تعامل بعض الإعلام، مع إعلان مجلَّة Scientific American، منتصف أيلول/ سبتمبر الماضي، دعمها المرشَّح الديموقراطي للانتخابات الرئاسيّة الأميركية جو بايدن على أنّه سابقة. والواقع أنّ تعبير المجتمع العلمي الأميركي عن موقفه أضحى، منذ فترة، تقليداً انتخابيّاً، وانحياز أبرز أصواته للحزب الديموقراطي كذلك.

لقد نجح الديموقراطيون في جعل العلم رمزاً سياسياً شديد الارتباط بهم، وأهمّية هذا الرمز تحديداً، على ما يقول دانييل سارويتز، في أن لا قدرة فعليّة للجمهوريّين على منافستهم عليه، لأنّ سمعة الحزب الجمهوري كقوّة «مناهضة للعلم» بلغت مستوى أصبح معه من الصعب جداً عليه أن يبني مصداقية في الموضوع، تماماً كما يصعب على الديموقراطيّين عادة التسويق لكفاءتهم في قضايا الأمن والدفاع القوميَّين. في الواقع، لطالما شكّل «ضعف» الديموقراطيِّين في ملف الدفاع والأمن نقطة أساسية في خطاب الجمهوريين الانتخابي، بحيث ساقه رونالد ريغان ضدّ جيمي كارتر في انتخابات 1980، وجورج بوش الأب ضد مايكل دوكاكيس عام 1988، ثمّ بوش الابن ضدّ جون كيري عام 2004.

جويل نابرستيك - الولايات المتحدة

«حرب الجمهوريّين على العلم»
في المقابل، يشكِّل العلم خاصرة الجمهوريّين الرخوة التي لطالما استهدفها المرشَّحون الديموقراطيّون الذين يسوِّقون لفكرة «حرب جمهوريّة على العلم»، وفق عنوان كتاب كريس موني الصادر عام 2005. في حملته الانتخابية ضدّ بوش الابن ـــــــ «أكثر رؤساء أميركا معاداة للعلم» وفق الديموقراطيّين، قبل أن يسلبه دونالد ترامب اللقب ــــــ لطالما كرّر كيري القول: «سآخذ بنصائح علمائنا كي أتمكَّن من اتِّخاذ القرارات الفضلى»، و«سأدَع العلم يقودنا لا الأيديولوجيا». وكان 62 عالماً، بينهم مرجعيّات عالميّة في مجالاتهم، قد أصدروا بياناً عن إعادة النزاهة العلميّة إلى السياسة الفدراليّة، قالوا فيه إنّ تحوير المعرفة العلميّة لأهداف سياسيّة، الذي دأبت عليه إدارة بوش الابن، ينبغي أن يتوقّف كي يتمكّن الشعب من معرفة الحقائق والمعطيات الضروريّة لحياته ورفاهه، وكي يفيد من استثماره الكبير في البحث العلمي.
تابع باراك أوباما، في حملته الرئاسيّة الأولى عام 2008، هذا الخط، واعداً بـ«إعادة العلم إلى مكانه الصحيح»، بعدما أمعنت إدارة بوش الابن بتهميشه (من خلال إنكار التغيُّر المناخي، ودعم الوقود الأحفوري والطاقة النوويّة، والسماح بتعليم التصميم الذكي...)، محاولاً كسر ثنائيّة الدفاع/ العلم، كما في ردِّه الشهير على ميت رومني، في مناظرتهما الثالثة، حيث قال: «لدينا، الآن، أحصنة وحراب أقل. وغواصات نوويّة وحاملات طائرات أكثر، نحن نعيش في عالم مختلف»، في إشارة إلى أنَّ ملف الدفاع نفسه، هو الآن ملفّ علمي ــــــــ تكنولوجي، قبل كلّ شيء.
هذا على صعيد الخطاب، أمّا في الواقع، فمن المفيد الإشارة هنا إلى أنّ القضايا «العلميّة» التي يٌتَّهم الجمهوريّون بتحوير معطياتها، أو تجاهل ما تستدعيه على صعيد السياسات، لا تقع عادة ضمن العلوم الصلبة والهندسيّة التي تهمّ الصناعات الدفاعية والتنافس على صدارة القوّة العسكرية في العالم. مع ذلك، تُظهر بعض الدراسات أنّ التراجعات الأكثر حدّة في ثقة الأميركيين في العلوم، تزامنت مع وجود جمهوريّين في سدَّة الرئاسة، ولا سيّما رونالد ريغان، وجورج بوش الابن. وقد اعتبرت مجلّة «نايتشر» Nature، في مقالة تعود إلى مطلع الشهر الحالي، أنّ أحد أبرز التحدّيات على صعيد «سياسة العلم» التي ستواجه جو بايدن، في حال وصوله إلى سدّة الرئاسة، ترميم ثقة شريحة واسعة من الأميركيِّين بالعلم، بعد عهد ترامب. كما تظهر الاستطلاعات، عادةً، أنّ المواقف المناقضة للنظريّات العلميّة السائدة (mainstream science) هي أكثر شيوعاً في أوساط ناخبي الحزب الجمهوري، ومنها مثلاً رفض نظريّة التطوّر، أو إنكار الاحترار الكوكبي، أو اعتبار فرضيّة الانفجار العظيم اختلاقاً لا يمتُّ للعلم بصِلة.

السياسة من داخل الدماغ
بعد مقولة حرب الجمهوريين ضدّ العلم، انتقل الخطاب الديموقراطي إلى مستوى أكثر جذريّة في الاستئثار بالعلم، وتصوير «حرب الجمهوريين» عليه سمة مكوِّنة لهويّتهم السياسية. فكثُر الحديث عن «دماغ أحمر» و«دماغ أزرق»، وأصدر كريس موني، عام 2012، كتابه الدماغ الجمهوري وهدفه، كما يشي عنوانه الثانوي، يسعى لتبيان سبب «إنكار» الجمهوريين للعلم والواقع. وخلاصة الكتاب، أنّ المحافظين والليبراليّين ينتمون إلى «إنسانيَّتين» مختلفتين، إن جاز التعبير، وهذا ما يُفسِّر مواقفهما المتناقضة من المسائل العلميّة. يستند موني إلى أبحاث تُبيِّن وجود علاقة بين الأيديولوجيا السياسية وسمات نفسية، بل دماغية وجينية معيّنة، للقول بأنّ المحافظين والليبراليين هم نوعان مختلفان من البشر، يدركان الواقع ويحلِّلانه بشكل مختلف، بحيث يفضِّل المحافظون البساطة، والأحكام اليقينيّة، والترسيم الحاسم لحدود الجماعة، وبالتالي التمييز بين من هُم داخلها ومن هُم خارجها. فيما يُظهر الليبراليّون ميولاً مساواتيَّة وقدرة على استيعاب التعقيد والتعامل معه. في الوقت نفسه، يبدو المحافظون أشدّ حساسية إزاء المخاطر، فيما الليبراليون منفتحون على الجدّة وأكثر استعداداً للمخاطرة.
يجسِّد الكتاب استراتيجيّة استعمال السلاح «العلمي» لاستكمال تنحية الحزب الجمهوري عن ثيمة العلم واستئثار الديموقراطيّين بها، حدَّ صيرورتهم «حزب العلم». «العلم، العلم، العلم» تُردِّد رئيسة مجلس النواب الديموقراطية نانسي بيلوسي، «لقد كنّا نخيَّر بين الإيمان والعلم. وها نحن نقول إنّ العلم هو استجابة صلواتنا». وإذا كانت بيلوسي، باستعادتها، في حملة بايدن، جملتها الشهيرة في حملة أوباما، مكرِّسة الأنتي ـــــــ علميّة كقاسم مشترك بين بوش الابن وترامب، وبالتالي كمحدِّد للهوية الجمهوريّة، فيبدو من الصعب رفع الحماسة للعلم في الخطاب الديموقراطي إلى المستوى الذي بلغته في حملة أوباما الأولى، حين وقّع 68 من حَمَلة جائزة «نوبل»، في الفيزياء والطب والكيمياء، رسالة دعم جاء فيها أنّ أوباما سيؤمِّن التقدُّم في مجالات الصحّة والبيئة والاقتصاد، من خلال متابعة التراث الأميركي في الاكتشاف والاختراع، فيما سيؤدّي انتخاب رومني إلى الإطاحة بإرثٍ طويل من البحث والاستثمار في العلوم. وقالت مجلّة نايتشر Nature، إنّ لا صوت لها تُدلي به في الانتخابات، ولو كان لها صوت لجيّرته لأوباما.

بحثاً عن «مكان العلم الصحيح»
تعهّد أوباما بأن «يعيد العلم إلى مكانه الصحيح» في صناعة القرار السياسي. وتضمّنت خطّته للنهوض الاقتصادي، بعد أزمة عام 2008، ضخَّ 21 مليار دولار للبحث العلمي. واستمرّ الاستثمار في صورة الرئيس المحبِّ للعلوم، بوصفِه، مثلاً، أوَّل رئيس أميركي ينشر مقالة «علميّة»... إلّا أنّ الحماسة المفرطة للعلوم في عهد أوباما، أثارت القلق في الأوساط العلميّة. فكتب دايفيد غولدستون، في «نايتشر» نفسها، إنّ الزيادة الكبيرة في تمويل الأبحاث مقلقة لثلاثة اعتبارات: أوّلاً، لأنّ إدراج العلوم ضمن سلّة الحوافز الاقتصاديّة يحوِّل العلم إلى «فوتبولٍ سياسي»، وثانياً، لأنّ طفرة قصيرة ومفتعلة ستتبعها فترة ركود أطول، والثالث، إنّ استثماراً بهذا الحجم يفترض أنّ المال يُسترجع ويثمر بطريقة سريعة وربّما متهوّرة. أما في ما يخصُّ وعده بإنهاء ما درجت عليه إدارة بوش من إخضاع العلوم للأجندات السياسيّة، فلا يسعنا القول إنَّ أوباما وفى به: فقد أخذ عليه خصومه موقفه الرافض لإقامة مطمر للنفايات النووية في جبل يوكا، بعد 20 عاماً من الأبحاث خلص فيها العلماء إلى أنّ هذا الموقع مناسب. وكذلك، رفضُ إدارته إتاحة أنواع معيَّنة من حبوب منع الحمل للقاصرين عام 2011، رغم إعلان إدارة الدواء والغذاء أنّ استعمالها آمن، وقراره، في العام نفسه، إقفال مسرع الجزيئات الأكبر في الولايات المتحدة Tevatron، والثاني في العالم، بحجّة عدم توفّر الأموال، وبسبب إعطائه الأولوية للأبحاث حول الطاقة المتجدّدة.
أثار تعاطي ترامب مع المسائل العلميّة والمجتمع العلمي، مخاوف تتعدَّى البروباغندا التقليديّة حول الحزب الجمهوري منذ حملته الانتخابية


والواقع أنّ إخضاع البحث العلمي المموَّل من الدولة لأجندة سياسية، هو شيء طبيعي. فالأولويات والخيارات القيميَّة هي مسائل سياسية لا علميّة. يمكن للعلم أن يثبت أنّ لا ضرر لموانع الحمل طبِّياً، ولكن ليس للعلم أن يفتي بصوابيّة أو لاصوابيّة إتاحتها للقاصرين. وما تبرير أوباما قراره بالقول إنه «كأب لشابّتين، يعتقد أنّ علينا أن نعود للحسّ المشترك في قضايا كهذه»، سوى دليل على لاصلاحيّة المرجعيّة الطبية في هذه المسائل، وعلى كون بناء القرارات السياسيّة على العلم لوحده، مجرّد شعار سياسي... خلاصة القول، إنّ «مكان العلم الصحيح» حيث لا تقوِّله السياسة ما لا يستطيع قوله، ولا يُحمَّل وزر خيارات ينبغي أن تبقى موضع نقاش سياسي وقيمي.

وللديموقراطيين حروبهم على العلم أيضاً
وتماماً كما استُعمل شعار تحرير العلوم في الأجندات السياسية ضد أوباما صاحبه، بالإمكان تطبيق مقولة «الحرب على العلم»، والتفكير المنحاز، على الديموقراطيين أنفسهم. في كتاب The Blank Slate الصادر عام 2006، يشرح ستيفن بينكر أنّ إنكار ما تبيِّنه العلوم عن الطبيعة البشرية، ليس حكراً على توجّه سياسي بعينه. فعلى سبيل المثال، يسلّم الليبراليون عادة بنظرية التطوُّر في ما يخصّ الجسم الإنساني، أما الذهن فهو بالنسبة إليهم صفحة بيضاء وكل قدراته وعملياته إنما يكتسبها بالتعلّم. ويذكِّر بأن مثقَّفين ليبراليين شنّوا حرباً منظّمة على علم النفس التطوّري، في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي. كما يذكِّر بيريزو وكامبيل، في كتابهما الصادر عام 2012، Science Left behind، بحروب الديموقراطيِّين أنفسهم على العلم، ولا سيّما في ما يتعلّق بالطاقة النوويّة، والأغذية العضويّة والبذور المُعدَّلة جينيّاً والاستنساخ، وغيرها من الموضوعات التي تمسّ، من قريب أو بعيد، بالطبيعة، وهي عند الديموقراطيين، يقول الكاتبان، مفهوم دينيٌّ تحيط به هالة من التقديس المتناقض وغير الواقعي، الذي لا يخترقه أي برهان علمي: لذا، تراهم يرفضون الطاقة النووية بسبب مشكلة النفايات المتأتية عن إنتاجها، ويرفضون الوقود الأحفوري لأنه يسبّب الاحتباس الحراري، ويرفضون إنتاج الطاقة من المياه حفاظاً على إيكوسستمات الأنهار، ويرفضون إنتاج الطاقة من الرياح لأنَّ فيه خطراً على الطيور... باختصار، هناك «يسارٌ معادٍ للعلم» يستند إلى تفكير لا يقلّ أسطوريّة ولا علميّة عن اليمين المتطرِّف.
في المحصِّلة، لا سبيل إلى نسبة العلم، أو ربطه حصريّاً، بهذا الحزب أو ذاك، إلّا من خلال ترسيمٍ انتقائيٍّ بل اعتباطيٍّ لميدان العلم. لذا، قلَّما يذكر أصحاب نظرية «حزب العلم» الاستطلاعات التي تظهر أنّ نسبة الناخبين الديموقراطيّين ذوي الاعتقادات الأنتي ـــــــ علميَّة كالثقة بـ«علم» الفلك وتأثير حركة الكواكب على حياتهم اليومية، وفقاً ليوم ميلادهم، وكذلك نسبة الذين يؤمنون بالنظريات الطبّية القروسطية و«البديلة»، توازي ضعف نسبتهم في صفوف الجمهوريِّين. في المقابل، يميل المحافظون إلى القول إنّهم إنّما يحترمون «العلم الموثوق» (Sound science)، في محاولة لنزع صفة العلميّة عن العلوم الاجتماعيّة الخاضعة برأيهم للأجندات الليبرالية.

الجائحة أو الفرصة الضائعة
بدأت أصواتٌ كثيرة داخل المجتمع العلمي الأميركي تشكو من التسييس المفرط للعلم، والذي حوَّله من ثروة وطنيّة إلى رأسمال حزبي. ويعتبر الاختصاصيون بمسألة العلاقة بين العلم والسياسة، من أمثال دانيال سارويتز، أنّ جائحة «كورونا» كانت فرصة لتخطِّي هذين التسييس المفرط والاستئثار الحزبي، وذلك لاعتبارت عدّة منها أن لا تعارض قيميّاً جذريّاً بين الأميركيّين حيالها، فجميعهم يعتبرون الحياة البشريّة قيمة عليا، والحفاظ عليها أولويّة مطلقة. ومنها، أنّ نتائج إدارة الجائحة تظهر بشكل ملموس وسريع، على عكس قضايا أخرى كالنظام التربوي أو التغيّر المناخي التي تُبقي المجال مفتوحاً أمام التكهّنات والتوقّعات. لذا، كان من الممكن أن تشكِّل فرصةً للإجماع حول مرجعيّة السلطة العلمية في المجالات العلمية، والحاجة الدائمة إلى الحوار الديموقراطي في ما يتعلق بالقيم والمصالح. إلّا أنّ الجائحة حصلت في عهد ترامب...

ترامب: الرجل الذي «يعلم»
أثار تعاطي ترامب مع المسائل العلميّة، والمجتمع العلمي، مخاوف تتعدَّى البروباغندا التقليديّة حول الحزب الجمهوري، منذ حملته الانتخابية. وممّا سلّط الضوء على غياب العلم تماماً عن لائحة أولوياته الرئاسية، بقاء موقع رئيس مكتب سياسة العلم والتكنولوجيا في البيت الأبيض شاغراً لسنتين، بعد وصوله إلى البيت الأبيض. علماً بأنّ هذا المكتب هو من الوحدات القليلة في البيت الأبيض، التي خصّها الكونغرس بقانون. كان ذلك عام 1976، بعدما امتنع رئيس جمهوري آخر هو ريتشارد نيكسون عن تعيين مستشار علمي له. وقد سجَّل ترامب رقماً قياسياً في استهداف العلماء، إذ رصد اتِّحاد العلماء القلقين (UCS)، في أربع سنوات، عدداً من الاستهدافات، تخطّى ما شهده عهدا بوش الابن وأوباما مجتمعَين، أي ما يعادل 16 عاماً.
في ما يخصُّ الجائحة، اعترف ترامب في المقابلات التي أجراها معه بوب وودوارد وصدرت في أيلول/ سبتمبر في كتاب بعنوان «غضب» (Rage)، أنَّه أخفى عمداً الحقائق. فقد كان يعرف، منذ ما قبل تسجيل أول وفاة بـ«كوفيد ــــــ 19» في الولايات المتحدة، أنّ الفيروس خطر وسريع العدوى واحتمال الوفاة جراء الإصابة به يعادل خمسة أضعاف في الإنفلونزا، وأنّ الكارثة قد تضاهي الإنفلونزا الإسبانية التي انتشرت عام 1918 والتي أودت بحياة 675000 أميركي. مع ذلك، استمرّ في القول إنّ الوباء سينتهي بالزوال، وإنّ الأمور تحت السيطرة، لا بل إنَّه توقّع، في شباط/ فبراير الماضي، أنّ أميركا تتّجه إلى «صفر إصابة». ويبرّر ترامب ذلك بالقول إنّ وظيفته كرئيس تقضي برفع معنويات شعبه.
توحي إجابات ترامب، في الكتاب، بأنّه لا يستثني المعلومات العلميّة من منطق «الوقائع البديلة» الذي اشتهرت به إدارته، لا بل يؤكِّد ما ذهب إليه جيري تايلور من أنّ هذه الإدارة تختلف عن جميع سابقاتها من كلا الحزبين. فكلّ الإدارات تعاملت، بنسبة أو بأخرى، بانتقائية أو مصلحية مع الوقائع العلميّة، أمّا إدارة ترامب فيسود فيها، يقول تايلور، التفكير السحري الذي يفترض إمكان تغيير الوقائع بالكلام. وقد أثار كلام الرئيس الأميركي، مراراً، استهجان الرأي العام العالمي وسخريته، سواء عند امتناعه عن احترام قواعد السلامة، أو نعته للفيروس بـ«الصيني» (تماماً كاعتباره سابقاً الاحتباس الحراري إشاعة صينية)، أو عند تنطُّحه لاقتراح استراتيجيّات بحثيّة وعلاجيّة على العلماء (إدخال الأشعّة فوق البنفسجيّة إلى الجسم، بما أنّ حرارة الشمس تضعف الفيروس، أو حقن المرضى بالمطهِّرات طالما هي تستعمل لقتل الفيروسات على الأيدي والأسطح)، أو إفتائه، أخيراً، بأنّ العلماء لا يعرفون سبب الحرائق في كاليفورنيا.
من الطبيعي والحال هذه، أن تتوسَّع دائرة الانتقادات خارج الانقسام الحزبي التقليدي. والحال، يضمّ «حزب» الخائفين على مستقبل العلم والثقة به في أميركا، من ولاية ثانية لترامب، أصواتاً معروفة بتوجُّهاتها المحافظة، كالـAmerican Enterprise Institute، فتعتبر كوري شايك، مثلاً، مديرة أبحاث الدفاع والسياسات الخارجية، أنّه سيكون من الصعب على الولايات المتحدة، بعد ترامب، أن تستعيد هيبتها كقوة عظمى في ميدان العلوم والتكنولوجيا، هي التي بنت هذه الهيبة بعد الحرب العالمية الثانية، من خلال تجسيدها الحداثة ومنافعها، سواء بإيجاد لقاح للشلل أو إيصال أول إنسان إلى القمر.

بربريّة الخبراء وبربريّة الأغبياء
في خطابه الوداعي، عام 1961، قال دوايت أيزنهاور: فيما نعامل البحث والاكتشاف العلميَّين بكثير من الاحترام، كما يجدر بنا، علينا أن نبقى متنبِّهين إلى خطر موازٍ هو تحوُّل السياسة إلى أسيرة لدى النخبة العلميّة التكنولوجيّة. قد تبقى هذه الوصيّة صالحة لأيّامنا، شرط التنبُّه إلى أنّ الخطر الحقيقي يأتي، لا من العلم و«نُخَبه»، بل من تصوير طرف سياسي لخياراته السياسية على أنّها حقائق علميّة، وكلِّ معارضةٍ له على أنّها ظلامية ومعادية للعلم. هنا تكمن البربريّة التكنوقراطيّة، كي أستعيد تعبير كونت ـــــــ سبونفيل. إذ تحت قناع العقلانية والتنوير، يسحب من المواطنين الحق بالنقاش والاختيار، بمجرّد تصوير الموضوع المطروح على أنّه نقاش علميّ لا تحق المشاركة فيه، إلا لمن يسمّيهم ليوتارد «المتلقّين الشرعيّين» أي العلماء، أو من تفضِّل السياسة تسميتهم الخبراء.
لقد استشعر أيزنهاور الخطر التكنوقراطي، لكنّه على الأرجح لم يتخيّل نقيضها الأشد خطراً، أعني الأيديوقراطيّة، إن جاز التعبير، على طريقة فيلم مايك دجدج Idiocracy. الأرجح أنّه لم يتخيّل العلم في أميركا جاهداً، عبثاً، لإقناع السلطة بأنّ ريّ المزروعات بالمشروبات الغازية، تماماً كما حقن مرضى «كورونا» بالمطهِّرات، أو «تفجير» الأعاصير بقنابل نوويّة... ليس شيئاً ذكيّاً، ولو قاله الرئيس الذي «يعرف أكثر من الجميع»، في كلِّ القضايا.

* كاتبة وأكاديمية لبنانية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا