اتجاهان حكما النظرة إلى نتاجات الاستشراق: الأول كان متوجّساً ومشكّكاً في كلّ المجال الاستشراقي، عادّاً إياه أسلوباً استعمارياً جديداً، فيما تعامل الاتجاه الثاني بإيجابية مع جهود المستشرقين، من دون افتعال قطيعة معها ، متقصّياً البعد المعرفي والفكري لها، كما يقول الباحث الدكتور عبد الجبار الناجي في كتابه «التشيّع والاستشراق».

نتناول في مقامنا هذا، كتاب المستشرقة الفرنسية صابرينا ميرڤان «حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل وأدباؤه من نهاية الدولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان»، ترجمه عن الفرنسية هيثم الأمين، إصدار «دار النهار للنشر» بيروت ط1، تشرين الأول / أكتوبر 2003- ط2، أيلول/ سبتمبر 2008.

«وصول القافلة» (1909)، زيت على قماش، 65x50 سنتم، للفنان الاستشراقي ألكسي أوغوست دولاهوغ

كتابٌ على الرغم من غنى مصادره وتحقيقاته ووثائقه، وما حاولت صاحبته من نقل الصورة الواقعية لتاريخ جبل عامل وعلمائه، والأحداث التي عصفت به في مدّة حساسة من تاريخ الشرق بوجه عام، من دون الغوص في الاستنتاجات ـــــ وقد نجحت في ذلك إلى حدّ كبير ـــــ يبقى غير أمينٍ بالمطلق لجهة شموله وتماميّته في نقله لكلّ ملامح الحياة العاملية في دقائقها والمسكوت عنها، فبقيت طيّ الكتمان والتناسي جرياً على العادة من أنَّ كثيراً من الناس والبيوتات الشريفة والعلمية وغيرهم، والتقاليد وما تخفي من أصالة، يظلون بعيدين عن الضوضاء لا يمكن الوصول إليهم للأسف، والإضاءة على خصائصهم وما يمتلكون من ميزات وعادات نبيلة، لأنهم يمتلكون نفسها، ولا يهادِنون على كرامتهم ويحيون العفّة والإباء والكرامة بعفوية، وبلا تصنّع ولا يمدون أيديهم، على الرغم من شظف العيش والحرمان وضنك العيش، إلّا أنّ أرواحهم من الداخل لم تنسحق يوماً ولم تستجد، ولم تصل إلى مستوى الاستسلام والذل. فهي لم تعرف الانهزامية وهو شيء ليس مقبولاً كعرف، في أية لحظة من اللحظات وفي ظل أي ظرف من الظروف، ولم يُعَد اكتشاف هذه الروح ولا اكتشاف جبل عامل، وكأنه اكتشاف الأميركيّتين، بل كان مكشوفاً للجميع من يحبّه ومن لا يحبّه. وحديثاً، أطلق الإمام موسى الصدر حركة المحرومين للفت الانتباه الشعبي والرسمي والدولي إلى حقوق لا بدّ من تكريسها واحترامها لكلّ أبي عزيز النفس محروم من أخذ حقه وممارسة دوره، فالمحروم الذي لا يسأل الناس شيئاً المتعفّف عن الطلب والسؤال.
إنَّ تسجيل الأحداث بأمانة من مهمّة الباحث الموضوعي، ويصبح أكثر موضوعية عندما يلفت إلى خلفيات الأحداث والمواقف ومعالجتها في أطرها الاجتماعية والنفسية السليمة التي لا تنتقص من اكتمال عقد الحقيقة ولا تؤثر سلباً في الاستنتاجات والتفسيرات المقولبة والجاهزة. فكان لا بدّ للمستشرق، قبل كلّ شيء، إجادة اللغة العربية والاطلاع الواسع على المحيط الثقافي والاجتماعي والتفاعل معهما ببساطة كما هما، وفهمهما على سجيّتهما من دون إسقاطات ذاتية منحدرة من الفهم الثقافي والاجتماعي الخاص بالمستشرق المؤلف. كما لا بدّ، بوجه عام، من الانتقال من العرض العام لسير الأحداث إلى الخصوصيات، أو عرض الخاص الذي ربما يقلب الصورة الكلية للحدث أو الموقف في نظر المتلقّي والقارئ والمتتبّع والمهتم، فلا يكفي العرض العام لتسلسل الأحداث، من دون النفاذ الدقيق إلى خلفيّاتها ودقائقها ودوافعها، ومن ثم تحليل المواقف والظروف، ولو بالقدر اليسير، حتى لو كانت المستشرقة تنأى بنفسها عن الاستنتاجات، إلا أنّ عملها المطبوع بطابع واحد، يؤكّد لمن يطالعه وكأنه استنتاجات أوحدية لا مقابل لها ولا متمم لأجزائها.
في مقدّمتها لكتابها، تقول بأنّ الفضل لـ«ورنرإند» في دراسة الإصلاح لدى الشيعة، ولم تظهر الدراسات المختصّة إلّا ما كتبه بيار جان لويزار وإسحاق نقاش، عن شيعة العراق. وهذا غير دقيق، نقول تعقيباً على ذلك، إنّ التشيّع حظِيَ باهتمام المستشرقين منذ القرن التاسع عشر، مع الاستشراق البريطاني. فقد ألّف جون مالكوم عام 1829 كتاباً بجُزءين عن «النجف الأشرف»، ثمّ نشر لويس بيلي كتاباً بجزءين عن «الإمامين الحسن والحسين»، عام 1879، ومن ثمّ كتاب المستشرق الفرنسي هنري ماسيه «المهدي من بداية أصوله الإسلامية وحتى أيامنا هذه»، باريس 1885. بعد ذلك، ألّف المستشرق الألماني فلهاوزن، عام 1899، دراسة عن أصول التشيّع، ثم كتاب المستشرق الألماني فستنفلد في تحقيقه وترجمته لكتاب «أبي مخنف ـــــ مقتل الحسين»، ولا ننسى المستشرق الهولندي فان فلوتن، الذي أعدّ بحثاً عن الإمام الحسين، نشره عام 1892، ثمّ جاء المستشرق موللر، عام 1901، في ترجمة، وطبع جزء من أجزاء كتاب «كمال الدين» للشيخ الصدوق الفقيه الشيعي، والمحدِّث الكبير في القرن الرابع الهجري.
عام 1907، أظهر بعض المستشرقين كفريدلاندر، تأثره بالجو السلبي العام عن التشيّع بوصفه مذهباً هامشياً ذا تأثير بسيط في التاريخ الإسلامي، من خلال بحثه المنشور في مجلة JAOS. ولكنّ هذا الواقع قد تغيّر كثيراً مع الزمن، وقام المستشرقون وهم كثر بدراسة التشيّع كحركة فكرية اجتهادية حضارية لها بنيتها وتأثيرها في التاريخ الإسلامي والحضاري.
وتعرَّض المستشرق نولدكه، عام 1909، إلى تاريخ التشيّع في كتابه عن الإمام الحسين، أما المستشرق براون، فقد أعلن عام 1924 أنّ المستشرقين تنقصهم المعرفة، كما الدراسات الموثوقة عن الشيعة للّغات الأوروبية. وقد ألّف المستشرق الفرنسي، أيضاً، عام 1927، كتاباً عن الإمام الحسين. ومع المستشرق البريطاني دوايت دونالدسون، عام 1933، كان هناك كتاب كامل عن العقيدة الشيعيّة «الديانة الشيعية». ثمّ كان الاستشراق الإيطالي، مع فاجدا، التي قدّمت بحثاً أشارت فيه إلى الشيعة الاثني عشرية، ط 1941.
تبدأ المستشرقة، في كتابها ص 16، بنقل رواية ذكرها الحر العاملي في «أمل الآمل»، في إشارة إلى قدسية الجبل العاملي ومنطقته: «سئل الإمام جعفر الصادق، كيف يكون حال الناس في حال قيام القائم عليه السلام وفي حال غيبته، ومن أولياؤه وشيعته من المصابين منهم المتمثلين أمر أئمتهم والمقتفين لآثارهم والآخذين بأقوالهم؟ قال: بلدة بالشام، قيل: يا ابن رسول الله إنّ أعمال الشام متّسعة؟ قال: بلدة بأعمال الشقيف أرنون وبيوت وربوع تعرف بسواحل البحار وأوطئة الجبال. قيل: يا ابن رسول الله هؤلاء شيعتكم؟ قال عليه السلام: هؤلاء شيعتنا حقاً، وهم أنصارنا وإخواننا والمواسون لغريبنا والحافظون لسرنا، واللينة قلوبهم لنا، والقاسية قلوبهم على أعدائنا، وهم كسُكّان السفينة في حال غيبتنا، تمحل البلاد دون بلادهم، ولا يصابون بالصواعق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويعرفون حقوق الله، ويساوون بين إخوانهم، أولئك المرحومون المغفور لحيّهم وميّتهم وذكرهم وأنثاهم، ولأسودهم وأبيضهم وحرّهم وعبدهم، وإنّ فيهم رجالاً ينتظرون، والله يحبّ المنتظرين».
هذه الرواية، وإن لم تكن موثّقة بصريح عبارة الحر العاملي نفسه، عندما قال: «هذا الحديث، وإن لم أجده في كتاب معتمد»... انطلقت منها الباحثة في كلامها على جبل عامل، من الزاوية التاريخية، ولم تكن ربما ملتفتة إلى أهمية إعاده النظر في مثل هذه الروايات ودراستها وتحقيقها بوجه خاص ما هو مرتبط بذكر المناطق وجغرافيّتها المقدّسة، وتمايزاتها من بعضها البعض، بما يؤصّل للحقيقة بعيداً من التجاذبات التي كانت تحصل بين مراكز القوى في الدولة الإسلامية (الشام ـــــ العراق ـــــ الجزيرة العربية ــــــ اليمن ـــــ خراسان).
هنا يأتي السؤال: هل نمط الرواية التاريخية الدينية التي يبني عليها المستشرق فكرته، وينطلق منها، هو سليم ودقيق بغضّ النظر عن التوجيهات اللاحقة له؟ وهنا، ينبغي عدم الفهم الخاطئ بأنني أقلِّل من أهمية المكان، وإن كان أهله من يمنحونه الحيوية والأهمية.
ذكرت أيضاً عبارة «في ما يتعلّق بالتقليد الشيعي، فإنّ سفينة نوح هي الأئمة». صحيح ذلك، إذا قصدت المعنى الرمزي القيمي بأنّ الأئمة بما يمثّلون مِن رمز للحق ومصدر لتبيان الهدى والحقيقة، فهم سبيل نجاة للناس، كما كانت سفينة نوح سبيل نجاة بالأبدان من الطوفان، وضمّت المهتدين أيضاً، فلا بدّ من توضيح الرمز وعدم ذكره حرفياً، حتى نبعد القارئ عن التمثّل المنحرف عن المقصود الحقيقي على مستوى المخيال الشعبي، كما يحصل كثيراً من ربط بعض الرموز الدينية بأشياء لا واقع لها، وتفسيرها على نحو غيبي، كالحروف المقطّعة في أوائل السور القرآنية، وغير ذلك، وهو ما يثير الشبهات في الأذهان، ويؤدّي إلى الخلط بين الحقيقي وغير الحقيقي.
لم يكن كلامها العام عن وضع الشيعة في جبل عامل معيشياً ومادياً واجتماعياً، سوى تأكيد على أنّ الروح الأبية، على الرغم من القهر والظروف القاسية، بقيَت جذوتها وبقوة في نفوسهم، وأنتجت رجالات وأجيالاً عشقوا الشهادة والجهاد، وكانوا مخلصين ترابيين لا تهمّهم زخارف الدنيا وبهارجها.
نريد استشراقاً غايته البعد المعرفي في تقوية التواصل الحضاري والإنساني بين الشعوب والمجتمعات بشكل حر ومنفتح يعزز الحضور الثقافي


تقول في ص 66من كتابها: «إنّ الواجبات الدينية عند شيعة جبل عامل، كانت ألين منها عند جيرانهم السنّة...». هنا، لا بدّ من التعقيب، بأنه من السداد القول بأنّ المقصود الحقيقي للين هو الانفتاح على أوليات الاجتهاد والمرونة في الآراء والتفسيرات، وليس المقصود البتة من اللين التهاون أو الانحسار عن التدقيق والفهم لقضايا الدين والحياة. فمن يستعرض تاريخ الاجتهاد الشيعي، يلاحظ أنّه السبّاق في توضيح الأمور الدينية ومحاولة السير بها قدماً نحو محاولات إرجاعها إلى أصولها وينابيعها الصافية.
أضافت في هامش ص 68: «قام أحد أفراد عصابة صادق حمزة...»، ناهيك بسردها عن تصرّفات بعض عصائب الوطنيين، عام 1925، من أدهم خنجر ومحمود الأحمد بزي وغيرهما، ووصفها لهم بقطّاع طرق، وكأنّ المجاهدين قطّاع خارجون عن القانون، همّهم الأوحد السلب والنهب، ولا روح وطنية لديهم ولا نهوض وعمل مقاوم ضد الاستعمار الفرنسي، وهذا مجافٍ للحقيقة، فهم يملكون حسّاً وطنياً، كما يقول المؤرّخ حسن الأمين، ولكنّهم كانوا يفتقرون إلى التنظيم، فليس من العدل اختزال سيرة هؤلاء بصورة العابثين بالأمن والحياة، وهم قدّموا ما استطاعوا من جهادهم وصبرهم في سبيل تحرّرهم وحريتهم.
تابعت حديثها عن تردّد الشيعة إلى المزارات والمقامات، ونظرتهم إلى قضايا الاستخارة، ووضع الحجاب والاستسقاء والخرزة الزرقاء وصيبة العين، على أنّها من صلب الدين والمعتقد، في حين أنّ بعضها عادات وتقاليد وممارسات لبست لبوساً دينياً، وليس من لا يعتقد بها أو على الأقل يناقش فيها تفسد عقيدته. تقول في ص 70: «وكان في جبل عامل معتقدات وتقاليد، إن لم تكن سابقة على الإسلام، فإنّها تقع على الأقل على هامش الإسلام ...».
في ص 71: «وكان العامليون يعتقدون بقدسية بعض الأشجار، وكان بعض الطلاب يمنع قطع أغصانها للتدفئة وكان الناس يمتنعون عن المساس بها في إشارة إلى قصة السيد محسن الأمين ...». نعقّب بأنه من باب التقدير والاحترام والتبرك، كانوا يحافظون على هذه الأشجار التي توضّأ عالم جليل على سبيل المثال عندها، لا أنّ الشجرة بذاتها مقدّسة، وهنا نجد مدى تعلّق الناس وتفاعلهم العاطفي والنفسي مع نماذج العلماء الأتقياء الصالحين.
صحيحٌ ما نقلته من صورة رجال الدين واستغلالهم للعمامة والزي الديني، وما أوردته من الشواهد المناسبة لطبع الناس في الخفّة، وما يألفون ويُرضي مشاعرهم المتهكّمة والمتذمّرة، وما حشدته من نماذج شعرية ساخرة ومتهكّمة للشاعر عبد الحسين العبدالله، وهذا نموذج موجود في كلّ عصر ومكان. ولكن للإنصاف لا بدّ من عدم التركيز فقط على المشهد السلبي، من دون ذكر ما يقابله من نماذج إيجابية رائدة، سيرة وسلوكاً وتعفّفاً وعملاً وجهاداً، فالذي يأتي من الخارج ليقرأ التاريخ ملياً وبكليّته، لا بدّ من التعرّض للصورة بتمامها وبكل وجوهها، حتى يكتمل المشهد للقارئ والمتتبّع، وكي لا تكون السوداوية المطلقة هي الحاكمة على وعيه.
في كتابها ص 143، أشارت إلى موقع الخلفاء بعد وفاة النبي (ص)، وقالت: «... فقد كان الأئمة ناقلو سنّة النبي على غراره، يُعدون مرشدي الأمة والقيّمين على السلطتين الدينية والدنيوية، ولذلك فإنّ الخلفاء والملوك الذين جاؤوا من بعدهم، كانوا يعدون جائرين». وفي هامش الصفحة، تذكر: «وفي المراجع الشيعية، يوصف حكم الأمراء بأنه جائر أي منحرف عن السبيل القويم، ثم اتخذ معنى المستبد والباغي والطاغية».
صحيحٌ برأي الشيعة وعلمائهم، أنّ الخلفاء أخطأوا، لكنّهم يميّزون بين الخلفاء الراشدين، وبين الذين جاؤوا بعدهم وخطيئتهم الكبرى، هي منع الخليفة الحق علي (ع) من تولّي الخلافة الحقة، ويقدرون للخلفاء الراشدين صحبتهم لرسول الله (ص) وتضحياتهم في سبيل الدعوة الإسلامية. لم يملك الشيعة العقدة الشخصية منهم، ولا ينفون إيجابيات معيّنة فيهم إن وجدت، ولكنّهم يقفون موقفاً مبدئياً منهم بالاعتقاد بانحرافهم عن الحق المتمثل في أهل بيت النبوة وظلمهم حقهم. ومع ذلك، كانت سيرة علي والأئمة من ولده أنهم سالموا ما سلمت أمور المسلمين، فكان همّهم الإسلام، لذلك كانوا ينصحون للخلفاء ويوجهونهم ويرشدونهم، وكان أسلوبهم هو بيان الحق بالأسلوب الحسن، والمحافظة على المصلحة الإسلامية.
أما مع كربلاء الحسين، فالقصة بحسب معطياتها وظروفها حدّدت وجود الإسلام بسنّيته وشيعيته، حيث كان لا بدّ من النهوض على جور يزيد وسياسته التي هدفت إلى محو الإسلام وقلعه من جذوره وتمزيقه، عبر الاستبداد والجور ونشر الفتن والفساد والمنكرات والاستئثار الفئوي المقيت.
أما عبارتها ص 144 من الكتاب: «مذهب الخميني القائل بولاية الفقيه»، فإذا كان قصدها ما ذهب إليه من رأي فإنه لم يكن مزاجياً، بل انطلق من اجتهاد خاص في فهمه للأدلة الواردة في الكتاب والسنة واستفاد منها ولاية الفقيه العامة، وليس كل علماء الشيعة يقولون بها بل بالولاية الخاصة، كالسيد الخوئي وغيره من الفقهاء.
لم تكن موفقة تماماً لجهة خلطها بين القياس والاجتهاد، وقولها حول الاجتهاد الشيعي في معرض استشهادها بكتاب الخلاف للشيخ الطوسي، إن تاريخ الفقه الإمامي تطور منذ زمن الأئمة وشتان ما بين القياس والاجتهاد. فالاجتهاد معناه بذل الجهد في استخراج الحكم الشرعي من أدلّته المعتبرة وبالدليل، فلا مجال للاجتهاد الشخصي المزاجي، فللمكلف والمتابع الحق في طلب الدليل وعلى المجتهد توضيحه وبيانه. أما القياس المرفوض شرعاً، فهو تصوّر علّة للحكم الشرعي من باب الظن والتخمين، من دون أن يكون قد ثبت النص عليها بدليل معتبر ثم تسرية الحكم نفسه على ما تعتقده أنه حالات مشابهة له في العلة المظنونة، فيقيس هذه الحالة على الحالة السابقة وهذا المعنى لا يوافق عليه فقهاء الشيعة، وكذا العديد من فقهاء السنّة ومذاهبهم.
في ص 145 تقول: «أما جمهور المؤمنين فعلى كل واحد منهم أن يتبع الأحكام التي يمليها عليه الأعلم من بين الفقهاء مما يستتبع التقليد». إن التقليد ليس ترفاً فكرياً، فهو يحتّم على المكلّف مسؤوليات في سعيه لمعرفة الحكم الشرعي من أهله المقتدرين والمنفتحين على رحابة الإسلام. أما تقليد الأعلم، فعن المحقق الثاني دعوى الإجماع عليه بين فقهاء الإمامية، ولكن نُسِب إلى جمع ممن تأخر عنه عدم الوجوب وجواز الرجوع إلى غير الأعلم من الفقهاء فشرط الأعلمية المطلقة بين الفقهاء لا واقع له لصعوبة تحققه. تحدثت المستشرقة عن الشعائر الحسينية واللطم وإقامة المجالس بطريقة مبالغ فيها، وهي موجودة، ولكنّ الصحيح أن هناك الكثير من النداءات والآراء والفتاوى لجهة تنظيم هذه الشعائر وتنقيتها من الموروثات وتقديمها بالوجه الصحي السليم الذي يبرز أصالتها بعيداً عن مظاهر الغلو، بما يخدم القضية الحسينية التي هي قضية إنسان الحق والوعي، الإنسان المنتصر على ذاته وأنانياته والمقتحم ساحات الحياة بنفسٍ أبية لا تقبل الخنوع والذل.
أي استشراق نريد بعد الذي تقدّم؟ إنّنا نريد استشراقاً غايته البعد المعرفي في تقوية التواصل الحضاري والإنساني بين الشعوب والمجتمعات بشكل حر ومنفتح، يعزز الحضور الثقافي البعيد من ألاعيب السياسيين والمستكبرين، وتدخّلات المشاريع الخاصة من هنا وهناك التي تذكي نار الصراعات بدل إطفائها.
في ظلّ ما نشهده من مسلسل التطبيع مع الصهاينة والتماهي مع لغتهم ومشاريعهم، نريد فعلاً تطبيعاً ـــــ إن صحّ التعبير ــــ مع أنفسنا، بالعودة إلى مراجعة حالها وأوضاعها وفهمها لدورها ومسؤولياتها، بعد أن تدقق في تاريخها وتراثها الأصيل وقيمها الروحية والأخلاقية والجهادية والإنسانية وموقعها من كل ذلك أمام الله والناس وحركة التاريخ والزمن، كي تبدأ النهوض من جديد من تحت ركام الانغماس في لغة المادة والمظاهر والتسليع لكل شيء.
فمتى يصبح العالم في ظل دولة الإنسان المسؤول، حيث لا تمايزات مختلقة بين شرق وغرب، ولا بين شمال غني وجنوب فقير؟!
* أكاديمي وحوزوي

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا