من بوادر الحملة التي واكبت الترويج للقبول العربي (الرسمي والإعلامي التابع) بالصهيونيّة، السخرية من مقولة «تعليق المشاكل العربيّة على شمّاعة إسرائيل». ولقد ترافقت الحملة مع ثقافة التطبيع التي تلت الهزيمة المنكرة في 1967. وكان لتلك الحملة أوتاد إيديولوجيّة مختلفة: من إعلام النظام الأردني الرجعي الذي سخر من مقاومة العرب للعدوّ الإسرائيلي ومن إمكانيّة تحقيق النصر عليه، إلى كتابات صادق جلال العظم (في حقبته الماركسيّة وهي غير حقبته الديمقراطيّة - الطائفيّة الحاليّة)، والتي خصصتُ لها مقالة من قبل. خلاصة تلك الحملات كان تحميل «العقل العربي» مسؤوليّة كل ما اعترى ويعتري المجتمع العربي من مشاكل ومصاعب اقتصاديّة وسياسيّة وثقافيّة.


إن حملات السخرية من تحميل العدوّ الإسرائيلي لمشاكلنا، كانت تهدف (ببراءة أو بشرّ أحياناً كثيرة) إلى تبرئة العدوّ من الكثير من جرائمه ومن خططه التي رافقت الغزوة الصهيونيّة على أرض فلسطين. وهذه الحملات هي صنو حملات تسويغ الاستعمار والتعبير عن التوق والحنين له.
نحن نعلم الكثير اليوم عن الخطط المُبكّرة للعدوّ الإسرائيلي ونعلم ان حاييم وايزمان (القائد الثاني للحركة الصهيونيّة) أشرف شخصيّاً، منذ العشرينيات من القرن الماضي، على وضع خطط سريّة لبثّ الفرقة بين المسلمين والمسيحيّين من أجل تسهيل نفاذ الصهيونيّة إلى المجتمع العربي. هذا بات موثّقاً في ما نُشر من وثائق صهيونيّة عن تلك الحقبة. لم تقتصر الحملات الصهيونيّة على بناء أركان دولة يهوديّة في فلسطين، بل إن التخطيط المُبكّر أخذ في الحسبان المعارضة العربيّة للمشروع برمّـته، وحسب لطرق الترويج للصهيونيّة بين العرب.
لكن بعد أكثر من قرن من الزمن على بدء المشروع الصهيوني الخبيث في بلادنا (الذي لم يكن يوماً مقتصراً على أرض فلسطين لأن المخطّطين الصهاينة علموا ان نجاح وفشل المشروع يتطلّب الحركة والتآمر في مجمل العالم العربي ـ وهذا يفسّر اتصال القادة الصهاينة بقادة عرب من مختلف أنحاء المنطقة)، حان أوان المكاشفة حول مقولة المبالغة في لوم العدوّ الإسرائيلي على مآسينا. لكن لنبدأ بنقد الفكرة من داخلها، على مذهب ثيودور أدورنو.
هل بالغ العرب حقّاً في تعليق مشاكل عربيّة صرفيّة على مشجب إسرائيل؟ هل تمنّعوا عن لوم أنفسهم لما هم وحدهم مسؤولون عنه؟ هل قلّلوا من أحجام المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة التي تعتري مجتمعاتهم وتنخر في عضدها؟ ثم هل تجاهل العرب لمنفعة سياسيّة عواقب التخلّف الذي يُقال إنه لم يكن وريث الاستعمار؟ (هناك مدرسة بين البيض في أميركا تفيد انه بمجرّد إعلان عتق العبيد في الستينيات من القرن التاسع عشر، فإن فقر ودونيّة مستويات العيش بين السود لم تعد من مسؤوليّة البيض، لأن التساوي القانوني حكم وضعهم ونقّى ضمائرهم للأبد). وهل أن إيديولوجيّات القوميّة العربيّة قصدت أن تعلّق آثام حكمها على مشجب الصهيونيّة ومؤامراتها؟ هناك جوابان عن هذا السؤال.
الجواب الأوّل يتعلّق بمدرسة حكم عربيّة تقصّدت إبراء الذمّة الذاتيّة ولوم آخرين على جرائم شاركت هي في صنعها. صحيح أن أنظمة البعث العربيّة والأنظمة الرجعيّة اليمينيّة (مثل النظام السعودي والأردني مثلاً) كانت تعزو المؤامرات بينها إلى مخطط صهيوني خبيث، لكن كان هناك ولا يزال مخطّط صهيوني خبيث. أما النظام الناصري فإنه مهما هوّل في زمنه من أخطار الصهيونيّة ضدّه، فإنه لم يكن يبالغ في حجم المؤامرات لأن ما من نظام (قبل إنشاء النظام الإسلامي في إيران) تعرّض لما تعرّض له من مؤامرات غربيّة - صهيونيّة لإسقاطه بالقوّة (لكن النظام الناصري نفسه استعمل معادلة عزو المعارضة الداخليّة إلى مؤامرة صهيونيّة، وكان مصيباً فقط في شقّها الإخواني الذي كان أداة بيد المعسكر الخليجي - الإسرائيلي). الأنظمة العربيّة استسهلت لوم العدوّ على ما لم ترد هي أن تتحمّل مسؤوليّته، حتى أنها لم تع أن العدوّ كان مسؤولاً عن جرائم ومشاكل لم تعلم هي أنه كان مسؤولاً عنه.

نحن نعلم الكثير
اليوم عن الخطط المُبكّرة للعدوّ الإسرائيلي


بثّ العدوّ ثقافة
الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط برمّتها
إن استخدام الأنظمة العربية لمشجب لوم العدوّ سهّل من عمليّة السخرية منها والتي تعاونت أنظمة التطبيع مع العدوّ الإسرائيلي على الترويج لها. لم ترد الأنظمة العربيّة ان تقلّل من حجم التغلغل الإسرائيلي في داخل المجتمعات وأجهزة الحكم العربيّة، ولا من حجم عمليّات التجسّس والإرهاب في داخلها. كان سهلاً على النظام المصري ان يسخر من فضيحة إيلي كوهين في سوريا، كما كان سهلاً على النظام البعثي في سوريا ان يسخر من فضائح النظام المصري (أو العراقي في حقبة تناحر البعث المُدمّرة) التي برهنت عن ضعف أو تقاعس أو إحجام عسكري. لكن الجواب الثاني عن السؤال يجب التصدّي له بمعزل عن الشق الأوّل، أي إن تحليل تغلغل مؤامرات العدوّ في العالم العربي لا يجب ان يخضع لتقليل أو استهانة بسبب الاستخدام النفعي للموضوع من قبل الأنظمة العربيّة. ما هي حجم المسؤوليّة الإسرائيليّة عمّا اصطُلح على تسميته في كتابات شبه أكاديميّة بـ«المحنة العربيّة» أو «الأزمة العربيّة» أو «أزمة العقل العربي»... إلخ. يصحّ نقد إدوار سعيد للاستشراق على فئة في الكتابات الأكاديميّة درجت منذ السعبينيات بلغات عربيّة وأجنبيّة. هي بدأت في سياق كتابات «النقد الذاتي بعد الهزيمة» وأتبعتها كتابات في الغرب عن «المحنة العربيّة». كان هذا عنوان كتاب أوّل عمل لليكودي اللبناني، فؤاد عجمي (ويتلاقى كتابه مع آخر كتاب لسمير قصير بعنوان «تأمّلات في المحنة العربيّة»، والتي لنا عودة له هنا). وخلاصة الكتاب يتعلّق بالتشديد على فكرة أن العرب مسؤولون عن «جراحاتهم» وعن «عذاباتهم» (قال لي أستاذي العالم الفذ، حنّا بطاطو، عن الكتاب، إنه يحمل عدداً قليلاً جداً من الأفكار القيّمة كما أن الكاتب تَرجم وجمّل من كتابات عربيّة في «النقد الذاتي بعد الهزيمة» - ومن طرائف غير الصدف ان العظم الذي كان يزعم انه يعادي فؤاد عجمي وكتاباته بات رفيق سلاحه، لا بل حاكاه في استجداء حرب أطلسيّة على بلاده). لم تكن فكرة كتاب عجمي جديدة: هي تسويق غير مبتكر لكتاب الإسرائيلي، «العقل العربي» (من المُذهل ان الكتاب المنبوذ في كل المحافل الأكاديميّة الرصينة في الغرب، والذي يرفض علماء الأنثربولوجيا حقه في النسب إليه - أي إلى المذهب الأنثربولوجي - تُرجم إلى العربيّة من قبل كاتب عراقي تزامناً مع الغزو الأميركي للعراق). ولم يكن كتاب عجمي وحيداً، فهناك كتب لعرب سبقته. ينسى من يتهم إدوار سعيد (زوراً) أنه وصم ودان كل الكتابات الغربيّة عن الشرق، انه أشاد بكتابات لغربيّين ونددّ بكتابات لعرب، مثل كتاب اللبنانيّة المُهاجرة، سونيا حمادة، «مزاج وشخصيّة العرب» الذي صدر عام 1960 (والذي سبق كتاب رافائيل باتي في العنصريّة التعميميّة وقد ردّ عليه سعيد في «الاستشراق»).
تنوّعت الكتابات العربيّة في العالم العربي، والعربيّة والغربيّة في العالم الغربي، عن «معوقات العقل العربي» - وهذا عنوان لكتاب صادر بالعربيّة. كان يمكن اتهام المرء من قبل جمعيّات حقوق إنسان غربيّة بمعاداة الساميّة لو أن هذا الكم الغزير من الكتب تخصّص في «العقل اليهودي» (كان ليبراليّو العالم العربي المنتشرين في مضارب النفط والغاز قد تداعوا لحمل الشموع استنكاراً). (كان رافائيل باتاي قد ردّ على اتهامات العنصريّة ضد العرب بعد صدور كتابه عام 1973 بأن أصدر عام 1977 كتاباً عن «العقل اليهودي»، لكن الكتاب يختلف نوعاً وبنية عن كتابه ضد العرب، إذ انه يعيب على اليهود الكدّ والجهد والعبقريّة والإفراط بعض الشيء في تناول الخمرة).
كيف يكون هناك مدارس عربيّة وجهود بحثيّة في تشخيص «معوقات العقل العربي» وهناك من يتهم العرب بتعليق مشاكلهم على مشجب إسرائيل؟ على العكس، إن النقد الذاتي (وهو ضروري شيء) وتشاخيص نواقص العقل العربي تمثّل أبشع نماذج الاستشراق المُبتذل الذي لا يرتقي إلى مرتبة الاستشراق التقليدي الذي - بالرغم من نواقصه السياسيّة والمعرفيّة - كان مبنيّاً على أبحاث دؤوبة. ذم العرب من قبل العرب بات طقساً من طقوس الحديث الثقافي، وهناك في الجانبيْن في الصراع الإقليمي الجاري ممن يعيّر العرب - كل العرب - عبر الاستشهاد بعبارات تحقير معينة بالعرب، من نوع «العرب جرب». لا، لم نبالغ في تحميل العدوّ الإسرائيلي مكامن الضعف والانكسار والتخلّف (بالمعنى السياسي والاقتصادي للكلمة) في الحياة العربيّة. هناك أكثر من مجال لتحميل العدوّ المسؤوليّة عن نواقص في الحياة العربيّة، والمشجب الصيوني ينوء بالمسؤوليّة الجمّة:
أولاً، إن العدوّ مسؤول عن دعم وتسليح نظام عربي متين من الطغاة يمتدّ من تطوان إلى جدّة. والعدوّ هو لوبي الطغاة العرب الأكبر في واشنطن ويعمل على إبقاء الدعم الأميركي لنظام الطغاة. إن الخطاب الذي سُوّق غرباً وشرقاً عن أن الطغيان في العالم العربي يعبّر عن حالة ثقافيّة متخلّفة أو عن نزوع إسلامي نحو الاستبداد أو عن خنوع ذهني أثبت بطلانه قبل اندلاع الانتفاضات العربيّة. لقد حاول نتنياهو جاهداً (بالاشتراك مع الملك السعودي) أن يحافظ على نظام حسني مبارك، وان يتيح أوباما لحليفه المطيع أن يقتل من شبعه ما يشاء للبقاء على العرش. إن سريان أنظمة الطغيان على أنواعها كان جزءاً لا يتجزّأ من سياسة إسرائيليّة مقصودة، وهي متوائمة مع الحسابات الأميركيّة منذ بدء الحرب الباردة. إن إتاحة المجال امام الشعب العربي للتعبير عن تطلّعاته وآماله ومطالبه ومكنوناته يتعارض مع المصالح الأميركيّة - الإسرائيليّة. علّقوا هذا العامل على مشجب العدوّ.
ثانياً، لقد بثّ العدو عن قصد وبناء على سياسة استخباراتيّة مقصودة ومدروسة الفرقة بين العرب على أساس طائفي وعرقي وإثني. ليس هناك صراع داخلي عربي لم يدخل العدوّ من خلاله لتأجيجه وتسعيره واستغلاله وتحويله في مسار يترافق مع حروب وسياسات العدوّ. صدر في كتاب «جيش من الظلال» لهيليل كوهين (الصادر بالعبريّة والمُعتمد على وثائق الحركة والدولة الصهيونيّة) أن حاييم وايزمن زار فلسطين عام 1920، وطالب في مكتب استخبارات الحركة الصهيونيّة بوضع خطة شاملة لمواجهة الرفض العربي للصهيونيّة. وُضعت الخطّة وجاء في بندها السادس ما يلي (بالحرف): «العمل على استفزاز الشقاق بين المسلمين والمسيحيّين» (ص. 17 من النسخة الإنكليزيّة). لكن الشعب الفلسطيني وعى مُبكّراً خطة الصهيونيّة وتمترس وراء صف متراص من الوحدة الوطنيّة عبر إنشاء جمعيّات مسلمة - مسيحيّة مُشتركة لتفويت الفرصة على العدوّ. والعدوّ غير بعيد اليوم عن الصراع الطائفي بين السنّة والشيعة خصوصاً بعد أن أعلنت هيئة كبار العلماء في مملكة القهر السعوديّة ان قادة الصهاينة هم على مذهب الدين الحنيف، وأن صلواتهم مقدّمة على صلوات المسلمين. وبات شمعون بيريز يتحدّث عن العالم العربي كسنّي (لم ينتق واحداً من المذاهب الأربعة بعد).
كذلك عمل العدوّ مُبكّراً على دعم الأنظمة الطائفيّة حوله، وفي لبنان بصورة خاصّة، وعقد اتفاقيّة رسميّة مع البطريركيّة المارونيّة سلّمت فيه الأخيرة (رسميّاً) بأولويّة الحق اليهودي على أرض فلسطين (لحسن الحظّ، لا قيمة قانونيّة أو أخلاقيّة لاعترافات أو إقرارات البطريركيّة المارونيّة). وفي الصراعات الإثنيّة والعرقيّة، قوّى العدوّ من كل النزعات الانفصاليّة من جنوب السودان إلى حركة الكرد إلى انعزاليّي لبنان (الذين تخيّلوا انهم ينتمون إلى العرق الأبيض) إلى إرتريا. وعلّق هذا العامل أيضاً على مشجب العدوّ.
ثالثاً، لم يستقرّ عدوان واحتلال إسرائيل في أرض عربيّة إلا وأثّرت فيها على نمط العلاقات الاجتماعيّة عبر الترويج لنظام القبائل والعشائر والمخاتير من أجل إعلاء شأن الوحدات الاجتماعيّة ما قبل الحديثة (أي المتخلّفة). في الأراضي المحتلّة، أقام الاحتلال «روابط قرى» من إجل ضرب عرى أواصر الوحدات الاجتماعيّة الحديثة القائمة على النقابات والأحزاب السياسيّة. وعندما احتلّ العدوّ جنوب لبنان عام 1982، سارع إلى نبش مخاتير القرى من قبورهم بعد أن كانت أحزاب الحركة الوطنيّة قد سادت في القرى والبلدان الجنوبيّة وضربت عرى وأواصر وبنى الثقافة السياسيّة القائمة على تراتبيّة الثروة والجاه والنفوذ. أعاد الاحتلال السلطة إلى أيدي من كان الشعب قد نزع السلطة عنه ومنه بفعل التحوّلات الاجتماعيّة والسياسيّة التي عاشها جنوب لبنان في الخمسينيات والستينيات، مستفيداً من التلقيح القريب للثورة الفلسطينيّة على أرض لبنان. كان المختار هو الوسيط بين الاحتلال وبين المُحتلّ. وكان المخاتير ينتمون حكماً إلى الفكر والنظام الرجعي التقليدي الذي اعتمد عليه الإقطاع للحفاظ على نفوذه. وفي الأردن (هذا الكيان المصطنع، والرديف للاحتلال، لم يكن يوماً إلا شبه محتلّ ومُسيّر بالواسطة من قبل العائلة الهاشميّة) أقام العدو نظام العشائر وحكم الأقليّات من أجل ربط مصير الاحتلال بمصير سيادة الرجعيّة في الأردن. وعلّق هذا على مشجب العدوّ أيضاً.
رابعاً، أضرّ العدوّ بالبحث العلمي في بلادنا عبر سياسة مقصودة من استهداف العلماء. لقد اغتال العدوّ عدداً هائلاً (غير معروف) من العلماء العرب (والإيرانيّين) في حقول مختلفة، وهو يضغط على الأقسام العلميّة (خصوصاً في مجال الفيزياء) في الجامعات الغربيّة لتحديد ومراقبة وحتى منع المتقدّمين العرب. لكن العدوّ لا يعنى فقط بمحاربة متخصّصين في الفيزياء النوويّة، بل هو قتل أو حاول قتل عدد من علوم الاجتماع العرب (شهدت على ذلك عينا أنيس الصايغ وأصابعه). والعدوّ استهدف سرقة محتويات «مركز الأبحاث الفلسطيني» في الأيّام الأولى لغزوه لمدينة بيروت. كان المركز من الأولويّات في بنك الأهداف «العسكريّة». وعلّقت محاربة العلم والاختصاص على مشجب العدوّ أيضاً.
خامساً، بثّ العدوّ ثقافة وممارسة الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط برمّتها. منذ الثلاثينيات، أدخل نمطاً من العنف العشوائي الذي لم تكن منطقتنا تعرفه من قبل: من رمي القنابل في الأسواق المحتشدة إلى تفخيخ سيّارات الإسعاف إلى تفخيخ السيّارات المدنيّة والباصات إلى تفجير سفارات وإرسال طرود متفجّرة. كل هذه الجرائم الإرهابيّة دخيلة على منطقتنا ولم نعرفها إلا في الثلاثينيات بوصول جحافل الغزوات الصهيونيّة المُتكرّرة. إن كل ممارسات الإرهاب التي تقترن بالعنف العربي المُسلّح لم تكن إلا تقليداً لبعض من إرهاب الصهاينة، وإن عملت حركات المقاومة المُسلّحة (قبل «حماس») على الحرص على حياة المدنيّين والمدنيّات حتى في مجتمع صهيوني مسلّح ومُدجّج لا يميّز (بينه) بين مدني وإرهابي أو (بين أعدائه) بين مدني ومُسلّح ثوري. وعلّق هذا على مشجب الصهيونيّة. سادساً، أدخل العدوّ إلى منطقتنا ثقافة التجسّس والاستخبارات والريبة والشك. كان التجسّس والعمل الاستخباراتي الذي أرخى (ويرخي) بظل ثقيل جدّاً فوق صدور العرب، بدائياً قبل الخمسينيات. إن العدوّ زرع جواسيساً له في مجتمعاتنا وفي أجهزتنا الحكوميّة، ما أدّى إلى ظهور أمراض مستعصية في الجسم السياسي والاجتماعي العربي. أصبح الشك السائد، إضافة إلى المبالغة في قدرات العدوّ أديّا إلى إنتاج حالة من العجز النفسي الذي يقترن في التفسير الاستشراقي المبتذل بالقدريّة. إن الإيمان بقدرة أجهزة الاستخبارات والتجسّس على إعلاء شأن الأمّة هو من وراثة التأثير الصهيوني في بلادنا. وعلّق ذلك على مشجب الصهيونيّة.
سابعاً، ثقافة العداء والكراهية الدينيّة. هذه أيضاً هي أمراض من نتاج الحقبة الصهيونيّة. لم تكن الحال بين المجموعات «الفسيفسائيّة» (على وصف علماء الاجتماع الذين تتيّموا بوصفة انشطار الملل والنحل في العهد العثماني) مثاليّاً لكن وجود طوائف ومذاهب وإثنيّات متنوّعة على مرّ القرون، بالإضافة إلى هجرة يهود الأندلس (القسريّة) إلى كنف الحكم الإسلامي، إن دلّ على شيء، فهو أن تقبّل الآخر في الشرق الأوسط كان أفضل مما كان عليه في الغرب الأوروبي (إذ قامت بريطانيا مثلاً على امتداد قرنيْن تزامناً مع الحملات الصليبيّة المجنونة بطرد اليهود بالقوّة من البلاد) - لكن يذهب الإسلاميّون من مختلف الأصناف بعيداً في اقتراحهم لنموذج «التسامح» الإسلامي، الذي لم يكن يعني يوماً المساواة. إن زرع مشروع الدولة اليهوديّة بالقوّة وبمجازر الحرب الصهيونيّة ساهم في نشر ثقافة عداء ديني ردّاً على العداء الذي كنّه ويكنّه الصهاينة (من العلمانيّين والمتديّنين) نحو الآخر المسلم والمسيحي. من يراجع أدبيّات انتفاضة الشعب الفلسطيني في الثلاثينيات والأربعينيات يُعجب بالإصرار الشعبي والنخبوي بينهم على التفريق بين اليهودي كيهودي وبين الصهيوني. حرصت الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة آنذاك على تعبئة الجماهير بإطار لا ديني لا طائفي، وطني صرف (تقارن ذلك بخطاب وممارسة حركة «حماس» التي دشّنت عهدها بخطاب معادي لليهود وللمسيحيّين أيضاً، والتي دشّنت عهد الانتفاضات العربيّة بانخراط في مشروع تحريض مذهبي سافر، رعته لها السلالة القطريّة). وعلقّ ذلك على مشجب العدوّ.
ثامناً، كان المشروع العربي القومي في بدايات القرن العشرين مقترناً بمشروع نهضوي حديث (بالمعنى الأوروبي) ولم تكن أصوات الهويّة الدينيّة للدولة إلا على الهوامش (هذا لا يعني أن بعض تيّارات المشروع النهضوي العربي لم تكن إلا دعوات لتبنّي استعمار أوروبي كما شرح شكيب أرسلان في موقفه آنذاك من الحركة القوميّة العربيّة). إن ارتفاع أصوات دعاة الهويّة الدينيّة للدولة كانت ردّة فعل على المجاهرة بإعلان الهويّة الدينيّة للعدوّ، الذي يصيح في الغرب (ومن دون إحراج له يُذكر) مطالباً بإصرار باعتراف الجميع بهويّة دولته المُغتصبة الدينيّة، وذلك في تجاهل تام لوضع «الآخرين» من السكّان الأصليّين. سجلّوا ذلك على مشجب الصهيونيّة.
يرتدي دعاة الصهيونيّة في العالم العربي ملابس وأقنعة مختلفة. هم يوماً يلهجون بحمد الليبراليّة وهم يقبعون في حظائر المضارب الوهّابيّة، وهم يوماً يلهجون بحمد «الحريّة» ضد الشيوعيّة وهم قابعون في حاشية هذا الأمير النفطي أو ذاك. إن مدرسة تحميل العرب كل أسباب مآسيهم هي مدرسة صهيونيّة تريد من العرب ان ينسوا جرائم حرب العدوّ واحتلالته. لا، لن ننسى ولن نغفر، وسنستمرّ في التعليق على مشجب العدوّ. لكن مشجب العدوّ يزول بزوال دولة كيان العدو. عندها فقط، يمكن (بعد سنوات ثقيلة) التوقّف عن التعليق الواجب على مشجب العدوّ.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)