بتاريخ الرابع من الشهر الماضي، نشرت لي جريدة «الأخبار» الغرّاء، مقالاً بعنوان «كان في وسعه»، عن فترة حكم جمال عبد الناصر لمصر من عام 1952 وحتى 26 تموز / يوليو 1956، حين قام بتأميم قناة السويس رداً على سحب تمويل البنك الدولي وبريطانيا وأميركا لقرض تمويل السد العالي، وذلك في 19 من الشهر نفسه، أي بعد سبعة أيام فقط على إلغاء القرض. وسأكتفي في هذا المقال بالتركيز على هذا الحدث الضخم.

ما إن أعلن عبد الناصر تأميم القناة، حتى اكتسب الحدث أهمية عالمية، ففي المنطقة العربية قامت التظاهرات الكبيرة في كلّ أرجاء الوطن العربي، وأدّى تراكم الأحداث في صفقة كسر السلاح، ثمّ تأميم القناة، ثم دعمه لكلّ حركات التحرّر في أفريقيا، إلى ارتفاع هائل في شعبية عبد الناصر في العالم الثالث، وخصوصاً عند العرب والأفارقة، نودي به زعيماً للأمة العربية. أمّا في الغرب، فالعكس صحيح لثلاثة أسباب:
الأول: أنّه عارض جميع الأحلاف التي حاولت بريطانيا والولايات المتحدة إقامتها، وعلى رأسها «حلف بغداد» الذي كانت غايته الأساسية محاربة الشيوعية وصرف النظر عن معاداة الكيان الصهيوني، وقد نجح عبد الناصر في ذلك أيّما نجاح.
والثاني: كسر الهيمنة الغربية على المنطقة العربية، وإزالة ما كان يعتبره الحكّام العرب قدراً محتوماً وحماية أمنية لأنظمتهم وارتفاع منسوب الوعي القومي لدى الشعب العربي في مختلف أقطاره.
والثالث: الضرب المباشر للمصالح الغربية متمثلة بتأميم قناة السويس، التي كانت فرنسا وبريطانيا تتقاسمان أسهمها والخشية من تأميمات أخرى قد تحصل في مصر وبعض دول الوطن العربي والدول الأفريقية التي لدى بعض قادتها الثائرين منحى اشتراكي.
تعرّضت مصر وعبد الناصر لضغط هائل من عدّة دول ، للرجوع عن قرار التأميم، إلّا أنّ ثبات الموقف المصري أدى إلى عقد مؤتمر دولي في لندن، دعت إليه الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، وذلك في 16/8/56، حضرته 22 دولة ولم تحضره مصر واليونان المدعوّتان، وتولّى فيه جون فوستر دالس John Foster Dallas وزير الخارجية الأميركي، عرض اقتراح باسم الولايات المتحدة يقضي بإنشاء هيئة دولية لإدارة قناة السويس، نال موافقة 18 دولة، بينما تقدّم رئيس الوفد الهندي كريشنا مينون Krishna Menon، وكان حينئذ سفير الهند في الأمم المتحدة، باقتراح أن تكون لهذه الهيئة صفة استشارية فقط، ما يحول دون المساس بالسيادة المصرية على القناة، ونال هذا الاقتراح أصوات الاتحاد السوفياتي الذي مثّله وزير خارجيته ديمتري شبيلوف Dimitri Shepilov، وكذلك إندونيسيا وسيلون التي أصبحت سيريلانكا في ما بعد. ولقد أدى نجاح المشروع الأميركي إلى تعيين لجنة خماسية برئاسة روبيرت منزيس Robert Menzies رئيس وزراء أستراليا، وعضوية أثيوبيا، السويد، إيران والولايات المتحدة، لمتابعة الموضوع. ورفض عبد الناصر دعوة اللجنة لاجتماع خارج مصر، ما اضطُرّ اللجنة إلى السفر إلى القاهرة، وتم اجتماعها في 3/9/56، ولمّا لحظ عبد الناصر نبرة متعالية من منزيس لمّح فيها إلى تهديدات الإنكليزي والفرنسي باستعمال القوة، انسحب من الاجتماع، ما أدّى بطبيعة الحال إلى فشل اللجنة في مهمّتها.
فيما استمرت الاتصالات الدبلوماسية والاقتراحات تسعى لحلّ قضية التأميم، ومن بينها اقتراح آخر من دالس بتأسيس هيئة دولية لإدارة القناة سُمّيت بهيئة مستخدمي قناة السويس Suez Canal Users Association واختصاراً SCUA، تمّت الموافقة عليها في مؤتمر لندن الثاني الذي عُقد بتاريخ 21/9/ 1956، وحضرتها الدول الثماني عشر التي وافقت على الاقتراح الأول في المؤتمر السابق. وللتاريخ، أعدّد هذه الدول وهي: بريطانيا، ألمانيا، إسبانيا، تركيا، فرنسا، هولندا، أستراليا، نيوزيلنده، اليابان، باكستان، إيران، السويد، النروج، الدانمارك، البرتغال، إثيوبيا، الولايات المتحدة وإيطاليا. ومن ثمّ رفعت بريطانيا وفرنسا القضية إلى مجلس الأمن الدولي ولكنّهما فشلتا في الحصول على موافقته على مشروع تدويل القناة، بل تمّ التوافق على مبادئ ستة وأهمّها حرية العبور واحترام سيادة مصر وتحديد الرسوم والمصروفات بالاتفاق بين مصر والدول المستخدِمة للقناة، وتقرّر أن تبدأ المفاوضات بين مصر وبريطانيا وفرنسا في 29/10/56 في جنيف للبحث في التفاصيل.

تعرّضت مصر وعبد الناصر لضغط هائل من عدة دول للرجوع عن قرار التأميم، لكنّ ثبات الموقف المصري أدّى إلى عقد مؤتمر دولي في لندن


أثناء هذه المفاوضات، كانت تجري مفاوضات سرية فرنسية بريطانية لاستعمال القوة لاستعادة قناة السويس وقلب نظام عبد الناصر ومفاوضات أخرى بين فرنسا والعدو الصهيوني للغاية ذاتها، وفي ذلك الحين كانت فرنسا من أشدّ الداعمين لهذا العدو، سواء أكان ذلك بتزويده بالأسلحة والطائرات، وبعد ذلك بمنحه مساعدات مهمّة في إنشاء قاعدته النووية. أسفرت الاجتماعات التي عُقدت بصفة سرية للدول الثلاث مجتمعة، إلى عقد بروتوكول في سيفر Sevre وهي بلدة تقع في ضواحي باريس وتبعد عن وسطها حوالى 10 كلم. هذه الاتفاقية جرى توقيعها في 24/10/56، ووقّعها كلّ من ديفيد بن غوريون David Ben-Gurion رئيس وزراء الكيان، كريستيان بينو Christian Pinau وزير الخارجية الفرنسي وباتريك دين Patrick Dean الذي كان نائب سكرتير دولة في وزارة الخارجية البريطانية. ولقد حضر الاجتماعات التي سبقت التوقيع بين 21 و 24/10/56 بالإضافة إلى الأشخاص المذكورين أعلاه، عن الجانب الفرنسي موريس بورج ــ مانوري Maurice Beourge-Manoury وزير الدفاع الوطني، وموريس شال Maurice Shalle نائب رئيس أركان الجيش الفرنسي، ومن الجانب البريطاني سلويد لويد Selwyn Lloyd وزير الخارجية البريطاني ودونالد لوجان Donald Logan السكرتير الخاص للويد، أما وفد الكيان فكان يتضمّن موشيه دايان Moshe Dayan رئيس أركان جيش الكيان وشيمون بيريز Shimon Peres المدير العام لوزارة الدفاع.
نصّت «اتفاقية سيفر» على ما يلي:
نتائج الاجتماعات التي عُقدت في سيفر، من 21 إلى 24 تشرين الأول / أكتوبر 1956، بين ممثلي حكومات المملكة المتحدة، دولة إسرائيل وفرنسا هي التالية:
1 - بتاريخ 29 تشرين الأول / أكتوبر تقوم القوات الإسرائيلية بشنّ هجوم واسع على القوات المصرية بهدف الوصول إلى قناة السويس في اليوم التالي.
2 - عندما تأخذ علماً بهذه الأحداث تقوم الحكومتان البريطانية والفرنسية، خلال يوم 30 تشرين الأول / أكتوبر، بتوجيه نداءين على التوالي وفي الوقت نفسه إلى الحكومة المصرية والحكومة الإسرائيلية، على الشكل التالي:
أ - إلى الحكومة المصرية:
- وقف العمليات العسكرية
- سحب جميع قواتها عشرة أميال من القناة
- قبول احتلال مراكز رئيسية في القناة من قبل القوات الإنكليزية - الفرنسية، لتأمين حرية المرور لسفن جميع الدول حتى الحلّ النهائي
ب - إلى الحكومة الإسرائيلية:
- وقف العمليات العسكرية
- سحب جميع قواتها عشرة أميال إلى شرق القناة
إضافة إلى ما تقدّم، يجري إعلام الحكومة الإسرائيلية بأنّ الحكومتين الفرنسية والبريطانية طلبتا من الحكومة المصرية بأن توافق على الاحتلال المؤقّت لمراكز أساسية على طول القناة من قبل القوات الإنكليزية - الفرنسية. تمّ الاتفاق (بين بريطانيا وفرنسا) على أنّه إذا رفضت إحدى الحكومتين، أو امتنعت، عن إعطاء موافقتها، خلال 12 ساعة، فستدخل القوات الإنكليزية والفرنسية بالوسائل الضرورية لضمان قبول مطالبهما.
3 - ممثلو الدول الثلاث يوافقون على أنه إذا لم تلتزم الحكومة المصرية بشروط النداء الموجه إليها، فإنّ الحكومة الإسرائيلية غير ملزمة بتنفيذ شروط النداء الموجه إليها
4 - في حال فشلت الحكومة المصرية في الموافقة على شروط النداء الموجه إليها، فإنّ القوات الإنكليزية - الفرنسية ستطلق عمليات عسكرية ضدّ القوات المصرية في الساعات الباكرة من صباح 31 تشرين الأول / أكتوبر
5 - تقوم الحكومة الإسرائيلية باحتلال الشاطئ الغربي من خليج العقبة وجزيرتي تيران وصنافير لضمان حرية الملاحة عبر القناة
6 - تتعهّد إسرائيل بعدم مهاجمة الأردن، خلال العمليات ضد مصر. ولكن في حال قام الأردن خلال هذه المدة بمهاجمة إسرائيل، تتعهّد الحكومة البريطانية بعدم مساعدة الأردن
7 - إنّ كلّ ترتيبات هذا البروتوكول يجب أن تبقى سرية جداً
8 - إنّ هذه الترتيبات سوف تدخل مرحلة التنفيذ فور موافقة الحكومات الثلاث
وفي ملحق تعهّدت فرنسا بإرسال سربين من طائرات «ميراج» IVA، وسفينتين لحماية أجواء وشواطئ الكيان الصهيوني من 29 إلى 31 تشرين الأول / أكتوبر، أي حتى بدء الهجوم الإنكليزي - الفرنسي المشار إليه سابقاً.
ولا بدّ لي، هنا، من الإشارة إلى مشروع بن غوريون الذي شرحه أمام المؤتمرين، مع التشديد على أنه لم يكن قد مضى على إنشاء الكيان الصهيوني سوى ثماني سنوات فقط للدلالة على أن التوسع جزء لا يتجزّأ من هذا الكيان الذي يرفض تحديد حدوده.
بعد زوال حكم عبد الناصر، والكلام هنا لبن غوريون، أرى أنّ دولة الأردن غير قابلة للحياة، لذلك يجب إلحاق الضفة الشرقية منها بالعراق، بعد استقرار اللاجئين الفلسطينيين فيها، على أن يوقع العراق معاهدة صلح مع إسرائيل، أما الضفة الغربية فتُلحق بإسرائيل. أما لبنان فمشكلته أنّ جنوبه يسكن معظمه المسلمون، لذلك على إسرائيل أن تتوسّع إلى الليطاني، وبذلك يتحوّل لبنان إلى دولة مسيحية متراصّة. أما سيناء، فيجري تدويل منطقة القناة وتحتفظ إسرائيل بكامل المنطقة شرق العريش وشرم الشيخ وبمضايق تيران لتأمين حرية الملاحة في القناة ولإزالة خطر القواعد العسكرية في سيناء. وبالإضافة إلى ذلك، أسرّ بن غوريون إلى دايان بأنّه تمّ اكتشاف البترول في جنوب وغرب سيناء، فمن الجيد أن تُنتزع سيناء من مصر وعندئذ يمكن مدّ خط أنابيب بين سيناء وحيفا.
ولقد دخلت في تفاصيل التفاصيل لهذا البروتوكول، لأنّني أعتقد بأنّ معركة قناة السويس ستحدّد في النهاية مواقف الدول الكبرى من الحكم الناصري، وسيمتدّ تأثيرها حتى وفاة عبد الناصر عام 1970، وذلك ما سأتناوله في الجزء الثالث والأخير من هذه المقالة.

* كاتب وسياسي لبناني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا