إنّ «اتفاق الطائف»، الذي وضع حدّاً لحرب أهلية عصفت بلبنان طوال أعوام 1975 ـــــ 1990، أراد أن يؤسّس لتغيير نوعي ضمن الدولة اللبنانية يمنع من جرائه تكرار الحروب الطائفية والمذهبية على أرضه، فأدرج بند «إلغاء الطائفية السياسية» ضمن بنود الإصلاحات المطلوبة للنهوض بالدولة.

موضوع المواطنية في لبنان موضوع مأزوم لازَم هذا البلد منذ نشأته، إذ إن الإرث المجتمعي ارتكز على تقليد نظام الملّة الذي ورثه من السلطنة العثمانية. فهذه الأخيرة حكمت بناءً على المذهب السنّي الإسلامي، إلّا أنّها أحجمت عن فرض قوانينها الدينية على رعاياها في إمبراطورية مترامية الأطراف، وفضّلت أن تستنبط نظاماً يسمح لكلّ مذهب ديني بأن يطبق أحواله الشخصية الخاصة، كالولادة والوفاة والزواج والطلاق والإرث.
وحين حصل لبنان على استقلاله، عام 1943، اتفق زعماء الطائفتين السنية والمارونية على تثبيت نظام الملّة وجعله جزءاً لا يتجزّأ من النشاط السياسي وإدارة شؤون الدولة، أي أنّه أصبح ملازماً للسلطة، وبالتالي جرى توزيع أجهزة الدولة ما بين الطوائف والمذاهب الدينية، بحسب أحجامها (كما كانت عام 1943)، من دون استفتاء الشعب اللبناني حول خياراته في مصدر السلطات. وبدلاً من أن يؤدي التطور والتحديث إلى اضمحلال هذا النظام الهجين، أخذ بالانتشار والتوسع حتى طغى على مجالات الحياة كافّة، السياسية منها والاجتماعية والاقتصادية والخاصة، فعجز اللبنانيون عن إنقاذ أنفسهم من النتائج الكارثية لهذا النمط البدائي للحكم.

ميثاق 1943
حين أعلن الجنرال غورو إنشاء لبنان الكبير، عام 1920، عنى ذلك ضمناً الاعتراف بسيادة المسيحيين الموارنة. وبالتالي، أرسى غورو ركائز نظام سياسي يقوم على تمثيل الطائفة لا المواطنين، مع وجود نية واضحة لدى الفرنسيين لإعلاء شأن الموارنة في إدارة شؤون الدولة، ما أدى إلى تراتبية الطوائف بحسب أحجامها وأوضاعها القانونية. وأُنشئ مجلس إدارة يمثّل الطوائف الرئيسة، مهمّته مساعدة المندوب السامي الفرنسي، وتمّ وضع قوانين لانتخابات تتماشى والأسس الطائفية للدولة.
وفي المعاهدة الفرنسية ــــــ اللبنانية، عام 1936، وعبر مراسلات بين رئيس الجمهورية إميل إده، والمندوب السامي دو مارتل، تمّ الإقرار بأن تُمثَّل الطوائف الدينية بصورة عادلة في الحكومة والإدارة. هذه الرسائل المتبادلة والمعروفة بـ«باء ـــــ باء مكرر» وضعت اللبنة الأولى لبنية الدولة الطائفية، ولم يتغيّر هذا المبدأ حتى بعد الاستقلال. ومن الطريف ملاحظة أنّ إرساء قواعد الطائفية السياسية تمّ في لبنان بموافقة المندوب السامي، بينما حاول رئيس جمهورية فرنسا تطبيق مبدأ علمنة الدولة اللبنانية، فأوعز إلى هنري دو جوفنال Henri de Jouvenal بأنّ حقوق سكان سوريا ولبنان يجب أن تتطابق مع الحريات التي يتمتّع بها الغرب، «فمن واجبنا إدراج هذه القوانين كجزء من قيم سوريا المشرقية: ومنها حرية المعتقد، والحرية الشخصية، والمساواة أمام القانون، وحق الملكية الفردية بما يتماشى وشرعة حقوق الإنسان».
ومع استقلال لبنان، اتفق رئيس الجمهورية الماروني، بشارة الخوري، ورئيس مجلس الوزراء السنّي رياض الصلح على ميثاق ظلّ شفهياً، يمتنع فيه المسلمون عن المطالبة بالعودة إلى سوريا، بينما يتخلّى المسيحيون عن حماية الفرنسيين لهم. لماذا توجّب على رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء التوافق على ميثاق شفهي عشية الاستقلال؟ ولماذا اعتبر هذا الميثاق الحجر الأساس في الحياة اللبنانية؟
من المعروف أنّ المسلمين وعدداً لا يستهان به من المسيحيين حافظوا على مطالبتهم بإعادة وحدة بلاد الشام ورفضوا الخضوع للانتداب الفرنسي، إلّا أنّ الأسباب التي أدرجها رياض الصلح لبقاء المسلمين ضمن البوتقة السورية لا تمتّ بصلة للهوية القومية أو الأيديولوجية القومية العربية. أعلن رياض الصلح في اتفاقه الميثاقي مع بشارة الخوري: «إذا عومل المسلمون على قدم المساواة مع المسيحيين في لبنان مستقل، فلن نطالب بالوحدة السورية».

الوفاق الطائفي
يمكن الاستنتاج ممّا سبق أنّ الميثاق الوطني ليس أكثر من توافق زعيمَي طائفتين كبريَين آنذاك: المارونية والسنية. أما مطالبة الموارنة بالحماية الفرنسية، فحافزها المحافظة على مكاسب الطائفة، تماماً كمطالبة السنّة بالمساندة العربية.
ويعود الفضل لرياض الصلح في إقناع الزعماء السنّة الآخرين بالقبول بلبنان منفصل عن سوريا. هذا التوجّه الفكري طغى إلى درجة أدّت إلى قول أحد المؤرّخين السنّة إنّ المسلمين السنّة عليهم الاعتراف بلبنان كوطن نهائي ومستقل، طالما عوملوا على قدم المساواة مع المسيحيين، وإلا فإنهم بحلّ من التزاماتهم.
ضمن هذا الإطار، المطلب الإسلامي للوحدة، كما المطلب المسيحي للحماية، لا أساس لهما إلا الحفاظ على المكاسب الطائفية في السلطة، وطالما تمّ الاستحواذ على هذه المواقع، تسقط الديباجات العقائدية على أساس أنها ليست أهدافاً بحد ذاتها، بل وسائل لبلوغ مراكز القوة في الدولة. ويتّفق جلّ المؤرّخين على أنّ الفترة الواقعة بين عامَي 1920 و1943، شهدت رفض غالبية المسلمين المشاركة في إدارة الدولة، ما فتح المجال أمام المسيحيين لتبوّء السلطة تحت الحكم الفرنسي. لكن ما إن حلّ الاستقلال، حتى تنبّه المسلمون إلى فوائد الانخراط في الشأن العام. وكان الشرط لهذا التوجه الجديد، تنظيم أنفسهم كطائفة سنّية على الصعيد السياسي، فسارع رياض الصلح إلى أخذ المبادرة والتكلّم باسم المسلمين عامّة. ومع إنجاز هذه الخطوة لم يعد مهماً، من الناحية البنيوية، من يتقدّم الآخر في تراتبية السلطة؛ المسلمون أم المسيحيون، إذ إن إرساء النظام الطائفي السياسي أصبح واقعاً. فلبنان الذي أُسّس عام 1920 على ركيزة المارونية السياسية، أضحى له رديف سنّي عام 1943. وهيمنة هاتين الطائفتين، سمحت لبشارة الخوري بالتكلّم، ليس فقط باسم الموارنة، بل باسم كل المسيحيين، من روم أرثوذوكس إلى روم كاثوليك، فكاثوليك وبروتستانت وسريان، كما أنّ رياض الصلح نصّب نفسه باسم السنّة والدروز والشيعة.
نستخلص من ذلك، أنّ الوفاق الوطني سُمّي «وطنياً» فقط لأنّ تلك اللحظة، أي عام 1943، شهدت إمكانية أن يتّخذ سنّي قراراً مصيرياً باسم كل المسلمين، كما استطاع ماروني أن يمثّل المسيحيين كافة. ولكن هل تصمد هذه الصورة، وهل الوضع هو نفسه اليوم؟

المصلحة الطائفيّة
بالرغم من أنّ الميثاق الوطني أكّد ضرورة المساواة بين المسيحيين والمسلمين، أو بشكل أدق، بين السنّة والموارنة، إلا أنّ الحقيقة كمنت في مكان آخر. فمن المعروف أن قرار الانتداب الفرنسي سلخ مناطق سورية، وإضافتها لتكوين لبنان الكبير، لم يكن ممكناً لولا جهود الكنيسة المارونية التي كانت تتطلّع إلى أفضليّتها على الطوائف الأخرى. وحين تبوّأ الموارنة السلطة، عام 1920، تلاشت أية رغبة لديهم بتقاسم الطوائف الأخرى لامتيازاتهم. وبرّر رياض الصلح الإذعان لمشيئة الموارنة، والقبول بأن يكونوا على رأس الهرم، بالجزم أنّ المسيحيين خائفون على مصير لبنان في حال فاق عدد المسلمين المسيحيين مستقبلاً ــــــ وبالتالي السيطرة على المجلس النيابي والتصويت بأغلبية ساحقة بإعادة لبنان إلى سوريا. وكرّست المادة 95 المعدّلة بالقانون الدستوري، الصادر في 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1943، الميثاق الوطني بتأكيدها أنه «بصورة مؤقتة والتماساً للعدل والوفاق تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة من دون أن يؤول ذلك إلى الإضرار بمصلحة الدولة».
لقد عنى «تمثيل الطوائف» بصورة عادلة، أنّ الطائفة الأكثر عدداً هي التي تستحوذ على رأس الدولة، وتحصل على غالبية النواب في المجلس النيابي. وأظهر الإحصاء السكاني، عام 1932، غالبية مارونية، تتبعها السنّة فالشيعة، وتمّ على هذا الأساس توزيع سلطات الدولة، ما أسّس لتراتبية الطوائف ضمن النظام السياسي. ومنذ ذلك الحين، تمّ رفض أي إحصاء لتعداد السكان، وبقي إحصاء 1932 يتيماً في التاريخ اللبناني!! والأسباب التي تحدو إلى عدم تكرار التجربة واضحة. فأي تحوّل ديموغرافي يظهره الإحصاء الجديد يعني حتمية تغيير تراتبية الطوائف من الأعلى نحو الأسفل.

«اتفاق الطائف» هو حلقة في سلسلة طويلة من الاتفاقيات بين الطوائف الكبرى في لبنان


وأمام هذا التحدي الديموغرافي، لجأت المارونية السياسية إلى إعطاء الهوية اللبنانية للأرمن والفلسطينيين والسوريين المسيحيين الموجودين في لبنان، وذلك في الخمسينيات من القرن الماضي، وخصوصاً أيام رئاسة كميل شمعون، لكنّها مُنعت عن الأكراد والفلسطينيين والسوريين المسلمين، فظلّت التراتبية الطائفية كما هي من رئاسة جمهورية للموارنة، ورئاسة مجلس الوزراء للسنّة، ورئاسة المجلس النيابي للشيعة، وسمح للروم الأرثوذوكس بأخذ مركز نائب رئيس مجلس الوزراء، ونائب رئيس المجلس النيابي، بينما أُعطي الدروز والكاثوليك وزارة على الأقل. لا تعكس هذه المراكز تراتبية الطوائف فحسب، بل تجعل هذه المراكز متوارثة وحصريّة في أيدي كلّ طائفة، ما يعني أنّ كلّ طائفة استولت على جزء من الحيّز العام ومن السلطة أبدياً، فيصبح من المتعذّر على أي مواطن/ مواطنة، لبناني/ لبنانية، ينتمي/ تنتمي إلى طائفة غير محظيّة، المشاركة في السلطة مهما كانت كفاءاته/ ها أو قدراته/ها .

احتكار الطوائف للشأن العام
من الطبيعي أنّ الطائفة التي تتصدّر هرمية الحكم، هي التي ستدافع بشراسة عن النظام الطائفي. وتزخر أدبيات المارونية السياسية بالمقالات والأبحاث والكتب التي تمجّد الميثاق الوطني. فبشارة الخوري، مثلاً، اعتبر أنّ من الخطر جداً إلغاء الطائفية السياسية، وأنّ على اللبنانيين الانتظار حتى تصل مشاعرهم الوطنية إلى درجة الكمال قبل التفكير بأي تغيير في نظامهم!
وتصدى مفكّران مسيحيان بارزان للدفاع عن الميثاق، هما: كمال الحاج وميشال شيحا. فالأول، يعتبر أنّ لبنان هو الميثاق وبدونه لا وجود للدولة شرعاً أو فعلياً، أما الثاني فيرى أن لبنان موجود نتيجة توازن دقيق بين الطوائف. حقاً إنّه لتوازن دقيق! ولشدة دقّته أصبح المجلس النيابي الحلبة المفضّلة للصراعات الطائفية، ذلك أنّ هذا المجلس التمثيلي لا يمثل المواطنين بل الطوائف، فكلّ مرشّح للنيابة عليه أن يخوض معركته بناءً على مذهبه الملّي المدوّن بعناية فائقة في سجلّات الدولة وإخراجات القيد. ولا يسمح لأي حزب سياسي بأن يرشّح أحد محازبيه على أسس علمانية كمواطن أو مواطنة، أو على أسس برنامج وطني يشمل جميع المواطنين، بل يجبر هذا الحزب على اختيار مرشحيه بناءً على طائفتهم ومذهبهم، بما أنّ المجلس النيابي ممثل للطوائف لا للمواطنين. وهكذا يغدو الميثاق المحرك السياسي الأوحد الذي يتجاهل قوانين الدستور التي ترتكز على المواطنية.
لبنان الميثاق، هو عبارة عن فدرالية طوائف. تطبّق الكوتا الطائفية على كل نواحي الحياة السياسية والمجتمعية، وتصل حتى إلى التجنيد في جيش يفترض به أن يكون وطنياً. وما يثير الدهشة، هو أنّ الحكومة لا تسمح بأن يتقدّم متطوّعون للجيش مخافة الإخلال بالتراتبية الطائفية بين الضباط والجنود. هذه السياسة أدت إلى إضعاف الجيش. ومن المنطقي الافتراض بأنها كانت مقصودة وهدفت إلى إبقائه هزيلاً، مخافة أن يتجنّد المسلمون بأعداد أكبر من المسيحيين. وممّا يؤكد هذا المنحى، أنّ المسيحيين بشكل عام يرفضون الانخراط في الجيش، إلى درجة أنّ النواب المسيحيين ثاروا على رئيس الجمهورية السابق الجنرال إميل لحود، حين نصّ على خدمة العلَم الإلزامية لسنة واحدة لكلّ مواطن بلغ الثامنة عشرة من عمره. وامتد إلحاح غالبية السياسيين المسيحيين المطالبين بإلغاء خدمة العلم، منذ عام 1993، يوم صدور القانون حتى عام 2006، حين استطاعت الوصول إلى مبتغاها.
هكذا، ومنذ الاستقلال، اعتمد لبنان على نظامين لا يمتّان بصلة بين بعضهما البعض في ما يختصّ بهويته كمجتمع، وبالتالي وقع مفهوم المواطنية في إشكاليات متعارِضة ومتضادة وأيضاً في متاهات تيارات متضاربة. فمن جهة، وُضع الدستور اللبناني على المثال الفرنسي، الذي يؤمّن المساواة بين المواطنين أمام القانون، ويحدّد النظام الديموقراطي البرلماني الجمهوري كنظام حكم، ومن جهة أخرى قام الميثاق الوطني الشفهي بتعطيل الدستور وإعطاء صلاحيات الدولة للطوائف.
وهكذا، وجَد اللبنانيون أنفسهم، ومن دون أي استثناء محاصَرين بنظام مزدوج المعايير، لم يختاروه لا على الصعيد العام ولا على الصعيد الشخصي. ففي كلا المجالين، أضحت الهيمنة للطائفة التي تتحكّم بالمواطن/ المواطنة وحياته/ ها الخاصة، عبر قوانين الأحوال الشخصية، والتي تفرض عليه/ ها نمطها في الشأن العام إن هو/ هي أراد/ ت الولوج في الحياة السياسية.

«اتفاق الطائف» 1989
«اتفاق الطائف»، هو حلقة في سلسلة طويلة من الاتفاقيات بين الطوائف الكبرى في لبنان. وعادة ما تأتي هذه التفاهمات كنتيجة لمأزق يطال مصير لبنان كدولة. ففي عام 1943، فتح الميثاق الوطني الباب لإمكانية الانتقال من الانتداب الفرنسي إلى الاستقلال، وفي 14 شباط/ فبراير 1976، حاول رئيس الجمهورية سليمان فرنجية (1970 ــــــ 1976) نزع فتيل الحرب بـ«وثيقته الدستورية»، ففشل. وأعاد الكرّة رئيس الجمهورية إلياس سركيس، عبر طرحه 14 بنداً للمصالحة الوطنية عام 1980.
كلّ هذه الطروحات، التي تهدف إلى توافق الطوائف، وعدت بإصلاحات في البنية السياسية، إلّا أنّ هذه الوعود ذهبت أدراج الرياح. وفي نهاية المطاف، تُقدِّم هذه الاتفاقيات مخارج لا تبتعد عن الأمر الواقع، ولا تنسف النظام الطائفي القائم، فيما تعلن عن حلول جذرية بعيدة المدى والتي لا يصار إلى تطبيقها. فالميثاق الوطني أكد أنّه لن يرتكز على النظام الطائفي المخالف للدستور ولحقوق المواطن إلا لفترة مؤقتة، يصار بعدها إلى إلغاء الطائفية. وكانت النتيجة أنّ هذه الفقرة المؤقتة أصبحت قانوناً ملزِماً.
ولا يشذّ «اتفاق الطائف» عن هذه الممارسة، فنصّ على أنّ يتمّ تقاسم المجلس النيابي مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، بعد الأخذ بعين الاعتبار حجم الطوائف، بينما يتعيّن على بند إلغاء الطائفية السياسية الانتظار. وبالتالي، لم يغيّر «اتفاق الطائف» بنية لبنان السياسية ــــــ الطائفية، بل غيّر في الأحجام فقط، إذ إنّ الوضع القائم سابقاً حدّد نسبة المسيحيين ستة مقابل خمسة نواب للمسلمين، ومع تغيّر موازين القوى الطائفية في نهاية الحرب، وضعف المسيحيين جراء الهجرة، وحرب «القوات اللبنانية» ضدّ ميشال عون، وضدّ «الحركة الوطنية» وسوريا، بين عامَي 1988 و1990. وبالتالي، خسِر رئيس الجمهورية الماروني العديد من صلاحيّاته، فلم يعد باستطاعته حلّ مجلس الوزراء أو إلغاء القرارات التي تصدر عنه، ولم يعد القائد الفعلي للجيش، بينما أُلحقت هذه الصلاحيات بمجلس الوزراء مجتمعاً.
وبالتوازي مع مجلس الوزراء، كبُر وضع المجلس النيابي ما أدى إلى نوع من الأوليغارشية (oligarchy) في الحكم تقودها الترويكا المؤلّفة من الثلاثي: رئيس الجمهورية، رئيس الوزراء ورئيس المجلس النيابي. ولا يمر أيّ قرار مهم من دون موافقة الرؤساء الثلاثة. وبحكم مركزه، اضطر كل عضو من هذه الترويكا إلى أن يقوم بدور مزدوج: دوره كرئيس مؤسّسة حكومية من جهة، ومن جهة أخرى دوره في قيادة طائفته. وغنيّ عن القول إنّه غالباً ما كان هذان الدوران يتعارضان ويتضاربان. لقد شكلت رئاسة الجنرال إميل لحود للجمهورية، بين الأعوام 1998 و2007، استثناءً بارزاً وجوهرياً في الحكم، إذ إنّه حاول جاهداً توحيد لبنان على أسُس وطنية لاطائفية، فقام بدمج ألوية الجيش التي كانت منقسمة إلى ألوية طائفية، وآزر مبدأ الكفاءة في التعيينات لا المحسوبيات، ورفض رفضاً قاطعاً اللعب على التناقضات الطائفية، كما المهادنة أمام العدو الإسرائيلي، الذي كان يحتلّ جنوب لبنان حين أصبح رئيساً، فقدّم مثالاً يحتذى به في إعلاء شأن مصلحة الوطن فوق مصالح الطوائف والمذاهب الضيّقة والمدمرة.

رمال الطوائف المتحرّكة
بعدما شنّت إسرائيل هجوماً برياً وجوياً وبحرياً على لبنان، في تموز/ يوليو 2006، وانسحب الوزراء الشيعة من المجلس الوزاري احتجاجاً، قرّر من بقي في المجلس مقاطعة رئاسة الجمهورية، وبالتالي قوّضت صلاحياتها بأكثر ممّا نصّ عليه «اتفاق الطائف». وأخذ رئيس مجلس الوزراء آنذاك، فؤاد السنيورة، العديد من امتيازات الرئاسة الأولى، وأهمها:
أولاً، توقّف رئيس مجلس الوزراء عن التوافق مع رئيس الجمهورية إميل لحود حول جدول مجلس الوزراء الأسبوعي.
ثانياً، تمّ تجاهل «اتفاق الطائف» الذي ينصّ على ضرورة أن يوقّع رئيس الجمهورية على كل المراسيم الوزارية.
ثالثاً، أطاح مجلس الوزراء المادة الدستورية التي تعطي رئيس الجمهورية الحق بتوقيع المعاهدات الدولية.
رابعاً، بما أنّ رئيس الجمهورية يعدّ المسؤول الأول عن تطبيق الدستور، فإنّه كان يصادق على اختيار قضاة مجلس القضاء الأعلى، إلّا أنّ هذا الحق اتخذه مجلس الوزراء لنفسه عام 2007.
خامساً، وأخيراً، حاول مجلس الوزراء الضغط على المجلس النيابي لاختيار رئيس جديد للجمهورية في خريف 2007 بغالبية بسيطة لأصوات النواب، متجاهلاً الدستور وضرورة وجود ثلثي أصوات النواب.
إلّا أنّ قوة الطائفة الشيعية كانت آخذة بالتزايد. وهذه القوة السياسية الحديثة العهد طالبت بتمثيلها بشكل عادل في المراكز الحكومية، مبرّرة مطالبتها هذه بنصّ المادة 95 من الدستور، بينما تمسّك كل من السنّة والمسيحيين بالميثاق الوطني، رافضين التنازل عن صلاحياتهم. فمع نهاية الحرب الأهلية، وحلول عام 1990، برز التقدّم الشيعي من خلال حزبين بالغَي الأهمية: حركة أمل وحزب الله. كذلك، ازدادت أعدادهم وشكّلوا أقلية كبيرة، وأثرى العديد منهم في المهاجر وعادوا بأموالهم إلى لبنان، بينما أقبل شبابهم على العلم والمعرفة فأمّوا الجامعات في لبنان وفي الخارج أيضاً.
وبعد احتلال إسرائيل جنوب لبنان، عام 1982، هُجّر الجنوبيون، فأمّوا العاصمة وتمركزوا في الضاحية الجنوبية من بيروت، وهم يتبوّأون مراكز عديدة في بيروقراطية الدولة، ومستعدّون للانخراط في الجيش، بينما يأنف المسيحيون من قبول هذه الوظائف لقلّة مردودها المادي. وحين أصبح الجنرال ميشال عون رئيساً للجمهورية، عام 2016، حاول استعادة صلاحيات الموارنة ليس فقط على صعيد رئاسة الجمهورية، بل في إدارات الدولة أيضاً، ما خلَق تشنّجاً بينه وبين السنّة الذين كانوا يهيمنون على الساحة السياسية جراء نتائج الحرب الأهلية ومفاعيل «الطائف».
يقودنا هذا البحث إلى الاستنتاج أنّ أيّ دستور يرتكز على النظام الطائفي، فإنّه يُبنى على رمال متحرّكة وأرضية هشّة ومتداعية، لأنّ الطوائف في تغيّر دائم بالنسبة إلى أحجامها وقواها، ولأنّ أسباباً داخلية وخارجية أيضاً تؤدي إلى تطوّر أو انحدار بعض الطوائف بموازاة طوائف أخرى.
* أستاذة جامعية

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا