اللقاء الأخير الذي جَمَع قوى السلطة الفلسطينية («فتح» و«حماس») في مدينة إسطنبول بالرعاية التركية، جاء في سياق تكريس نهج المُحاصَصة بين الفصيلين الكبيرين على الساحة الفلسطينية. فلا تزال القوى والفصائل الأخرى هامشيّة وضعيفة، يَقنعُ بعضها بدور الديكور فيما أكثرها مُوزعة بين تابع وعاجز، تحضر كشاهد الزور الجاهز في جوقة المُصالحة التي يرعاها محمود عباس في رام الله المُحتلّة. ولا يزال القرار السياسي الفلسطيني مُوزّعاً، حتى اللحظة، بين قوى السلطة، بعبارة أدق: بين الإخوة والإخوان!

ولن يُصدّق عاقلٌ أنّ جماعة أوسلو استيقظت، فجأة، وصارت في الموقع الوطني تُريد الآن مُجابهة مشروع التصفية الأميركي الصهيوني الرجعي. هذه مجرّد نكتة سَمِجة، ذلك أنّ طبقة أوسلو لا تُريد إلّا الحفاظ على مصالحها وامتيازاتها، حتى لو استنقعت في وحل الفساد ومؤسّسة القمع، واستهدفت طلائع المقاومة، واعتقلت كوادر الحركة الطالبيّة، وتعاونت أمنيّاً مع أجهزة العدو... وهي بالمناسبة مستمرّة في برنامجها الخياني هذا، حتى كتابة هذه السطور. إنّ هذه الطبقة الفلسطينية الوكيلة، وحزبها حركة «فتح»، جُزءٌ لا يتجزّأ من مشروع التصفية لقضية فلسطين، صادَرَت المشروع الوطني الفلسطيني، منذ مغازلة مؤتمر جنيف في عام 1973، والمشاركة في «مؤتمر مدريد للسلام»، في تشرين الأول / أكتوبر عام 1991، ثمّ هندست اتفاقيات الخزي والعار في أوسلو، في عام 1993، ولا تزال تبحث عن تأمين مصالحها الصغيرة في إطار سلطة الحكم الذاتي، في عام 2020، ولذلك تلتحم أكثر في علاقة تبعية مع الاتحاد الأوروبي، ولي نعمتها الجديد، في حين أصبحت شريكاً صغيراً تابعاً لاقتصاد الكيان الصهيوني والنظام الأردني وشركائهما في المصارف والشركات والأجهزة شَرقي النهر.
ومنذ نُشوء سلطة الحُكم الذاتي المحدود، عام 1993 ــــــ 1994، لإدارة مصالح الرأسمالية الفلسطينية وحماية كيان العدو ومستعمراته، يعيش اليمين الفلسطيني الليبرالي مأزقه التاريخي، الذي تفاقم بعد مَغطس انتخابات عام 2005، الذي لا علاقة له بمشروع التحرير والعودة، ولا مُجابهة الكيان الصهيوني ومشاريع التطبيع والتصفية. كان التنافس مَحموماً على السلطة، وصار اليوم «شراكة وطنية» بين «فتح» و«حماس»، وحلّاً لأزمة اليمين في شقّيه الديني والليبرالي، ولكلٍّ منهما مأزقه الخاص يسعى إلى حلّه للحفاظ على موقعه.
إنّ «فتح» و«حماس» تتشاركان، اليوم، في مسألة أخرى: افتقارهما لأيّ صِفة تمثيلية أو شكلٍ من أشكال الشرعية الوطنية والقانونية، وهما تبحثان معاً، في إسطنبول هذه المرّة، عن مصدر «لتجديد الشرعيّة»، وقد عثرتا عليه في انتخابات جديدة لمُؤسّسات سُلطة الحكم الذاتي المحدود، وفق قواعد أوسلو المعروفة، مدفوعة بنصائح ووعود أوروبية وإقليمية. وقد نَصَّ الاتفاق الأخير بينهما على «عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني الفلسطيني، خلال فترة لا تزيد على ستة أشهر»! وهذه ليست نكتة واحدة، بل ثلاث كذبات وثلاث نكات بايخة في سطر واحد!

لا يمكن تحقيق الوحدة الوطنيّة الفلسطينية من خلال شراكة بين قوى المقاومة وقوى اليمين السياسي المهزوم


مَن يُصدّق أنّ في وسع الفلسطينيين، اليوم، تنظيم انتخابات حُرّة ونزيهة وديمقراطية تحت الاحتلال؟ وكم مرّة تفشل هذه القوى في مسارها العبثي ذاته، ثُمّ تصمّم على تكرار فشلها وبالمنهجية والأدوات ذاتها؟ ومَن يُصدِّق قدرتها على تأمين انتخابات نزيهة، يُشارك فيها الشعب الفلسطيني خلال ستة أشهر؟ إلّا إذا كانت الحركتان تُريدان حَشرَها في ما يسمى «التوافق الوطني» وعبارة «حيثما أمكن إجراء الانتخابات» و«بحسب الظروف المُتاحة»، وغيرها من مُبرّرات تعني تغييباً للإرادة الشعبية الفلسطينية، خصوصاً للكتلة الشعبية الكبيرة في الأردن، وهي الكتلة الأكبر التي كانت تُمَثَّل في مجالس وطنية في سنوات الثورة بـ100 عضو من أصل 217 (نصف الأعضاء تقريباً)، ولن يكون لها أي تمثيل اليوم. الأمر ذاته ينطبق على الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلّة عام 1948، إنّها المنهجية الإقصائية التقليدية ذاتها، منذ زمن ياسر عرفات، والتي لم تصل بنا إلى أيّ شيء إلّا المزيد من التيه والضياع والعدم.
إنّ تيّار السلطة في رام الله المُحتلّة، الذي تقوده حركة «فتح» يُمارس سياسة الحَرَد والزعل، هذه الأيام، لتحسين موقعه بسبب تغيّر المواقف في معسكر حُلفاء الأمس، خصوصاً في الرياض والقاهرة، وقد تخلّوا عنه، فيهرب إلى الأمام، ويقفز إلى حظيرة السلطان أردوغان! يريد محمود عبّاس أن يَرُدّ على تصريحات السفير الأميركي ـــ الصهيوني ديفيد فريدمان، بشأن استعداد الطرف الأميركي لاستجلاب محمد دحلان وفريقه من عملاء دولة الإمارات إلى موقع «القيادة»، فيركض مختار المقاطعة إلى المحور التركي ـــــ القطري. ويُدرك رئيس السلطة الفلسطينية، أنّ هذا السيناريو جرى قبل 16 عاماً، حين كان المدعو محمد دحلان شريكهُ في الانقلاب على ياسر عرفات. والحقيقة التي بات يعرفها أكثر الناس ولا ينطق بها إلا نفر قليل: لا يكترث تيّار أوسلو لوجود عملاء آخرين، المُهم ألا ينافسوه على حصّته في كعكة السلطة و«القيادة»!

سُلطة غزّة تعيش مأزقها الخاص!
قرّرت قيادة حركة «حماس» أن تدخل حقل ألغام سياسية، لكن هذه المرّة أخطر من السابق، ربما ألعن من ألغام الميدان في ساحة المعركة، إذ تُقايض قيادة الحركة الموقف الوطني المقاوم بمواقف براغماتية أقرب إلى لغة عشائرية ـــــ تجارية، لتحقّق مصالح حزبية خاصة. وهذا قد يحقّق للحركة المزيد من الوقت في فضائيات المحاور، ولكنّه يقضم كلّ يوم قطعة جديدة من مصداقيتها. ويجري، اليوم، تدريب قواعد وأنصار الحركة، بل تدجين خطابها، لقبول مواقف هزلية باهتة من نوع «دولة في الضفة والقطاع والقدس الشرقية» مُقابل دخول الحركة إلى «منظّمة التحرير الفلسطينية»، التي تحظى باعتراف عربي ودولي رسمييْن. وهذه الخطوة قد تُمكّنُها (كما تتوهّم قيادات الحركة) من إقامة علاقات شرعية وطبيعية مع دول المنطقة والعالم، وانتزاع اعترافٍ عربيٍ وإسلاميٍ ودوليٍ بدورها. في سنوات سابقة، قالت حركة «حماس» في محمود عبّاس ونهجه المساوم، أكثر ممّا قاله مالك في الخمر. كان «عرّاب أوسلو»، واليوم صار «الرئيس الذي لا خلاف عليه»، و«الأخ الكبير الذي يرعى مصالح الشعب»، ولم نعُد نعرف أيّ «حماس» نُصدِّق. ومثلما أراد المأفون محمد بن زايد أن يبيعنا اتفاقه المسخ مع العدو الصهيوني، بحجّة حرصه على الشعب الفلسطيني وبذريعة وقف مشروع الضم الصهيوني، يفعل بعض قيادات «حماس» والفصائل الفلسطينية الأمر ذاته، فيذهبون إلى شراكة كاملة مع فريق أوسلو وقوى التنسيق الأمني، بذريعة الحرص على الوحدة الوطنية وحماية حقوق الشعب الفلسطيني... ويحمّلون شعبنا جِمِيلة!

انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني
لم يَحدُث أن جرى تبهيت المجلس الوطني الفلسطيني، كما يحصل اليوم على طريقة «فتح» ـــــ «حماس»، لأنّ الفدائيين الأوائل كانوا أكثر حِرصاً ووعياً وفهماً للديمقراطية من قيادات المرحلة. أما مؤسّسة المجلس الوطني الفلسطيني، اليوم، فإنّها في ثلاجة الموتى منذ عام 1990 على أقل تقدير. والحقيقة أنّ حركتي «فتح» و«حماس» تعتبران الأولوية، اليوم، لانتخابات تشريعية ورئاسية تحت الاحتلال، ولا تكترثان للمجلس الوطني الفلسطيني. كانت انتخابات المجلس الوطني في الماضي، تجري في مراكز اقتراع شعبية في الشتات، وفي مؤسّسات واتحادات نقابية للعمّال والطلبة والمعلّمين والأطبّاء والكتّاب والصحافيين وغيرها. وتُشكّل هذه المؤسّسات في مجموعها، ركائز وقواعد للثورة الفلسطينية، تُجسّد إرادتها في مجلس وطني فلسطيني مُنتخَب من القاع (رغم علّاته السابقة وملاحظاتنا الجادة عليه). وكانت تشارك فيه منظّمات العمل الفدائي، من خلال اللجان والمجالس السياسية والعسكرية والقانونية، وتتمثّل فيه شخصيات وطنية وتاريخية معروفة ومستقلّة تحظى باحترام ومصداقيّة بين الجماهير.
المصلحة الوطنية الفلسطينية، تقتضي إعادة بناء هذه المؤسّسات والاتحادات الشعبية والنقابية، كأولوية وطنية لأنّها تشكّل الصمغ السياسي الضامن لوحدة الشعب الفلسطيني السياسية والتنظيمية والنضالية، وتؤمّن أوسع مشاركة شعبية في القرار السياسي. غير أنّ هذه المؤسّسات والاتحادات تحوّلت، بعد توقيع اتفاق أوسلو، إلى مكاتب خاوية ودكاكين خاصة، مجرّد لافتات باهتة لا يخافها العدو ولا يَحسب لها حساباً. وعليه، فإنّ نهج حركتي «فتح» و«حماس» والفصائل الصغيرة، في التعامل مع انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني، هو وضع العربة أمام البغل.

الوحدة الوطنية
لا يمكن تحقيق الوحدة الوطنيّة الفلسطينية، من خلال شراكة بين قوى المقاومة وقوى اليمين السياسي المهزوم، فالتيار الذي يحتكر بالقوة قرار المؤسسات الفلسطينية كافّة، يسعى إلى تحقيق وحماية مصالح حفنة صغيرة من البرجوازية الفلسطينية من أصحاب المليارات (الكومبرادور) على حساب الطبقات الشعبية الفلسطينية المُفقرة، التي تجاوز عددها 13 مليوناً. ولا تتجسّد الوحدة الوطنية، من خلال مشروع «دولة» مسخ، حيث تصبح سلطة الحكم الذاتي أولوية تسبق حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، الحق الذي صار «مؤجّلاً» و«ثانوياً»، ومُجرّد شعار يجري تذييل البيان الختامي به، وكفى الله المؤمنين شرّ قتال. هذه سياسة عقيمة تُصادر صوت الأكثرية الشعبية الفلسطينية، ومحاولة دنيئة لتجديد «شرعيّة سلطة الحكم الذاتي»، في بعض مناطق الضفّة وغزّة المُحاصرة. وعليه، فإنّ البرنامج السياسي هو الذي يشكّل الأرضية للوحدة الوطنية، وهو الذي سيقول لنا في أيّ اتجاه تُبحر وتمضي السفينة الفلسطينية. ولماذا تكون لفصائل فلسطينية كرتونيّة لا ترمي حَجراً واحداً على دورية صهيونيّة، ولا تُطلق رصاصة واحدة على العدو، حصّة أكبر في القرار السياسي، من قوى وطنية وشعبية فاعلة وتشكيلات مُقاوِمة مسلَّحة في قطاع غزة مثلاً؟ أو يكون صوت ضابط من جوقة التنسيق الأمني، أهمّ من صوت أسيرة ومناضلة في سجون العدو، أهمّ من قوى شعبية وحركات وشخصيات وطنية وازنة لها حضورها النضالي والشعبي في الداخل والخارج؟
إنّ المطلوب، اليوم، هو ما كان مطلوباً في الأمس: تأسيس جبهة وطنية فلسطينية موحّدة هدفُها التحرير والعودة، تُعيد إلى الشعب الفلسطيني وحدته السياسية والنضالية، وتعمل على تصويب البوصلة نحو الجوهري في نضال الشعب الفلسطيني، كما تُعيد إلى الشعب مفاتيح مؤسّساته المنهوبة والمختطفة، وفي مقدمتها المجلس الوطني الفلسطيني. جبهة وطنية موحّدة تستعيد حاضنتها الشعبية العربية والأممية، وتقطع علاقتها مع كلّ مرحلة أوسلو ونتائجها الكارثية وتقوم بجردة حساب ومراجعة شاملة، بل وتحاسب طبقة مأجورة ارتكبت جرائم بحقّ الشعب وهي المسؤولة عن حالة الانهيار والتدمير التي أصابت كلّ مفاصل المشروع الوطني الفلسطيني. ودونما الإعلان الصريح عن سحب الاعتراف الفلسطيني الرسمي بالكيان الصهيوني ووقف التعاون الأمني مع العدو، والشروع في إعادة التوازن إلى جناحَي الحركة الوطنية الفلسطينية في فلسطين والشتات، لا يمكن الوصول إلى وحدة وطنية على أرضية صلبة يطمئن لها الشعب الفلسطيني، ويثق ويحتفي بها تحت الشمس... لا أحد يتوق إلى الوحدة الوطنية أكثر من الشعب الفلسطيني.
وأخيراً ، إذا كان هناك ثمة نقدٌ قاسٍ في هذا المقال لبعض مواقف وسياسات قوى المقاومة، فهذا سببه الحرص على المقاومة الفلسطينية وعلى سلاحها ومصداقيّتها، والتحذير من مغبّة العبور في نفق جديد، ذلك أنّ الحاضنة الشعبية للمقاومة هي التي تدفع دائماً... كُلّ الثمن.
* كاتب فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا