ما يزيد في بلبلة تطبيق القوانين، أنّ «اتفاق الطائف» يستعمل معيارين متناقضين لاختيار موظفي الدولة. فعلى صعيد موظفي الفئة الثانية وما دون، ينصّ «الطائف» على أن تُراعى الكفاءة لا الطائفة، أما على صعيد الفئة الأولى، فالتمثيل للطوائف ما بين مسيحية وإسلامية.

الأخذ بمعيارَين متضاربين يُظهر الخفة التي صدرت بها قوانين «الطائف»، إذ إنّ من المعروف والمعترف به عالمياً أنّ أي بنية أو هيكلية إدارية، عليها أن تكون منسجمة مع نفسها عبر قوانينها المنطقية، ذلك أنّ أجزاء ومهام هيئة ما تُحتِّم التوافق في ما بينها على الإجراءات والقوانين نفسها، لا معيارين متناقضين، وإلا قاد ذلك إلى الفوضى والتنازع بين الأقسام المحتكمة إلى قوانين متضاربة. ليس من المنطقي، ولا حتى العملي، أن يتمّ اختيار رؤساء الإدارات بناء على طوائفهم، ثمّ اعتبار أنّ اختيار موظّفي الفئة الثانية وما دون حسب كفاءتهم، ذلك أنّ هؤلاء الموظفين سينصاعون تلقائياً لرؤسائهم على الأسس الطائفية المذهبية، لا على الأسس البيروقراطية ـــــ الإدارية للعمل. وإن النزاعات التي تنشب بين رئيس الجمهورية الماروني، ورئيس الوزراء السنّي، ورئيس مجلس النواب الشيعي، كلّما برز موضوع التعيينات الحكومية، لَهِي أكبر دليل على صراع الطوائف لتقاسم السلطة والنفوذ على حساب الكفاءة والمعرفة والاختصاص.
ففي ظلّ نظام التوافق الطائفي ــــــ المذهبي، يغدو حكم الترويكا أو توافق الرؤساء الثلاثة، أساسياً لإدارة الحكم، إذ إنّ أيّ خلاف بينهم يؤدي إلى شلل كامل للدولة.
ولا تشذّ الإصلاحات الاجتماعية المدرَجة في «اتفاق الطائف» عن قاعدة اللاقاعدة وتضارب القرارات، فمن جهة يؤكّد «الطائف» أنّ المذهب والدين سيُلغى ذكرهما في الهوية الشخصية، إلّا أنّ النظام الانتخابي برمّته سيبقى قائماً على التمثيل الطائفي الذي يحتّم ذكر الطائفة على إخراجات القيد، ما يجعل إلغاء ذكره من الهوية دون معنى، ولا دلالة اجتماعية أو سياسية له.
وهكذا، يصبح بمقدور أيّ كان التلاعب بقرارات «الطائف» بحسب القوى الحاكمة، والإبقاء على البنى السياسية التقليدية القائمة على الهوية الطائفية والمذهبية، وتجاهل بناء مواطنة حيّة وحرّة من القيد الطائفي ـــــ المذهبي. فبينما ضمِن الدستور القديم، أقلّه نظرياً، حقوق المواطنين ومساواتهم أمام القانون، فإنّ «اتفاق الطائف» يمثّل نقلة وارتداداً إلى الوراء، ويضفي على كلّ لبناني وجهاً مزدوجاً جراء ثنائية القوانين، فيضعف الحس الوطني، إذ إنّه بناءً على «اتفاق الطائف» لا وجود لمواطن لبناني، بل فقط مواطن مسيحي ومواطن مسلم. ولا يعترف «الطائف» بمواطنية أي دين أو مذهب آخر، كما لا يعترف بمواطنية العلماني الذي لا يريد أن ينتمي إلى أي توجّه ديني في السياسة، وبالنتيجة يتعارض مع شرعة حقوق الإنسان التي وقّع عليها لبنان والتي تحفظ حقوق المواطن بمعزل عن دينه أو جنسه أو معتقده أو أصله.
لقد قطع «اتفاق الطائف» الطريق على كلّ من يؤمن بالمواطنية. فقبل «الطائف»، كان باستطاعة المواطن أن يلجأ إلى دستوره غير المطبّق، ليحتمي به من تعسّف الطوائف، إذ إنه لم يكن يعترف بالطوائف كهيئات قانونية، وأدرجت المادة 95 كوضع ظرفي استثنائي خارج عن السياق العام الذي يؤكد على حقوق المواطنية. لقد شكل الدستور القديم منارة للمواطنين، بينما اعترف «اتفاق الطائف» بهيمنة الطوائف، ولم يسمح حتى لنائب واحد بأن يمثّل الشعب على أساس علماني لا طائفي، أي إلغاء الطائفية السياسية. ولأنّ «اتفاق الطائف»، بعكس الدستور القديم، يحدّد مرجعية الوطن بالطوائف والمذاهب، يقود ذلك إلى أنّ قرارات مجلس الوزراء يجب أن تتم بالتوافق بشكل أساسي، ما يؤدّي إلى القضاء على مبدأ فصل السلطات بين تشريعية وتنفيذية وقضائية.
في ظل هذه الظروف، فإنّ الدولة بمؤسّساتها الحكومية والتي يُفترض بها أن تمثّل المواطنين ومصلحتهم، لا وجود لها في لبنان. وما نراه هو كوكبة من الطوائف المغلقة التي تتحكّم بالسلطة بناء على الوفاق الوطني للقادة السياسيين. وباستطاعة كل طائفة كبرى أن تهدّد بحق النقض قرارات الطائفة الأخرى، كما تستطيع أن تحصّن نفسها وتعمل باستقلالية كبيرة في ما يختص بأمورها الداخلية.

مساوئ النظام التوافقي
إنّ النظام التوافقي أداة تستعملها، عادة، بعض المجتمعات المنقسمة على نفسها، على الصعيد الإثني كبلجيكا مثلاً. نظرياً، هدف هذا النظام تأمين الاستقرار في خضم ثقافة سياسية متشظية، وحلّ الأمور الشائكة على أسس التنازلات المتبادلة، والتكيّف مع الأمر الواقع. إلّا أنّ بعض علماء السياسة، يرى أنّ من المستحيل بناء دولة مستقلة، أو ذات سيادة، في مجتمعات منقسمة على ذاتها بحدّة. لذا، لم يستطِع النظام التوافقي في لبنان أن يمنع الحروب الأهلية والاقتتال الطائفي، ولم يساهم في إرساء اللحمة بين الأطراف المتنازعة في المجتمع بدليل أنّ عدداً من الأحزاب المسيحية لا تزال تطالب بفدرالية أو كونفدرالية. والنظام التوافقي لم يخطو خطوة واحدة باتجاه الدولة الديموقراطية، بل على العكس من ذلك، رسّخ العصبيات الدينية والطائفية والمذهبية، وفاقت سلبياتُه إيجابياتِه كما سأُبيِّن:
أولاً، إنّ النظام التوافقي يقود إلى شلل تام في القرارات السياسية، إذ إن كلّ أزمة أو حراك بين الطوائف لا يقود إلى التغيير، بل إلى إبطال الموقف المستحدث من هذه الطائفة أو تلك، أي العودة بالأمور إلى ما كانت عليه قبل الأزمة.
ثانياً، وبالتكامل مع الشلل، يغدو التحجّر ملازماً لهذا النظام ولبنية المجتمع، ذلك أنّ الطوائف في حالة رعب دائمة مخافة أن يأتي التغيير على حسابها. وتصبح المحافظة على الأمر الواقع الهدف الأسمى للطائفة الممسكة بالسلطة. وتقاوم هذه الطائفة المهيمنة، بشراسة، كلّ محاولات الإصلاح السياسي كي لا تخسر الامتيازات التي حازتها.
ثالثاً، تتم المحافظة على الأوضاع الانعزالية والمتقوقعة لكلّ طائفة، ورفض مد الجسور لردم الهوة بين الطوائف والمذاهب، لأنّ الاختلاط تهديد جديّ لنظام الطائفية السياسية برمّته، وللميثاق الوطني المبني أساساً على انقسام الطوائف!
رابعاً، تنخرط نخبة صغيرة جداً في اتخاذ القرارات السياسية، بينما لا يُسمح للمواطن بالمشاركة، لأنّ ذلك يتضارب مع مصالح زعماء الميثاق.
خامساً، إنّ هذه النخبة القليلة العدد تسيطر على الحكم سنة تلو السنة، لأنّها تترأس طوائفها، فلا تتغيّر وجوه قادة الحكم، بل يجاهد هؤلاء القادة لتوريث أولادهم الحكم.

المعضلة في النظام الطائفي اللبناني أنه فشل في إيجاد قواسم مشتركة بين المواطنين وبالتالي فشل في أن يكون أداة حكم ناجحة


سادساً، يعتمد النظام التوافقي لإدارة أعماله على المحسوبيات والزبائنية. فتتبادل الطوائف الخدمات، ومن يسبغ خدمة لطائفة اليوم يحصل على بديلها في الغد.
سابعاً، ينتج عن حكم هذا الكارتل الطائفي، حظْر للمعلومات وإبقاؤها طي الكتمان الشديد، بهدف أن يضاعف القادة الطائفيون مكاسبهم ما يحجب أية إمكانية لترسيخ الديموقراطية، بما أنّ المواطنين يجهلون الحقيقة، وبالتالي عاجزون عن القيام بالخيارات الصحيحة.
ثامناً، أما بالنسبة إلى المعلومات العلمية، فإنها تُضحي عرضة للمحرمات السياسية والمجتمعية، كرفض القيمين على السلطة إجراء أي إحصاء سكاني، منذ عام 1932، كي لا تهتز تراتبية الطوائف.
تاسعاً، يؤدي نظام توافق الطوائف إلى سد كل منافذ المواطنية، إذ إنه يقف عائقاً أمام المواطن العادي الذي يحاول أن يمثّل على أساس لاطائفي.
عاشراً، وأخيراً، لا أمل في بناء دولة عصرية مركزية وقوية في ظل هذا النظام، لأنّ الطوائف تتصرّف وكأن مؤسسات الدولة إقطاعات شخصية يحقّ لها أن توزّعها على محازبيها كما تشاء.

«اتفاق الطائف» الإصلاحي
تضمّن «اتفاق الطائف» إصلاحات هدفها تغيير البنية المجتمعية والسياسية وتعزيز قدرات المواطنية، والوصول إلى مساواة حقيقية بين المواطنين، ذلك أنه يصدق علينا قول جورج أورويل بأن بعض المواطنين أكثر مساواة من البعض الآخر في نظامنا الطائفي!
إن اجتماع النواب اللبنانيين في مدينة الطائف السعودية أدى إلى وقف الحرب الأهلية عام 1989، لكنه هدف أيضاً إلى وضع قواعد جديدة تحول دون وقوع حروب طائفية أخرى. والإصلاحات التي تتمحور حول إلغاء الطائفية السياسية تريد أن تستبدلها بديموقراطية حقة، وأن يتم فصل الطائفة والمذهب عن السياسة، فيعود مصدر السلطات للمواطنين وللشعب.
يُعدّ بند إلغاء الطائفية السياسية بمثابة ثورة في بنية النظام اللبناني، شبيهة إلى حدّ بعيد بالثورة الفرنسية. فالطوائف تتقاسم سلطات الدولة، اليوم، ومن يمثل لبنان هو الطائفة لا المواطن، بينما إلغاء الطائفية السياسية يعني تطبيق معايير الديموقراطية القائمة على مساواة المواطنين، وهو ما لم يحدث في تاريخ لبنان الكبير منذ إنشائه من قبل الفرنسيين. لا تزال الطائفية الدينية تهيمن على ساحتي المجتمع والسياسة، وعلى حساب الحريات الشخصية وتطور الدولة، ولقد أدى هذا النظام إلى نتائج كارثية على صعيد الوطن، إذ إنه كلّما تنافست الطوائف للحصول على سلطات أكبر في الحكم، أدى ذلك إلى نزاعات وحروب أصبحت مستوطنة في لبنان.
وحتى في فترات الهدوء، ترفض الطوائف التعاون والتنازل في سبيل مصلحة الوطن وعوض ذلك، تلجأ كل طائفة إلى الحطّ من قدر الطوائف الأخرى في المجال العام. وما يضاعف المشكلة ويزيد الهوة بين المواطنين أن الطوائف تعتمد على الانقسامات «العامودية» لا «الأفقية». فالطوائف لا تستطيع الاندماج في ما بينها، بينما يقدر الفرد أن ينتقل من فئة اجتماعية إلى فئة أخرى في أي نظام حديث ودولة عصرية لا تعتمد نظام الطوائف المغلقة.
ويلجأ النظام الطائفي إلى تمتين وضعه السياسي من خلال استعمال مرادفات لمفاهيم حديثة لا تمتّ بأيّ صلة إلى وضعه البنيوي. فيتحدث النظام الطائفي عن «أقلية» و«أكثرية»، وهي تعني، في الدولة الحديثة، أكثرية أصوات المواطنين في دعمهم حزباً يحمل برنامجاً سياسياً واقتصادياً واجتماعياً في مواجهة برامج مختلفة. فالأكثرية هي أكثرية الرأي العام، وأكثرية المواطنين، لا «الأكثرية» الطائفية التي هي تعبير للعنصرية وازدراء الآخر. فحكم «الأكثرية» في لبنان يعني طغيان كارتل طوائف على أخرى.
إلغاء الطائفية السياسية يفتح المجال أمام لبنان للسير في خطى الديموقراطية التي تحترم إرادة المواطن وانخراطه في الشأن العام، بمعزل عن ملّته ومذهبه. وجرّاء ذلك، يتوقّف الفرد عن التطلّع إلى الطائفة كمصدر لهويته، ويتبنى برنامجاً وطنياً يخدم مصلحته كما مصلحة جميع المواطنين. إن إرادة «أكثرية» المواطنين ستعيد التقارب بينهم، ذلك أنّ الطائفية السياسية نقيض المواطنية، وإلغاؤها يضمن العدالة بين المواطنين.

فشل النظام الطائفي
المعضلة في النظام الطائفي اللبناني أنه فشل في إيجاد قواسم مشتركة بين المواطنين، وبالتالي فشل في أن يكون أداة حكم ناجحة. فما كادت القوات السورية تنسحب من لبنان، عام 2005، حتى عادت الصراعات الطائفية بشكل حاد أعاد إلى أذهان الجميع حروبهم خلال خمس عشرة سنة. ما هي الحلول التي طُرحت في خضم أزمة بنيوية كهذه؟

1 ــ مساواة بين الطوائف المسيحية والإسلامية
تمت في «اتفاق الطائف» مساواة دينَين في مجلس النواب، أي تمثيل الشعب مناصفة بين الدينين بمعزل عن التعداد السكاني لهذين الدينين. لقد فشل هذا الحل، وذلك لعدم إمكانية إقامة مساواة بين الطوائف لأنّ هذه الأخيرة في حالة تغير دائمة، وأجهزة الدولة غير قادرة على الحكم في ظلّ وضع أقرب ما يكون إلى الرمال المتحركة التي تُغرق من يحاول ولوجها. ويتضمّن هذا الحل الكثير من الرياء والنفاق، لأنه ضمناً، تؤمن كل طائفة كبرى بأنها هي التي يجب أن تحكم، وألا تتنازل لأي قانون خارج إرادتها لأن ذلك سيعني التنازل للطائفة الأخرى! ويعجز هذا الحل، أيضاً، على أرض الواقع بسبب عدم وجود أية آلية يُحتكم إليها في حال النزاع والخلاف بين الطوائف. لذلك، نجد أنّ الاحتكام في أوضاع كهذه يقود إلى الالتجاء إلى دولة أو دول خارج لبنان لتقوم بهذه المهمة.

2 ـــ حقوق المواطن/ المواطنة
إنّ أسس الحرية والمساواة في النظام الديموقراطي، تمُت إلى حقوق المواطنين وليس لأية هيئة أخرى، وسيطرة الطوائف على السلطة يلغي تلقائياً حقوق وحريات المواطن. ففي لبنان، الطوائف هي المسؤولة عن اغتصاب حقوق المواطنين لا الدولة. فلقد عمدت الطوائف إلى فرض قوانينها الخاصة، فاستباحت المواطنين من جهة، والدولة من جهة أخرى. وبالنتيجة عمّقت في فرقة المواطنين ولم تخلق أرضية مشتركة لهم. وفي خضم المواجهات السياسية، يتم تجاهل الرأي العام تجاهلاً تاماً بما أن السلطة ليست بيد الشعب، وحين يخسر الشعب حق تقرير مصيره، يخسر الوطن سيادته. خسارة السيادة مردّها إلى أن لبنان اتبع نظاماً قديماً بائداً يرتكز إلى الهوية الشخصية وعلاقات الدم ولم يُبنَ على أساس الانتماء للأرض أو الوطن. فالرأي العام غير موجود في لبنان، لأنّ الشأن العام مغيّب أصلاً. لقد تم التوافق في لبنان بين طائفتين كبريين، عام 1943، على أنّ مصيره هو شأن خاص، حكر على الطائفتين تماماً كما كانت تعتبر الأرستقراطية، والملكية والتيوقراطية أنظمتها في الأزمنة الغابرة محصورة بالخاصة وما على «العامة» إلا أن تنصاع.
وحين نحاول دراسة هوية وانتماء اللبناني أو اللبنانية، نجد أنّ الهوية لا تُعطى بناء على الولادة على هذه البقعة الجغرافية، كما هي الحال في كلّ الدول الحديثة القومية، بل تُكتب هوية الطفل/ الطفلة بناء على صلة الدم عبر الأب فقط، لا الأم، أي أنّ من يحقّ له المواطنة هو من يتبع النظام الطائفي البطريركي، فتُمنع الهوية عن أولاد الأم اللبنانية، كما أنها تُمنع عن كل مقيم أو مقيمة، فلا يكتسب هؤلاء أو أبناؤهم أو بناتهم الجنسية اللبنانية سواء ولدوا هنا، أو أقاموا بشكل دائم. إنّ حصر السلطة «بالخاصة» لا «العامة»، يؤسّس للتمييز بين أفراد المجتمع، فلا مساواة تُرتجى ولا عدالة تحقق، ولا حرية تسبغ، ويظلّ المواطن هائماً دون وطن.

الحلول الممكنة لإلغاء الطائفيّة السياسيّة
إنّ ديباجة هل ننزع الطائفية من النصوص أولاً أو النفوس، هي نقاش عقيم يريد صاحبه من خلاله أن يحافظ على الوضع الطائفي القائم. وللدلالة على عقم نقاش كهذا نورد المثال التالي: بقيت الولايات المتحدة الأميركية، وحتى الخمسينيات من القرن الماضي، تُمارس سياسة التمييز العنصري ضد السود، حتى بعد تحرّرهم من أصفاد العبودية. فكان لديها مواطنون درجة أولى، ومواطنون درجة ثانية، فقط لأنّ لون بشرتهم قاتم. ومُنع السود من الجلوس قرب البيض، وعُينت لهم مقصورات خاصة في مؤخرة القطار، وكذلك الحال في المدارس، والجامعات والكنائس والمقابر، وكانت المطاعم تضع لافتات على واجهة محلاتها تعلن منع دخول السود والكلاب!
ولو اتبعت حكومة الولايات المتحدة، آنذاك، سياسة النفوس قبل النصوص، لكان وضع الأميركيين المنحدرين من أفريقيا ما زال يرزح تحت قوانين ظالمة تميّزهم عن غيرهم من المواطنين وتمنع عنهم حقوق المواطنة. لقد مارست حكومة أميركا حقّها بوضع قوانين تُجبر المجتمع على معاملة السود على قدم المساواة مع البيض، في خمسينيات القرن الماضي، وبعثت بجيشها وقواتها إلى المدارس والجامعات وأجبرتها عنوة على فتح أبوابها، واستقبال الطلبة الأفرو ـــــ أميركيين.
واليوم، نجد أنّ هذه القوانين العادلة غيّرت من نفوس الملايين من البيض.
يقودنا هذا إلى الاستنتاج بأنّ النصوص تغيّر النفوس. إنّ النموذج العنصري الطائفي لا يقود إلّا إلى تقسيم المجتمع والمطالبة بالفدرالية أو الكونفدرالية. هذا المثال يطبّق في بلدان العالم الثالث التي يُراد تفتيتها، كما فعلت الولايات المتحدة في العراق، بعد غزوها عام 2003، وكما يطمح الكيان الصهيوني لترسيخه كدرع واقٍ في جواره ومحيطه. اليوم، لا مجال لإلغاء الطائفية السياسية في لبنان إلا عبر طريقتين:
الأولى، وتباشر بها السلطة الحاكمة، كما فعل رئيس مجلس النواب، نبيه بري، مؤخراً بدعوته إلى تطبيق إصلاحات «الطائف» والمبادرة إلى إنشاء «الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية». وتستطيع هذه الهيئة أن تدرس الخطوات الممكن اتخاذها باتجاه الإلغاء. والمهم هنا، عدم الوقوع في المزايدات، وطلب المستحيلات، بل القيام بخطوات صغيرة، وعملية، تؤدي تدريجاً إلى سحب تداول الطائفة في السياسة. والطريقة الثانية تعود إلى الشعب. وهذا الأخير هو مصدر السلطات في كل نظام ديموقراطي، فيطالب بإجراء استفتاء وطني يحدّد خياراته في نوع النظام الذي يرتأيه مناسباً له.

* أستاذة جامعية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا