ها قد بدأت جولات المفاوضات على ترسيمِ الحدود البحرية بين لبنان و«إسرائيل» ووُضِعت على نارٍ حاميةٍ إذ أُعلن عن مفاوضاتٍ مكثّفةٍ و جلساتٍ أُسبوعيّةٍ. قد تطول المفاوضاتُ أو لا، ولكن في نهايةِ المطاف، سيتوصّلُ الطرفان اللبناني و«الإسرائيلي»/الأميركي إلى اتّفاقٍ يحصلُ لبنان بمُوجبه على ما يستطيع، آخذين بعين الاعتبار الظروف الموضوعيّة التي لا تلعب البتّة لصالح لبنان. سيأخذ لبنان وسيُعطي. بمعزلٍ عن أين ستصبح حدود لبنان البحريّة نتيجة تلك المفاوضات، ستشرق الشمس في اليوم التالي على «إسرائيل» مخوّلة بالختم اللبناني المتعدّد الألوان بالحفر والتطوير حتّى آخر كوب من حدودها البحريّة الجديدة. ما هي مآلات ذلك على مستقبل التنقيب والتطوير والإنتاج على طرفي الحدود؟ تحاول هذه المقالة استقراء السيناريوات المحتملة في هذا الخصوص ومفاعيلها على لبنان. تهدُف هذه المقالة في ما تهدف إلى الإضاءة على جانبٍ من الجوانب التقنيّة التي قد يغفل عنها المفاوض اللّبناني، فتساعد بذلك على تجاوزِ بعض المطبّات ذات التأثير الكبير والبعيد الأمد. على أنّ ذلك لا يلحظ إمكانيّة أن تكون المفاوضات التي بدأت ذات طابعٍ شكليّ وإمكانيّة ان يكون الاتّفاق قد طُبِخ أصلاً ولا ينتظر إلّا تظهيره إلى الإعلام بتخريجةٍ ما.

بدايةً، تجدر النظرة العميقة إلى الجانب المتعلّق بِـ «الأنشطة البترولية المنسّقة وتجزئة الإنتاج» من اتّفاقيّة الاستكشاف والإنتاج الموقّعة مع الكونسورتيوم توتال-إني-نوفاتيك بخصوص البلوكين 4 و9، المادّة 21. ماذا لحظت اتفاقيّة الإنتاج بخصوص «الحالة التي يتجاوز فيها مكمنٌ ما حدود الخط الفاصل للجرف القاري أو لمياه إقليمية خاضعة لقوانين دولة أخرى»؟ بمعنى آخر، كيف ستتعامل توتال (الشركة المشغّلة) في حال اكتشاف مكمنٍ يمتدُّ عبر الحدود المائيّة مع فلسطين المحتلّة؟ إذ لا وجود لـ«دولةٍ» أخرى يحتملها النصّ غير «دولة» الكيان المحتلّ... في هذه الحالة تنصّ الاتّفاقيّة على إعداد خطّة إنتاج متعلّقة بالتجزئة (Unitization) تضمن حقوق «الطرفَين» بناءً على المعايير العالميّة وتتضمّن ممّا تتضمّن «تعهّد كلّ من الأطراف بالتنسيق بفعاليّةٍ فيما بينهم من أجل أفضل تطوير للمكمن الخاضع للتجزئة». على أنّ «الدولة تكون مسؤولة عن أيّ مفاوضات بين الحكومات، ويقوم أصحاب الحقوق بالتفاوض مع أيّ مشغّل أو صاحب حقّ في القطاع الخاص في البلد الآخر. يخضع أي اتفاق لتطوير هذا المكمن أو لبناء أو استعمال منشآت عبر الحدود، أو أي تدبير آخر بين أصحاب الحقوق وأي كيانات أخرى في ما خصّ التنسيق بين الأنشطة البترولية عبر الحدود أو أيّ قرار لتطوير هذا المكمن من دون هكذا اتفاق أو ترتيب، لموافقة مجلس الوزراء المسبقة».
ما هي الاحتمالات التقنيّة في حال توصّلت المفاوضت إلى اتّفاق ورُسّمت الحدود البحريّة؟ نرى ثلاثة احتمالات (أحلاها مرّ):
1 – أن تقوم شركة توتال بضوءٍ أخضر من الحكومة اللّبنانيّة بإعداد خطّة تطويرٍ وإنتاجٍ متعلّقة بالتجزئة مع المشغّل في الطرف الآخر (إنيرجيان أو شيفرون أو أيّ مشغّل آخر) يتمّ على أساسها تطوير وإنتاج الحقول على طرفَي الحدود. هذا الاحتمال، شئنا أم أبينا، يتطلّب تنسيقاً تقنيّاً على مستوياتٍ مختلفة مع العدوّ للحفاظ على حصّة لبنان في غازه من التآكل. أتطبيعٌ ذلك أم لا؟ يُترَك تقديرُ ذلك لأصحاب القرار.
2 – أن يُتّفق من ضُمن ما يتّفق عليه في هذه المفاوضات على أن تقوم شركة توتال بتطوير حقول الغاز على جانبَي الحدود ممّا لذلك من مصلحةٍ اقتصاديّةٍ مشتركةٍ للطرفين. وهذا المآل، كالأوّل، يتطلّب نفس درجة التنسيق مع «إسرائيل» وما قد ينطبق على الاحتمال الأوّل من مصاديق التطبيع، ينطبق قطعاً على الثاني.
3 – أن يمنع العداء مع «إسرائيل» أيّ نوع من الاتّفاقات التي قد تُغلِّف تطبيعاً في مندرجاتها ومضامينها وإن كان عنوان التطبيع الحفاظ على «المصلحة الوطنيّة». ستركّز «إسرائيل» على تسريع الاستكشاف والتطوير في الحقول المشتركة وخاصةً في غيابِ أيِّ عائقٍ قانونيٍّ أو أيّ تهديد يمنع الشركات من التنقيب في هذه المكامن الواعدة. هنا، تستطيع «إسرائيل» أن تعتمد، مثلاً، طريقةً لتسريع الإنتاج، عبر ربط الآبار التي قد تُحفر فيها بسفينة الإنتاج العائمة (FPSO) في حقل كاريش التي يمكن رفع قدراتها الاستيعابيّة، مع وجود مصلحة «إسرائيليّة» تقنيّة بتسريع الإنتاج من المكامن المشتركة. في هذه الحالة على الدولة اللبنانيّة العمل بشتّى الوسائل على أن تُعطي توتال العمل في المكامن المشتركة الأولويّة المطلقة من حيث بدء التنقيب والإسراع بالتطوير. تجدر الإشارة إلى أنّ الإنتاج بكمّيات مجهولة من الجهة الأخرى، في حال المكامن الممتدّة عبر الحدود، يُضاعف التحدّيات التقنيّة في ما يخصّ تقدير الاحتياط النفطي أو الغازي في الجهة اللبنانيّة. ولا يمكننا بطبيعة الحال أن نعتمد على طرفٍ ثالثٍ ليحدّد الحصّة اللبنانية والطريقة الأنسب لاستثمارها. على سبيل المثال، لا الحصر، لبنان لا يمكن ولا يجب في هذه الحالة أن يترك تثمين حصّته من حقل مشترك بين لبنان وفلسطين المحتلّة لشركة توتال أو غيرها بالتفاوض مع الشركة المشغّلة في فلسطين المحتلّة، بينما نقف نحن موقف المتفرّج من بعيد ويُترك لنا صلاحية الموافقة أو الرفض... يجب إشراك لبنان في تفاصيل الدراسات التقنية والمفاوضات التقنية (غير المباشرة) في ما يخصّ هذه الحقول حتى لا يفوّت لبنان أيّ حقّ من حقوقه تحت أيّ مسمّى أو بسبب الجهل بالخيارات المتاحة التي قد تعظّم القيمة الاقتصاديّة للبنان.
ختاماً، نحن أمام ثلاثة احتمالات في اليوم التالي للتوقيع: الأوّل والثاني يوصلان للتطبيع بطبيعة الأشياء، والثالث يُعطي أرجحيّة كبيرة وواضحة لِـ «إسرائيل» بحكم أسبقيّتها في المجال. فالمفاوضات كيفما قلّبناها، تصبّ في صالح «إسرائيل». وبما أنّه أنّ لا رجعةَ إلى الوراء في ملفّ الترسيم، على المفاوض اللبناني أن يركّز، ليس فقط على نقاط الترسيم الجديدة، بل أيضاً، وبالأهمّية بنفسها، على مسار وتوقيت إنتاج وتطوير حقول الغاز العابرة للحدود. أيّ اتّفاق لا يمنع «إسرائيل» من التطوير والإنتاج من تلك المكامن المحتملة قبل لبنان، وأيّ اتّفاق لا يشترط تزامن التطوير والإنتاج، يعدّ تفريطاً (إضافيّاً) بالمصلحة الوطنيّة. أمّا نقاط القوّة المفترضة والوحيدة في حوزة المفاوض اللبناني لفرض ذلك التزامن فليست غير تلك التي منعت «إسرائيل» من الاقتراب من تلك المناطق حتّى الآن. هذا إذا استُخدمت مكامنُ القوّة هذه في المفاوضات... وعساها تُستخدم!

* أستاذ جامعي وخبير في تطوير حقول النفط والغاز

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا