عام 1938، وقبل أن تبدأ الحرب العالمية الثانية، كان أحد المفكّرين الألمان سيرج تشاكوتين، يراقب عن كثب كيف كان جوزيف غوبلز وزير الدعاية في ألمانيا النازية، يحرّض الألمان على فتح نوافذ المساكن والأماكن عن آخرها، ورفع أصوات ذلك الجهاز العبقري الصغير المكتشف حديثًا: المذياع. لاحظ تشاكوتين أنّ غوبلز لم يحتج إلى المحاجّة لكي يُقنع شعباً كاملاً بمشروعه، ويجنّده في خدمة أفكار ومصالح هتلر النازية. احتاج فقط إلى إسماع من يريد ومن لا يريد من الشعب أن يسمع، أن يسمعه ما يريده هو من مبادئ وقيم. والأهم، تكرارها على مسامعهم. جمع تشاكوتين ملاحظاته على هذه «القدرة السحرية» في كتاب أعطاه عنواناً ذا دلالة مقزّزة: «اغتصاب الجماهير»، في دلالة على الهتك القسري لحرمة العقل، والاستغلال البهيمي لملكات الناس، كما يعبّر المفكّر المصري الذي عايش تلك الفترة الدكتور عصمت سيف الدولة.

(أركاديو إسكيفيل ـــ كوستاريكا)

وفي عام 1948، نشر الكاتب الأميركي جورج أورويل روايته بعنوان «1984». تدور أحداث الرواية في المستقبل، حيث يستيقظ وينستون سميث على صوت المذياع الذي يبثّ ليلَ نهارَ صوت «الأخ الأكبر»، ليُملي عليه كلّ أفكاره وحركاته وتصرّفاته. وكانت شاشات التلفاز تراقبه في كلّ مكان يقصده. سميث، الذي كان يعمل في وزارة «الحق»، كان عمله يقتضي مراجعة التاريخ وتعديله ليتوافق مع الظروف الراهنة والتحالفات المتغيّرة، فلا يبقى للتاريخ الحقيقي أثر لا في جريدة ولا في كتاب. وفي ما وصفه أورويل بـ«دقيقتي بغض»، يلتزم سميث وكلّ أفراد مجتمعه مشاهدةَ فيلمٍ عنيف، يعقّب عليه قائلاً: «إنّ أبشع ما في دقيقتي البغض ليس التزام المرء بالمشاركة، بل إنّه لا سبيل لتجنّبها، بل نشوة الخوف والرغبة البشعة في الانتقام والقتل والتنكيل وسحق الوجوه بمطرقة ثقيلة تسري في الجمع بأسره كتيار كهربائي».
اللافت أنّ كلا الكتابين تمّ منعهما في زمانيهما. إنه «علم صياغة العقول» ما كتب عنه تشاكوتين ورواه أورويل. ثمّ لم يلبث أن تطوّر هذا العلم ليصبح مارداً تشكّل الوسائل الاتصالية الحديثة امتداداً عصبياً له. لقد بدأت ظاهرةٌ عالمية جديدة هي ظاهرة مطاردة عقول البشر بالدعاية السياسية. وفي نطاق التقدّم المذهل لهذا المارد الذي أصبح يخوض حروباً بالوكالة عن الحروب العسكرية، فقد بلغ حدّاً قال فيه ج. درينكور، في كتابه «الدعاية قوة سياسية جديدة»: «إنّ المؤرّخين سيقولون في المستقبل إنّ القرن العشرين كان قرن الدعاية». فما القول اليوم - في القرن الواحد والعشرين - وقد امتدّت أطراف هذا المارد التقنية إلى كلّ الهواتف المنتشرة حول العالم، وشاشات التلفزة القابعة في البيوت، وأصوات المذياع الراكنة في السيارات؟ إنّها قوة سياسية جديدة ومن مصاديقها: الدعاية السياسية ضدّ حزب الله على إثر حادثة انفجار المرفأ. فكيف عمل هذا المارد، وعلى ماذا استند؟
عمل بـ«أسلحة الخداع الشامل» من كلّ الوسائط الاتصالية من إعلام تقليدي وجديد. حيث تمّ تجنيد الراديو والتلفزيون والجريدة الورقية، والجريدة الإلكترونية وكلّ ما يمتّ إلى وسائل التواصل الاجتماعي بصلة. إلى ذلك، ثمّة سلاح ذكي جديد يتمثّل بالجيوش الإلكترونية، التي فعلت ما لم تستطع فعله وسائل الإعلام التقليدية، ضمن الاستراتيجيات التالية:
منذ اللحظة الأولى، لجأ المروّجون إلى تأطير الأزمة وحصرها بعدو واحد هو: «حزب الله». بغضّ النظر عن السيناريوات المختلفة والمتناقضة أحياناً لطبيعة التوريط. فلا يهم إذا كان التفجير استهدافاً إسرائيلياً، أو أنّ حزب الله عمد بنفسه إلى التفجير، أو فجّره عن طريق الخطأ، المهم هو ربط حزب الله بالتفجير. إنها استراتيجية «المصادرة على المطلوب»، ويتم بعدها افتراض ما يُطلب إثباته. فبعد أن تصبح فكرة «ربط حزب الله بالتفجير» فكرة منمّطة، أي «مسلّمة»، سيصبح أيّ شيء قابلاً للتصديق، ضمن سياقَين، الأول معرفي، والثاني عاطفي.

السياق المعرفي:
الواقع أنّ عدد الأشخاص الذين يمتلكون معارف دقيقة حول مسألة معيّنة ضئيلٌ جداً، وأنّ الجماهير مهما تكن ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها الاجتماعية، بحاجة إلى أن تخضع لقيادة محرّك، وهو لا يقنعها بالمحاجّات، فالجماهير لا تقنع إلا بالصور الإيحائية والشعارات الحماسية، كما يقول غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجيا الجماهير». يعرف المروّجون أنّ نشر المعلومات الكاذبة سوف لن يصطدم إلّا نادراً بشكّ الجمهور فبدأ العمل على الشكل التالي:
- طرح الفرضيات المختلفة التي لا يهم إذا كانت منطقية أو تمّ تكذيبها.
- نشرها من خلال استراتيجيات الإشاعات.
- تدعيمها من خلال نبش الأرشيف للحصول على مواد يتم الربط بينها وبينها الشائعات بطريقة تضليلية لتعزيز الفرضيات.
- التكرار.
مثلًا عندما تقول المعلومة، إن «حزب الله ينشر مسلّحيه حول المرفأ ويمنع القوى الأمنية وسيارات الإسعاف من الدخول»، فإنّ في هذه الفرضية - المعلومة، تعزيزاً لفكرة سيطرة حزب الله على المرفأ، ولما كان الجمهور يفضل تصديق الأحداث ضمن نظريات المؤامرة، فإنّه سيميل إلى تصديق هذا «الخطر القادم» حتى لو تمّ نفيه؛ خاصة أنّه قد أصبح معلوماً لدى الجماهير، أنّ حزب الله هو لاعب إقليمي لديه قدرة تأثير وسيطرة يمكن تصديق أيّ شيء معها.
ومثلًا، لدى نسف فرضية «وجود موادّ كيميائية»، بل «مخازن أسلحة تابعة للحزب تم استهدافها من قبل العدو الإسرائيلي»، فإنّهم بذلك قد أعطوا الجمهور سيناريو واقعياً لتبرير عملية تفجير ضخمة كهذه. فمخازن الأسلحة هي مركز استهداف دائم لدى الإسرائيليين، وما حصل من موت ودمار وخراب سببه وجود هذا المخزن في المرفأ. وعليه، فإنّ حزب الله سيصبح تلقائياً هو سبب الموت والدمار والخراب.
الواقع أنّ مسألة إعلان معلومات صحيحة أو كاذبة لا ترتبط فقط بنيّة خداع الجمهور أو تنويره بل ترتبط أيضاً بحالة تقبّل الجمهور نفسه


أما استثمار تصريحات اللواء عباس إبراهيم بصفته ثالث شخصية شيعية في البلاد، كما عبّرت عنه الصحافة العربية المعادية لحزب الله، وفيديوهات تهديد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ووعيده لبنيامين نتنياهو، بخصوص استهداف مخازن الأمونيا، فإنّها تقع في إطار «توظيف الأرشيف»، حيث يتم الربط بينها وبين الفرضية أعلاه لتعزيزها؛ خصوصاً أنّ ثمّة تهديدات مباشرة وغير مباشرة بين حزب الله والجانب الإسرائيلي. وباستهداف المخزن المزعوم، تكون إسرائيل قد نفّذت تهديداتها. والسيد نصرالله عندما يتحدّث عن استهداف الأمونيا في حيفا، فإنّه يستبطن الأمونيا في مرفأ بيروت. ثمّ تأتي مسألة الاستعانة بخبراء عسكريين وخبراء متفجّرات في البرامج التلفزيونية والإذاعية لإعطاء المزيد من المصداقية للمعلومات الملفّقة.
كلّ تلك الفرضيات - المعلومات، تمّ ضخّها على نطاق واسع وتمّ تكرارها بأشكال لغوية مختلفة. فكيف يعمل التكرار؟
الواقع أنّ تكرار مسألة «علاقة حزب الله بالتفجير»، بأشكال وسياقات مختلفة جاء استكمالًا لتكرارات سابقة لفتت نظر الجماهير، حتى أصبحت سمفونية تُتلى على مسامعهم لدى كلّ مفترق طريق في لبنان. فمسألة سيطرة حزب الله على المرافق الأساسية في البلد قد أصبحت صورة نمطية لدى الجمهور الآخر، بدأ الترويج لها قبل انتخاب الرئيس ميشال عون رئيساً للجمهورية. يمكن للتكرار أن يملك فكر الأشخاص لدرجة إحداث نوع من الحالة الهجاسية لدى البعض. الأمر الذي يزيد النقمة - وعدم تقبّل أي سيناريو آخر منطقي يمكن أن يحصل عليه الفرد. كما أنّ التكرار يولّد في نفوس الجماهير الشعور بقوة الفريق الذي يقوم بالدعاية، تماماً كما يولّد الاستعراض العسكري شعوراً بالقوة. وهو الأمر الذي يبني الثقة تجاهه.
كانت لافتة كمية الضخّ الإعلامي التي حصلت على وسائل الإعلام المدعومة سعودياً وأميركياً. كما كانت لافتة حركة الجيوش الإلكترونية التي ضخّت من الشائعات ما لا تتمكّن من ضخّه وسائل الإعلام التقليدية حفاظاً على ما تبقّى من منطقيتها ومصداقيتها واحترامها لعقول المشاهدين. فقد رُصدت حركة الجيوش الإلكترونية من مختلف الدول العربية، مثل السعودية وقطر والإمارات والأردن وعمان والمعارضة السورية وغيرها، لبثّ الأفكار والاتهامات الممنهجة ضدّ حزب الله.

السياق العاطفي:
الواقع أنّ مسألة إعلان معلومات صحيحة أو كاذبة، لا ترتبط فقط بنيّة خداع الجمهور أو تنويره، بل ترتبط أيضاً بحالة تقبّل الجمهور نفسه، ودرجة استيعابه للمعلومات التي تهدف الدعاية السياسية إلى إيصالها. ما يصدّقه الجمهور هو ما يعتبره محتملاً. وعملية تأهيله للاحتمالات انتهى منها المروّجون في السياق المعرفي الذي تحدّثنا عنه. والآن، حان دور اللعب على الأوتار العاطفية.
ثمّة مجموعة من الاستخدامات للسياق العاطفي عمدت إليها الدعاية السياسية ضد حزب الله على إثر تفجير المرفأ، من خلال استخدام تقنية «أسطورة العدو»، أي خلق أسطورة عدو مشترك واحد للبنانيين هو حزب الله ويكون مسؤولاً عن كل مآسي اللبنانيين. في هذه المرحلة، ليس من الضروري معرفة السلوك الفعلي لحزب الله، أو إلى أيّ درجة يشكّل خطراً فعلياً، يكفي أن تُكشف الرغبات والغرائز التي زرعوها في نفوس الأفراد وأجّجوها وكبتوها من خلال:
- طبيعة المثيرات
- تضخيم العدو
- التحريض
- الانضواء في الجيوش الإلكترونية
وبالنظر إلى المحتوى الدعائي، نجد مثلًا فرضية - معلومة أنّ «الانفجار ناجم عن عملية استباقية قام بها حزب الله للتغطية على اتهامه في المحكمة الدولية». هي من المثيرات التي تُشعر الجمهور بنقمة مضاعفة وتُشيطن حزب الله مرّتين: الأولى، عندما تُثبّت اتهام حزب الله باغتيال الحريري، بل إنّ حزب الله هو من أثبتها على نفسه باللجوء إلى التغطية عليها، والثانية أنه غطّى على جريمة أولى له بجريمة أخرى استهدفت اللبنانيين أي استهدفت الجمهور نفسه.
أما فرضية - معلومة أنّ «الانفجار حدث بالخطأ أثناء تجهيز حزب الله لاغتيال سعد الحريري»، فهي من المثيرات الطائفية التي تُعتبر من أكثر ما يحرّض الجمهور ويجعله مستعدّاً لأيّ طرح ينتقم له من هذه الجريمة، خاصة عندما يكون الفرد منضوياً في وسط جمهور هائج من الجيوش الإلكترونية. إذ يكتسب بواسطة العدد المتجمّع فقط شعوراً عارماً بالقوة، حتى لو كان جمهوراً افتراضياً، فالعقل الجمعي الافتراضي ينعكس على العقل الجمعي الحقيقي، الأمر الذي يتيح للأفراد الهائجين الانصياع إلى بعض الغرائز والتحمّس لها أشدّ الحماسة، وهذه القوة الجماهيرية تصبح قادرة على تعويم قضية ما بكلّ ما فيها من متناقضات، فلا يعي الفرد ما فعله ولا يفهم سخافة الطروح التي تبنّاها، إلا بعد الاستيقاظ من الغيبوبة لدى الخروج من المجموعة المثارة (للمزيد انظر سيكولوجية الجماهير، غوستاف لوبون).
في روايته «1984»، قدّم جورج أورويل فكرة سمّاها «التفكير المزدوج»، وهي فكرة أصبحت تُستخدم في علم النفس الحديث وعلم الاجتماع، معناها وجود قوة لها القدرة على الجمع بين اثنين من المعتقدات المتناقضة في عقلٍ واحد وفي الوقت نفسه، وقبُول كلّ منهما، ويتمّ ربط هذا المصطلح بالتنافر المعرفي لدى الأشخاص، حيث المعتقدات المتناقضة تسبّب صراعاً في ذهن المرء. تُستخدم هذه الوسيلة كاستراتيجية لاستغباء الجمهور، فتصبح «الحرب هي السلام»، و«الحرية هي العبودية»، و«الجهل هو القوة»، كما أعلن عنها أورويل. يفترض هذا التفكير أنّ الأفكار التي يُعتقد أنّها صحيحة هي في الحقيقة غير صحيحة، وأنّ الصدق، مثلاً، ليس في ما يُرى ويُقال إنّ حزب الله هو حزب يدافع عن الشعب اللبناني من الأخطار القادمة من الجنوب والشرق وإن كان حقاً، بل في ما يجب اكتشافه من واقع لبنان واللبنانيين بسبب وجود حزب الله في ضوء ما تمارسه الولايات المتحدة من تناقض في مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان.
* باحثة لبنانية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا