤسساتها على مدى السنين لخدمة نموذجٍ لم يعد موجوداً. «الحلول»، من نمط أن تبني صناعات وطنية وتفصل العملة عن الدولار وتستخدم فوائض النفط لتأمين انتقال بلادك إلى اقتصادٍ يعتمد على الطاقة المتجدّدة، وأن تجد تقنيات منها تناسب بلادك ومناخك وتصبح رائداً فيها، وقد تنتج الهيدروجين من فائض الطاقة الشمسية وتبيعه بديلاً عن النفط، إلخ. ولكن كلّ هذه الأمور كان يجب أن تبدأ منذ سنواتٍ طويلة، أيّام الرخاء، وقد تأخّر الوقت.
على أيّ حال، فإنّ الأميركيين قد يشجّعون «مبادرات» على طريقة مشاريع محمد بن سلمان، أو تطويرات عقارية وخدمية كما في دبي، ولكنّهم ما كانوا ليسمحوا لهذه الدول، أصلاً، باعتماد سياسياتٍ سياديّة تسمح باستخدام ثروة النفط للتحرّر منه. أوّل ما تفعله برجوازية محليّة «حقيقية» (بالمعنى الرأسمالي)، منتجة ولديها قدرٌ من الاستقلال، هو أنّها تضغط على الدولة لكي تفسح لها الاقتصاد المحلّي وتغلقه على غيرها، ولا تتركه للشركات الأجنبية وفروعها وسلعها. سوف تطمح بأن تحظى بما هو أكثر من دور «الوسيط» وباستخدام الثروة النفطية والمالية بأشكالٍ مختلفة، وهذا كلّه يناقض حالة «التخادم» التي تمّ التوافق عليها بين نخب الخليج والاقتصاد الغربي (كالاتفاق السعودي - الأميركي الشهير عام 1974، وعلى رأسه دولرة العائدات النفطية واستخدامها في شراء سلعٍ وسلاحٍ من الغرب).
في حالاتٍ كثيرة، يكون العامل المقرّر في التاريخ حدثاً دخيلاً أو متعالياً لم نلحظه في السياسة اليوميّة. حين تخفت حركات ناقلات النفط في المنطقة، فقد يكون لذلك آثارٌ أكبر من أيّ حربٍ «محلية» شهدناها خلال العقود الماضية. بلادنا نالها أساساً من العهد النفطي الحروب والتدخّلات، وغياب الراعي الخليجي ووهم المال السهل قد يكونا في صالحها. وهذه المجتمعات المدمّرة قد قضت هذه المرحلة الماضية، أصلاً، وهي تُجبر على التنظّم والتسلّح للدفاع عن نفسها والقتال، فهي ليست غريبة على القلاقل والتحوّلات والإبحار فيها. ولكن بالنسبة إلى الحكومات التي تنعّمت بالثروة والحماية فإنّها، حين ينضب الرّيع عنها وتعيفها أميركا، لن يتبقّى للعيان من إرثها سوى قصص عن أكبر عمليّة هدرٍ واستغلالٍ في التاريخ الحديث.