في تفعيل دور المجلس النيابي الرقابي والتشريعي، كما في تعطيل هذا الدور (لأشهر أو لسنوات) القاعدة العامة هي غياب الخطط الهادفة والموجهة لاصدار قوانين ذات محتوى يخدم تعزير مؤسسات الدولة، ويوفر شروطاً أفضل لعلمها في خدمة الاقتصاد والمجتمع والمواطن. أما الرقابة فكانت دائماً عبارة عن نكايات واتهامات يجري تبادلها ثم «ضبها» بعد مساومات وصفقات، بما يكرس معادلة أن هناك دائماً فساد وإرتكاب لكن ليس هناك أبداً فاسدون ومرتكبون!


ما جرى في جلسات المجلس، الذي نكرر أنه مدّد لنفسه بصورة غير قانونية، بعد مقاطعة وانقطاع، هو في جزء أول منه، عمل ترقيعي يتسم بالارتجال وبتكريس وسيادة الزبائنية لجهة حشو مرافق الدولة بالمحاسيب والانصار، بعيداً من حاجات وخطط تطوير وتفعيل هذه المرافق. ينطبق هذا الكلام، بشكل خاص، على مؤسسة كهرباء لبنان التي شكلت، في ظل كل الحكومات السابقة، نموذجاً فاقعاً للهدر والنهب والفساد وسوء الإدارة وسوء استخدام المال العام. وكذلك شكلت نموذجاً للعجز وغياب الشعور بالمسؤولية ارتباطاً، دائماً، بغياب الرقابة والمساءلة والمحاسبة الرسمية والشعبية.
«الروح الميثاقية»، أي الطائفية والمذهبية، حاضرة دائماً لحراسة «الصيغة الفريدة» التي يتمسك بها الجميع. فلقد كان، لسنوات، مرفوضاً تلبية مطالب «مياومي» شركة كهرباء لبنان. أما حين توفّر النصاب الطائفي والمذهبي بتعيينات أو تعهدات بتعيينات جديدة وباضافة مياومي شركة كهرباء قاديشا... فلقد أصبح تثبيت هؤلاء وسواهم ممكناً، مما أراح الرئيس نبيه بري من كابوس الوعود والتعهدات والتحريض على ممارسة الضغوط وقطع الطرقات واحتلال مكاتب الإدارة... فـ«غرد» بعد اقرار المشروع «أُف، خلصنا من الموضوع»! ليس هذا فقط، بل أنّ الطوائف حضرت «شخصياً» حيث «طحش» ممثلوها (من الذي لا يمثلها إلا أقلية؟) مباشرة بمشروع قانون يجيز اعفاءات ضريبية جديدة لمصلحة المؤسسات والمدارس والأشخاص المعنويين الذين يمثلون المواقع الطائفية، التي تتوسع دون قيود أو حدود: لا اعتراضات جدية.
بعض الملاحظات التي تتيح إمكانية التقاسم، وعدم «حرمان» فريق على حساب فريق، وعدم التفرد ضمن الطائفة الواحدة أو المذهب الواحد...
الفئة الثانية من القوانين التي صدرت هي تجسيد حي للتناقض في وحدة معايير التشريع. لقد جرى مثلاً تعيين موظفين بعد مرور سبع سنوات على نجاحهم في المباراة. أما في حالات أخرى فقد جرى رفض تعيين كل الذين تخطت مدة نجاحهم في المباراة السنتين! كل هذا في جلسة واحدة ومن قبل المشرعين نفسهم! يحصل ذلك في ما يجري الامعان بتعطيل مجلس الخدمة المدنية ومؤسسات الرقابة والتفتيش، كذلك تعطيل النص الدستوري الذي ألغى إعتماد التوزيع «الوطني» أي الطائفي ما دون الفئة الأولى.
الفئة الثالثة من القوانين هي التي تتصل بالمصالح العليا للوطن والمواطن، أي بتكريس النظام الطائفي _ المذهبي القائم في شقيه الاجتماعي والروحي! فقانون منع العنف ضد المرأة اقر بصيغة عامة افرغته من محتواه مما اثار استياء مريراً ومشروعاً لدى الهيئات النسائية. الاعتبارات التي كانت وراء الصيغة المقرة كانت طائفية ومذهبية، أساسها نظرة جامدة إلى النصوص لا تميز، في مراحل التحولات التاريخية الاجتماعية، ما بين الأحكام التي كان معمولاً بها في الجاهلية والبداوة، من جهة، وما بين مسارات التقدم والتطور، بما في ذلك عبر التشريعات الدينية ذات الطابع الاجتماعي، من جهة ثانية.
القانون الخطير الذي أقر في الفئة الثالثة المشار اليها، كان قانون الايجارات الجديد. لقد تم ببساطة ما بعدها بساطة، وبتصويت على المشروع بمادة وحيدة (!) اقرار قانون كان موضع جدل وصراع اجتماعي طيلة عقود. هكذا وبكلمة «صُدّق» تم تهديد حياة حوالى 180 ألف أسرة (ما يقارب ربع اللبنانيين) بعدم الاستقرار أو بمواجهة العجز أو التشرد أو الضائقة غير المحسوبة. توحّد هنا، مرة جديدة، المتحاصصون، إلا بعض الأصوات، على الانحياز لمصلحة القوي ضد الضعيف. مخاطر ذلك في الظروف الصعبة والمتدهورة التي تعيشها الاكثرية الساحقة من اللبنانيين، لا ينبغي ان تكون خافية على «نواب» الشعب! إنها ببساطة، أقرب إلى عملية تحرير العقود بشكل كامل، القديم منها بعد الجديد، حتى لو جرى تنفيذ ذلك على مدى ست سنوات من تاريخ صدور القانون في الجريدة الرسمية. وإذا لاحظنا بأن معظم الابنية المستأجرة قديم ومتهالك، فسيكون المستفيد الحقيقي حيتان المقاولات والعقارات ممن يستطيعون، دون المالكين الصغار، استبدال الأبنية القديمة، بعد وشرائها وإزالتها، بأبنية شاهقة حديثة أما الحقوق التي كانت قائمة، في الاستقرار السكني والتعويض العادل في حال الاخلاء الإستثنائي، ذهبت كلها ادراج الرياح، دون أن يعترض إلا قلائل ما بدلوا تبديلا!
لا يؤشر ذلك وسواه إلى أي تغيير إيجابي في المسار الارتجالي الزبائني الممارس والمكرس في كل مناسبة ومحطة جديدة. والخشية أن يسري هذا الأمر على سلسلة الرتب والرواتب في الأسبوع المقبل. سوف يجري على الأرجح، ووفق ما هو معروف من مواقف وتوجهات وما هو معلن من تحفظات واعذار، تقليص ارقام السلسلة لغير مصلحة من تشملهم. كل الدلائل تشير إلى ذلك: فيما أعلنته الهيئات الاقتصادية، وفيما عبرت عنه مخاوف «الحريصين» من هنا وهناك، على المال العام وعلى استقرار العملة وعدم تفلت الأسعار.
لا تبشر هذه الممارسات ومثيلاتها في مجال الأمن (ما أقر في طرابلس وعرسال) بما يتجاوز بعض الانفراجات ذات الطابع المؤقت والترقيعي انفاذا ـ كالعادة ـ لقرار خارجي باحتواء التوتر في الوضع اللبناني ارتباطاً بتحولات الوضع السوري، وخصوصاً منها محاولة عزل المتشددين والتكفييرين والارهابيين بعد ازدياد نفوذهم وخروج دورهم عن سيطرة حتى من أرسلوهم ومولوهم، وما يتصل بذلك من مخاوف تتفشى الأن في عدد من الدول الأوروبية بشكل خاص.
لذلك ليس متوقعاً أن يجري تمرير الاستحقاقات القريبة بنجاح: لا الاستحقاق الرئاسي، ولا قانون الانتخابات النيابية (الذي قوبل إقتراح أن يعتمد النسبية بالإستهجان!)، ولا الإنتخابات النيابية نفسها التي جرى ترحيلها تعسفاً إلى أواخر السنة الحالية. وإذا ما أضفنا الى كل ذلك وسواه ضغط الأزمة السورية المفتوحة على مزيد من التصعيد والتعقيد، سنكون أمام تصاعد مضطرد لأزماتنا، وخصوصاً في شقها الأمني والاجتماعي والمعيشي.
لن يعالج كل ذلك أو بعضه باتهام الشعب اللبناني بالطائفية وبالفساد! لن يعالج سوى بالتخلي عن المقاربات و«التشريعات» الفئوية والطائفية، وسوى بعمل شعبي ـ سياسي من طبيعة انقاذية فعلية طال انتظارها.
* كاتب وسياسي لبناني