اعتمدت الجمعية العامّة للأمم المتحدة، في سبعينيات القرن الماضي، يوم التاسع والعشرين من شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، الذي تصادف فيه الذكرى السنوية لقرار تقسيم فلسطين عام 1947، يوماً عالميّاً للتضامن مع الشعب الفلسطيني، حين اكتسب شعبية سريعة في جميع أنحاء العالم. ويُعزى ذلك إلى تزايد حالات التضامن الشعبي والرسمي مع نضال الشعب الفلسطيني المشروع ضدّ التحدّيات التي تواجه أبناءه في معظم أنحاء العالم، خصوصاً أولئك الذين يعيشون في أرض فلسطين التاريخية سواء داخل الأراضي المحتلّة عام 1948، أو في الضفّة الغربية المحتلّة منذ عام 1967، وقطاع غزة المحاصر، أو في المنافي والشتات ومخيّمات اللاجئين الفلسطينيين المنتشرة في عدد من الدول العربية. وقد واجه الفلسطينيون في الماضي، تحدّيات مختلفة تستهدف وجودهم وهويّتهم ومشروعيّة نضالهم في حياة كريمة متحرّرة من كلّ أشكال الاحتلال والعنصرية على أرض وطنهم.

تصميم ي. طه (فلسطين)

يمثّل يوم التضامن مع نضالات الشعب الفلسطيني، الذي أُقرّ يوم التاسع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 1977، والقاضي بتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية غير القابلة للتصرّف، خطوة مهمّة توّجت باعترافات متتالية في أنحاء العالم كافة بحقوق الشعب الفلسطيني، الأمر الذي تعزّز بقرار الجمعية العامّة للأمم المتحدة 3379، في عام 1975، اعتبار الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية.
وبحلول ذلك الوقت، كان الفلسطينيون قد واجهوا بالفعل تحدّيات نوعية مختلفة الأوجه، وهو ما تطلّب اهتماماً دوليّاً نوعيّاً. وممارسة الالتزام والتضامن الدوليين من شأنه أن يجعل الدول الأعضاء في الأمم المتّحدة المساهمة، كلٌّ بقدر موقعه وإمكانياته، في دعم القضية العادلة للفلسطينيين، تساعد بدورها الفلسطينيين بشكل عام على اكتساب المزيد من الاهتمام والدعم في كفاحهم المشروع ضدّ الظلم اليومي.
غير أنّ وضع الشعب الفلسطيني وقضيّته العادلة، على مرّ السنوات والعقود، لم يزِد إلّا سوءاً، سواء بتوقيع اتّفاقات فردية مع العدو الغاصب، أو فرض الحصار على المقاومة وإجبارها على الخروج من بيروت، في عام 1982، ما شكّل بداية جديدة لحملة مسعورة ضد الوجود الفلسطيني، ولم تكن مجزرة صبرا وشاتيلا إلّا دليلاً فاجراً على الهدف الحقيقي من تلك الحملة. لست هنا بصدد سرد تاريخيّ لما جرى من ذلك الحين إلى اليوم، بقدر ما كان هناك العديد من الأحداث لم تكن إلّا بمثابة محطات أخرى بعد ذلك تُنذر بمزيد من الانحدار المتسارع لطمس القضية الفلسطينية، وإنكار الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني المكافح، وإبادة هويته القومية العربية، وكلّ من يقف أو يتضامن مع هذه القضية العادلة ومركزيّتها.
إنّ الاهتمام بهذا اليوم، وفي هذه المرحلة، يصبح أكثر إلحاحاً من أيّ وقتٍ مضى، حيث تصبح التحدّيات التي تواجه الفلسطينيين مع الملايين من شعوب العالم المكافحة أكثر أهمية. إذ يظلّ السلام والتحرّر الدوليَّين مهزلة ومفهوماً سفيهاً ومنافقاً، طالما أنّ بعض أجزاء العالم ليست حرّة، وبالتالي فمن الضروري إعادة لفت الانتباه الدولي والشعبيّ إلى النضال الفلسطيني المشروع، من أجل الحق والعدالة وضدّ العنصرية بأشكالها وتجسيداتها كافة.
لم يكن عام 2020 بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، مختلفاً عن باقي شعوب العالم المضطهدة والتي عانت ولا تزال من الكوارث الطبيعية كوباء «كورونا»، والكوارث غير الطبيعية من صنيعة قوى الشر والإمبريالية في العالم. فبالنسبة إلى فلسطين والفلسطينيين، جلب هذا العام تحدّيات أكثر حدّة في أجزاء أخرى من العالم. وشملت بعض الحوادث باستمرار قتلاً متعمّداً واعتقالات واستمرار الأحكام الإداريّة الجائرة والطرد من المنازل وهدمها، والتهجير القسري بدون الأخذ بعين الاعتبار عامل السن، حيث إنّ الأطفال يشكلون أيضاً مجموعة كبيرة من الفلسطينيين في السجون والمعتقلات. وعلى سبيل المثال، في 6 آب/ أغسطس الماضي، أفادت الأخبار من فلسطين بأنّ صبيّاً يبلغ من العمر 15 عاماً من مخيّم الجلزون للاجئين، اعتُقل في سجن شيكما في إسرائيل، وأُثبتت إصابته بفيروس «كورونا».
وكان آخر حدث في 6 تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، حين كان 41 طفلاً من بين 73 فلسطينياً قد نزحوا، بعد أكبر عملية هدم منذ سنوات في قرية خربة المحمصة البدوية. ونسبت جميع الأدلّة الحادث إلى حكومة الاحتلال الإسرائيلي. إلى جانب ذلك، كان الفلسطينيون ضحيّة القيود الاقتصادية. في 23 آب/ أغسطس الماضي، حظرت الحكومة الإسرائيلية تسويق المواد الغذائيّة والأدوية من قطاع غزّة، بسبب إجراءاتها الصارمة ضدّ القطاع وأهله المكافحين الذين يعانون حصاراً بريّاً وجويّاً وبحريّاً مستمرّاً لم يتوقف منذ فرضته دولة الاحتلال وحلفاؤها، منذ عام 2007 وحتى يومنا هذا.
إنّ ما يحتاجه الفلسطينيون اليوم ليس خطابات نارية ويوماً احتفالياً بالتضامن مع قضيّتهم العادلة


على الرغم من توقّعات تشكيل إدارة جديدة في الولايات المتحدة برئاسة جوزيف بايدن، وما تحمل معها من تكهّنات بانفراج نسبيّ، فإنّ الآثار السلبية لإدارة ترامب وقراراته التعسّفية ضد الفلسطينيين (نقل السفارة الأميركية إلى القدس واعتبارها عاصمة الدولة «اليهودية الأبدية»، وإعطاء الضوء الأخضر لحكومة بنيامين نتنياهو بضمّ الجولان والأغوار والآلاف من الدونمات لاستمرار بناء المستوطنات/ المستعمرات المُدانة دولياً)، ستظلّ تداعياتها إلى أمد طويل على حياة الشعب الفلسطيني اليومية. لقد أدى التحالف غير المقدّس بين المسيحيين الصهيونيين وجماعات التفوّق الأبيض المدعومة من ترامب، ونحو 74 مليوناً من ناخبيه الأميركيين، إلى تصعيد النزعة العنصريّة والسعي المحموم لتجريم نشاطات دعم النضال الفلسطيني مثل اعتبار حقّ المقاطعة الاقتصادية الدستوري ضدّ نظام الفصل العنصري، حقّاً مستباحاً بحسب تصريحات وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، أثناء زيارته كيان الاحتلال والمطبّعين معه من غلمان ترامب في المنطقة العربية. كذلك، فرض مصطلحات مثل أنّ «معاداة إسرائيل مساوية لمعاداة السامية»، وقد استمرّ غلمان ترامب في الإمعان في تبعيّتهم وإذلال سيادتهم الهشّة على كياناتهم صنيعة الاستعمار البريطاني، في التقليل من شأن الفلسطينيين. فأعلنوا، أخيراً، بشكل فاجر، علاقات علنيّة حميمة وغير مسبوقة مع حكومة نتنياهو اليمينية، ما يُعتبر استكمالاً إجرائياً لما يسمى «صفقة القرن»، في تجاهل تام لسعي الفلسطينيين لتحقيق العدالة. من المهمّ ملاحظة أنّ إدارة ترامب قد تخرج من البيت الأبيض (لم يعلن ترامب تنازله عن السلطة مكابِراً بطعوناته بنتيجة الانتخابات ونزاهتها حتى كتابة هذه السطور)، لكن تأثيرها سيبقى موجوداً، وستشعر الأجيال بالمحَن المقبلة، إذا لم نقِف في وجه ما قامت به من أعمال.
إنّ تجربتنا الطويلة، منذ عقود، في النضال من أجل العدالة والنشاط، كجزء من الحركة الطلّابية المناهضة وبحزم ضدّ كلّ أشكال الظلم في العالم، سواء كانت في أفريقيا أو أميركا اللاتينية، أو في منطقتنا العربية، تُرسّخ مجدّداً إيماننا بأنّ لكلّ شخص دوراً يلعبه في الفوز في هذه المعركة، بالعدالة وضدّ الظلم في العالم. إنني أدرك أنّ قضية النضال الفلسطيني هي بالفعل، ليست بالقضية السهلة ولا يمكننا الفوز بها بين عشية وضحاها. وهناك حاجة إلى الكثير من الموارد والوقت والجهود المشتركة والتضامن الحقيقي، لكسب هذا النضال، لمواجهة الأجندة اليمينية والعنصرية الشرسة.
وبينما يستعدّ العالم للاحتفال الدولي، هذا العام، بيوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، يمكننا اتّخاذ خطوات عدّة لإعادة الاعتبار لمركزية القضية الفلسطينية. ويمكننا كأفراد ومؤسّسات إظهار إرادتنا الصلبة، عبر تجديد التزامٍ أقوى من أي وقت مضى، بتحقيق السلام والعدالة، من خلال الامتثال من جديد لما يجب أن يعنيه هذا اليوم لكلّ الشعوب المظلومة، وإعلام العالم بما عاناه ويعانيه الفلسطينيون كلّ يوم، وحثّ المزيد من الناس، من كلّ القطاعات، على المشاركة في مسيرة دعم حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرّف. وعندما نشهد اليوم في شوارع المدن الأساسية في أميركا، جيلاً عربيّاً وُلد وترعرع في المنافي يتظاهر، جنباً إلى جنب، مع الملوّنين تحت راية «حياة السود مهمّة»، ليس سوى مؤشر فقط على مدى قوة وصلابة النضال ضدّ العنصرية البغيضة، من أجل العدالة التي توحّدنا جميعاً، سواء في مينيابوليس أو شيكاغو أو أوكلاند أو هايتي أو فنزويلا أو العراق أو اليمن أو فلسطين. لم يعد بإمكان الجيل الجديد من النشطاء في مجتمعاتنا، أن يلتزم الصمت تجاه الليبراليين الذين يسمّون أنفسهم تقدّميين، لكنّهم يلتزمون الصمت والخنوع أمام توجّهات اليمين الفاشي العنصري، عندما يتمّ عرض قضية فلسطين، كما نشهد اليوم من مثال صارخ في حملة صهيونية مسعورة في كاليفورنيا، من أجل شطب كلّ ما يتعلّق بفلسطين والنضال العربي ضدّ الاستعمار، من منهج الدراسات العرقية في الولاية.
إن شعار المتضامنين معنا حين يكون «معركتكم هي معركتنا»، ليس بالأمر السهل، ولكنّه في الاتجاه الصحيح. إنّ تعريفات بومبيو ونتنياهو وترامب بأنّ معاداة الصهيونية، هي بمثابة معاداة للسامية، تستهدف حرف النظر عن القوى العنصرية الحقيقية التي يجب بالضرورة الوقوف في وجهها بكلّ حزم وشفافية، من قبلنا ومن قبل كلّ الحلفاء والأصدقاء، وفي المقدّمة الأجيال الجديدة الموحّدة تحت راية معاداة العنصرية بتجلّياتها وتجسيداتها كافّة.
إنّ لدى الجيل الجديد بأطيافه ومكوّناته كافة، القوّة لدفع جدول الأعمال إلى سقوف وآفاق أعلى. وفي الختام، إنّ ما يحتاجه الفلسطينيون، اليوم، ليس خطابات نارية ويوماً احتفالياً بالتضامن مع قضيّتهم العادلة، كما عبّر عن ذلك الشهيد ناجي العلي بعبقريّته النادرة؛ أي أنّنا إذا اختزلنا التضامن عبر يوم لفلسطين، فإنّ باقي أيام السنة ما هي إلّا أيام للتآمر على الفلسطينيين. إنّ يوم 29 تشرين الثاني/ نوفمبر، ليس يوماً احتفالياً تُلقى فيه الخطابات النارية، ولا هو يوم شفقة أو يوم للتعاطف اللفظي مع الفلسطينيين، ولكنّه يوم للانضمام إلى معركتهم اليومية ضدّ عدوّنا المشترك: العنصرية والفاشية والتطهير العرقي.

* ناشط نقابي، وأحد مؤسّسي شبكة الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة - USPCN.ORG

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا